; (الافتتاحية)الهجرة النبوية.. والصراع بين الحق والباطل | مجلة المجتمع

العنوان (الافتتاحية)الهجرة النبوية.. والصراع بين الحق والباطل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994

مشاهدات 76

نشر في العدد 1103

نشر في الصفحة 5

الثلاثاء 14-يونيو-1994

بزغت أنوار البعثة النبوية قبل ما يزيد على أربعة عشر قرنا ليُخرج الله سبحانه وتعالى البشرية بها من الكفر إلى الإيمان وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ‌بِإِذْنِ ‌رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم:1)، ومع تبليغ الرسول لأمر ربه بدأ الصراع بين الحق والباطل ليؤكد حقيقة أزلية وسنَّة  كونية ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد: 17).

 لكن دفع الحق للباطل يحتاج إلى رجال لهم صفات خاصة ينقلها إيمان قوي بالله ودعوته وعزم أكيد وصبر على المحن والشدائد لمنازلة الكفر والتمكين للحق، وقد صاغ الله سبحانه وتعالى الرعيل الأول لهذه الأمة صياغة قوية حتى يتمكنوا من تحمل هذه الأمانة التي ألقاها الله سبحانه وتعالى على الإنسان ووكل هذه الأمة بنشرها بين الناس وتحمُّل الأذى في سبيل ذلك ﴿‌لَتُبْلَوُنَّ ‌فِي ‌أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٦) وقد أقبل الجيل الرباني الأول على هذه الدعوة متحملا تربص الكافرين وبغي المشركين وعنفوان الجاهلية، واثقًا بدينه وبوعد ربه وصدق رسوله، فكان بلال، وخبَّاب، وسمية، وعمار، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي... وغيرهم من الصحابة الأكرمين شخصيات صاغها هذا الدين فأصبحت منارات للإنسانية كلها ودليلا على خيرية هذه الأمة التي أخرجها الله سبحانه وتعالى للناس حتى تقودهم إلى الحق وتصرفهم عن الباطل، وكان صبر الأولين ورسوخ عقيدتهم وإيمانهم بوعد ربهم هو اللبنِة الأولى لترسيخ دعائم هذا الدين.

 ثم جاءت الهجرة التي أدار الرسول الصراع فيها بين الحق والباطل بحنكة وروية وصبر وأناة أفقد المجتمع الجاهلي صوابه وكانت له في ذلك استراتيجيات مبهرة حيث قابل الجهل بالحلم، والبغي بالصبر، والافتراء بالحجة، والضلال العقدي بالمنطق والحكمة، واستثار كل نخوة في الناس واستثمر كل مكرمة، فكان متواصل الجهد قوي الصلة بالله متقد العزيمة محيطا بما حوله ومن حوله لا يشغله ولا يثنيه شيء عن غايته، وحينما تهيأت المدينة لاستقبال المسلمين بعدما أخذ الرسول على أهلها العهد بالنصرة والمنعة والجهاد وتحمل التبَعة أمر المسلمين بأن يهاجروا إليها فُرادَى، فخرج المهاجرون متجردون من كل شيء تاركين الوطن والمال والدور والمتاع حتى لحقهم الرسول وصاحبه أبو بکر وبدأت لَبِنة الدولة الإسلامية في المدينة.

 ثم جاءت غزوة بدر لترسخ حقيقة هامة لدى هؤلاء الذين صبروا وأوذوا ليعلموا أن وعد الله حق وقوله صدق وأن صبرهم له نتائجه وأن الجهاد هو ذروة سنام هذا الدين وهو الطريق إلى استرداد الحقوق السليبة والتمكين لدين الله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى ‌نَصْرِهِمْ ‌لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٣٩- ٤٠). 

وكانت غزوة بدر هي بداية التمكين لانتشار هذا الدين حتى بلغ الخافقين شرقا وغربا، ثم شهدت الأمة عصورا من الضعف والقوة بعد ذلك حتى سقطت الخلافة قبل سبعين عاما وتمزقت الأمة إلى أشلاء وغابت معاني الهجرة وما بعدها عن المسلمين.

لذلك ما أحوج المسلمون اليوم أن يفقهوا دروس الهجرة، وأن يأخذوا منها الزاد اللازم للكفاح والنصر، فإن عليهم أن يعدوا أنفسهم لكفاح طويل عنيف وصراع قوي شديد بين الحق والباطل، وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين، وأن عليهم أن يعلموا أن الجهد من الجهاد وليس للأمة من عدة في هذه السبيل إلا النفس المؤمنة والعزيمة القوية الصادقة والسخاء بالتضحيات والإقدام في المُلمات.

وكم كان للمسلمين كبوات على مدار تاريخهم فأخرجهم الله منها بعزائم الصابرين وجهد المجاهدين فأعادوا رفع راية الدين مرة أخرى عالية خفاقة فلتكن الهجرة بمعانيها نصب أعيننا وليكن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ( آل عمران: 173) ﴿‌وَنُرِيدُ ‌أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ﴾ (القصص: 6-5)،  ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

الرابط المختصر :