; الهجرة والعودة والوطن الضائع.. | مجلة المجتمع

العنوان الهجرة والعودة والوطن الضائع..

الكاتب إبراهيم المصري

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1977

مشاهدات 72

نشر في العدد 378

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 13-ديسمبر-1977

مرت منذ أيام بالمسلمين ذكرى رأس السنة الهجرية وإذا كانت الإيجابيات في حياتنا الحاضرة قد ذبلت أو انعدمت فإننا نحمد الله على أن المسلمين لم يبلغوا ما بلغه سواهم من انحدار في ذكرى رأس السنة فلا هرج ولا مرج، ولا سهرات ماجنة، ولا زعيق ولا صفير، ولا كرنفالات ولا إطلاق رصاص.. فالحمد لله الذي لا يحمد في كل الأحوال سواه.

وإذا كان الناس من غير المسلمين قد تعودوا أن يجربوا حظهم بمناسبة بداية العام الجديد فإنه جدير بنا نحن المسلمين أن نستعرض عامنا الذي فات وحاضرنا الذي نعيشه، لعل في ذلك ما ينبه الغافل ويذكر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهید، فقد كان العام الذي مضى، هزة عنيفة لمشاعرنا التي تبدلت على عار الهزيمة ولقضيتنا الكبرى التي كدنا ننسى أننا معنيون بحلها.

ذلك أن حرب العاشر من رمضان الماضي- بغض النظر عن كل ما أحاط بها- كانت جذوة أنعشت الأمل ليس بالنصر أو التحرير واستعادة الوطن المغتصب، ولكن فقط بأن الإنسان العربي قد استعاد رجولته وثقته بنفسه وقدرته على أن يقاتل، وهذه خطوة واسعة في طريق طويل ولكن- كما قلنا في الشهاب سابقًا- فإن القيادات لم تستطع الاستفادة من هذه الجذوة التي تأججت فاكتفت بمكاسب محدودة ما لبثت أن انقلبت عليها ثغرات وهزائم خرجت منها وكأنها لم تقدم للقضية إلا مجرد التحريك.

وانتهت الحرب «المحدودة» وجاء الصديق الجديد «كيسنجر» فدانت له الرقاب وانحلت أمامه العقد، وخلال عدة سفرات ما بين أسوان والقدس ودمشق و.. و.. تقاربت وجهات النظر وكان الاتفاق الأول حول فصل القوات على أن تتبعه مفاوضات السلام الدائم والاعتراف المتبادل والحدود الأمنة، ويرحم الله شعارات العودة والنار وتحرير الوطن السليب.

هذا أهم أحداث عامنا الماضي، بل أبرز ما شهده جيلنا الحاضر في سلسلة المآسي التي قدر له أن يشهدها. فماذا حصل وماذا كانت ردة الفعل؟ لم يرتفع صوت جاد واحد بإنكاره، بل لم تقم معارضة ولو شكلية في أي من الأقطار المعنية لبند من بنود الاتفاق، بينما «إسرائيل» التي تعتبر الكاسب الأكبر رغم كل الظواهر.. فقد كسبت الأمن والاستقرار واغتصاب الأرض.. قامت فيها معارضة عنيفة وصلت إلى أن يستقيل الجنرال «شارون» قائد عملية العبور والمعاكس من الجيش، وأن يتهم «بيغن» زعيم- المعارضة اليمينية حكومته بأبشع النعوت، والعرب صامتون. سبحان الله- «يرضى القتيل وليس يرضى القاتل» لماذا؟

أولًا: لأن ما يسمى بالجماهير العربية فقدت شخصيتها نتيجة الغزو الفكري المركز فباتت تائهة تتلمس «ذاتية» جديدة في الركام.

ثانيًا: لأن الشعب العربي ليس لديه مؤسسات يعبر من خلالها عن رأيه بعد أن سلب حرية القول والحركة، وبعد أن ضربت زعاماته الحية لجيل كامل من الزمان.

ثالثًا: لأن الحكام جوعوه ثم وعدوه الرغيف بديلًا عن الحرية، فرضي.. واكتفى به مغمسًا بماء الوجه والكرامة المهانة.

وإذا كانت طلائع «الأنصار» قد استقبلت الرسول «المهاجر» بـ «طلع البدر علينا» مهللين مستبشرين وهم يعلمون أنه جاءهم طريدًا شريدًا فلأنهم يدركون تمامًا أن الهجرة كانت أول الطريق إلى الفتح.

ولقد كان، بينما شعب فلسطين الذي هجر وطنه عام ١٩٤٨ استقبلته أناشيد العودة وشعارات الثأر ليفقد بعد ربع قرن وطنه وأمله، وليعطي العرب «إسرائيل» وثيقة الشرعية والأمن والتمكين دون أن يستطيع الشعب العربي أو الفلسطيني أن يقول لا.

هذا واقعنا في بداية عامنا الجديد. وكل يوم يوم على قضايانا يسجل تخلفًا جديدًا يمسح ما كان قبله. فهل نعى هذا الواقع لنخرج منه خلال هذا العام أم نستمر.

إبراهيم المصري نقلا عن الشهاب ٩ محرم ١٣٩٤هـ

والتاريخ يعيد نفسه

«المجتمع»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان