; الهجرة وقائع.. ودروس | مجلة المجتمع

العنوان الهجرة وقائع.. ودروس

الكاتب غازي التوبة

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1975

مشاهدات 84

نشر في العدد 233

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 21-يناير-1975

الهجرة وقائع.. ودروس أيها الأخوة: قال الله تعالى في كتابه الكريم عن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40) أيها الإخوة الأحبة: الحديث عن الهجرة حديث طيب عطر، لأن الهجرة كانت منعطفًا ضخمًا في تاريخ الدعوة الإسلامية، وكانت فيصلًا قاطعًا بين مرحلتين، ونحن- قطعًا- حينما نلتقي لنتدارس من أجل وقائع الهجرة، لا نتدارسها من أجل أن نطرب لأحداثها وأن ننتشي من سردها، وإنما بالإضافة إلى كل هذا نتدارسها من أجل أن نقتدي برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في سيرته، ونقبس من نور هديه، لذلك فإنني لن أتلو عليكم وقائع الهجرة تاريخيًا، لأنكم لا شك الممتم بوقائع الهجرة إن لم يكن تفصيلًا ففي خطوطها العريضة، وسيكون منهجي معكم في هذا اللقاء الطيب أن أعرض أمامكم عدة وقائع من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأحاول أن استخلص معكم منها بعض النتائج العملية التي يمكن أن تنير للداعية ظلام طريقه، والتي يمكن أن يتأسى بها المسلم في حياته الحاضرة، هذه الوقائع واقعة رد الأمانات، واقعة سراقة بن مالك، واقعة التآخي بين الأنصار والمهاجرين، ثم أجرى في النهاية مقارنة بين هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهجرات إخوانه الأنبياء الذي سبقوه عليهم الصلاة والسلام. واقعة رد الأمانات: جاء الأمر الإلهي لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن يهاجر، وكان في أخر من هاجر من المسلمين، فأوكل الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي أن ينام في فراشه، وكان السبب المباشر الذي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر عليًا رضي الله عنه بالنوم في فراشه هو أن بعض مشركي قريش وضعوا عند محمد أمانات لهم، واضطر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبقى عليًا لكي يعيد الأمانات إلى أصحابها. ما الذي نستخلصه من هذه الواقعة؟ نستخلص أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض ثقته واحترامه على الآخرين من خلال سلوكه الأمين، وخلقه العالي، وبقي يتعامل مع أعدائه في أشد لحظات العداوة معهم بخلقه وليس بخلقهم، وهذا ما يوجب علينا أن ننقي سلوكنا وأن نعامل حتى أعداءنا بما يوجبه علينا خلق الإسلام العالي، فهذا هو الرصيد الذي يحول الواقع- في النهاية- لصالح المسلم. واقعة سراقة: أعلنت قريش أنها ستعطي مائة من الإبل لمن يساعد في القبض على الرسول صلى الله عليه وسلم وكان تناهي إلى سمع سراقة أن محمدًا وأبا بكر يسيران في طريق معين، فخرج تابعًا أثر الرسول صلى الله عليه وسلم ورأه في النهاية ولكنه حينما اقترب من الرسول صلى الله عليه وسلم تعثرت فرسه فسقط عنها، ثم عاد فامتطاها، ولكنها هوت ثانية وألقت سراقة عنها، فأيقن أن هذا الأمر ليس أمر بشر، وان محمدًا رسول الله حقًا، فقام ينادي بالأمان وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعطيه عهدًا، فوعده الرسول صلى الله عليه وسلم سواری كسري. إنه لأمر لافت للنظر أن يعد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المطارد الشريد الذي لا يملك قوة يحمي فيها نفسه أن يصد سراقة بسواري كسرى وهو قائد أعظم، فبم نفسر ذلك؟ نفسر ذلك بالثقة الكاملة بنصر الله واليقين بانتصار رسالة الإسلام. إن هذه الثقة وهذا اليقين أمس ما يحتاجه المسلم في هذه الفترة كي يواجه انحسار الإسلام عن الواقع، ويبقى على يقين من أن مد الإسلام آت، وانتصاره أكيد، وهيمنته- ثانية- محتمة، لأن الإسلام رسالة الله التي تناسب- وحدها- الفطرة البشرية، مهما ابتعدت المجتمعات عن الإسلام. واقعة التآخي بين الأنصار والمهاجرين: حدث خلل اقتصادي في المدينة إثر هجرة المهاجرين، فكأن هناك أنصار أغنياء ومهاجرون فقراء. وقد حل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الخلل بالمؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، فأعطى الأنصار نصف ثرواتهم إلى إخوانهم المهاجرين، نتيجة المؤاخاة، وهكذا عاد التوازن الاقتصادي إلى المجتمع المدني، وكانت واقعة المؤاخاة هذه من أول الأعمال التي قام بها الرسول في المدينة. ما الدروس التي نستفيدها من هذه الواقعة؟ الأول: كان الإسلام واقعيًا لأنه سد الخلل الاقتصادي الذي واجهه مجتمع المدينة بأساليب قررها الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته قائد المجتمع المدني آنذاك. الثاني: التوازن الاقتصادي سمة بارزة من سمات المجتمع المدني، كما يجب أن تكون سمة كل مجتمع إسلامي. الثالث: يحوي المجتمع الإنساني بصورة عامة، والعالم الإسلامي بصورة خاصة تباينًا بين طبقاته ودوله فهناك طبقات ودول غنية وأخرى فقيرة، ويجري البحث حثيثًا عن حلول لهذا التباين، فكل يعرض بضاعته، وقد جربت حلول متعددة في أمكنة مختلفة، ولكن لم تقطع هذه الحلول دابر التباين، وبقي حل واحد لم يجرب، هو الحل الاقتصادي الإسلامي كما جسده مجتمع المدينة فهلا جربناه؟ استفحال المرض وامتلاك المسلمين للدواء يضاعف مسؤولياتهم في ضرورة إيصال هذا الدواء للمريض حتى يشفوه مما هو فيه. القاعدة الصلبة والهجرة هاجر أنبياء كثيرون قبل محمد صلى الله عليه وسلم هاجر نوح وإبراهيم ولوط وصالح ويونس وهود عليهم الصلاة والسلام. لكن معنى هجرة هؤلاء الأنبياء تختلف عن معنى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ تحمل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم معنى الانتصار، معنى إقامة الدولة الإسلامية، في حين أن هجرة هؤلاء الأنبياء تحمل معنى الفرار من الواقع المؤذي الذي لم تعد هناك طاقة في احتماله، معنى اليأس من الإبنات في تلك الأرض الجدباء، معنى البحث عن تربة جديدة، معنى البداية الجديدة. لذلك كانت تتبع هجرة هؤلاء الأنبياء عذابًا ينزله الله بأقوامهم، فكان أمطار الحجارة على قوم لوط، وكانت الريح لقوم عاد وكانت الصيحة على قوم ثمود. وقد عرفت الدعوة الإسلامية في مسيرتها الهجرة بذلك المعنى حينما هاجر المسلمون مرتين إلى الحبشة هربًا بدينهم من إيذاء قريش وبحثًا عن تربة جديدة. إذن ما الذي جعل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع صحابته إلى المدينة تحمل معنى الانتصار وجعلها تختلف عن هجرة الأنبياء السابقين؟ يكمن السبب في القاعدة الصلبة التي كونها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة خلال ثلاث عشرة سنة والتي كان يقينها بالله يفوق كل يقين، والتي كان استعدادها بالأنفس والأموال يفوق كل استعداد، والتي كانت ثقتها بقائدها وحبها له يفوق كل حب. ويتأكد هذا المعنى إذا قارنًا بين هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مع صحابته وهجرة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل من مصر إلى فلسطين، إذ هما الهجرتان الجماعيتان الوحيدتان اللتان قام بهما رسولان فيما أعلم، إذ كانت هجرات الأنبياء الآخرين أقرب إلى الفردية والمجموعات المحدودة. خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل وقد وعدهم الله أرض الميعاد لكنهم لم يستطيعوا أن يحققوا أهدافهم، بل ارتدوا إلى عبادة الأصنام في غياب موسى عليه السلام، ورفضوا أن يقاتلوا أهل فلسطين بحجة «أن فيها قومًا جبارين»، وقالوا لموسى:﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: 24) ما السبب في أن موسى عليه السلام لم يستطع أن يحقق أهدافه؟ السبب في أن نفوس بني إسرائيل لم تكن قد خلصت الله توحيدًا وعبادة وجهادًا، لذلك ركنوا إلى الدنيا، ولم تكن نفوسهم قد تخلصت من معاني الذين الفوه في مصر، لذلك كان لا بد من تمحيص جديد حتى يأتي جيل جديد أوثق صلة بالله، وأشد مراسًا في تحمل رسالة الله، فكان التيه الذي دام أربعين سنة والذي قضى فيه الله على تلك النفوس المهترئة واستبدلها نفوسًا أكثر استعدادًا للتضحية في سبيل الله. إن هجرة محمد صلى الله عليه وسلم كانت انتصارًا لأنه كون قبل ذلك قاعدة صلبة، ولم تكن هجرة موسى انتصارًا؛ لأنه لم يكن قد تكون من بني إسرائيل قاعدة صلبة، وقد اقتضى تكوين تلك القاعدة أربعين سنة أخرى من التيه في رمال الصحراء. إذن نحن إذا أردنا أن ندخل التاريخ مرة ثانية فعلينا أن نكون القاعدة الصلبة؛ لأنه بدونها لا مجال لتحقيق الانتصارات. فهذه القاعدة الصلبة التي رباها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة هي التي نشرت الإسلام في الجزيرة العربية أثناء حياته، وهي التي بقيت على ولائها للإسلام مع أبي بكر في المدينة حين ارتدت الجزيرة العربية كلها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي التي أعادت السيطرة على الجزيرة العربية كلها مرة ثانية ثم نشرت الإسلام خارج الجزيرة العربية وأزالت دولتي كسرى وقيصر. نحن الآن في هذا العصر أحوج ما تكون إلى هذه القاعدة الصلبة حيث استنفذت الحضارة الأوروبية أغراضها واهترأت وهي تحيا أيامها الأخيرة بإجماع الفلاسفة والمؤرخين من توينبي إلى شبنجلر إلى راسل إلى الكسيس كاريل إلخ. إن الإنسانية تحتاج- الآن- إلى قاعدة صلبة كتلك التي رباها الرسول صلى الله عليه وسلم لتنقذها مما هي فيه من شرور وآثام. فهل نكون تلك القاعدة الصلبة؟ ذلك شرف كبير نطمح إليه ونسأل الله أن نكونه.
الرابط المختصر :