العنوان الهجرة العربية في ظل العولمة
الكاتب عبد الحافظ الصاوي
تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2003
مشاهدات 66
نشر في العدد 1570
نشر في الصفحة 48
السبت 27-سبتمبر-2003
تراجعت نسبة الجنسيات العربية بين جملة الوافدين إلى البلدان العربية لحساب الهجرة الآسيوية.. كما تراجع أثر القرب الجغرافي خاصة بعد عام 1991م
تتسع أجندة القضايا الشائكة بين البلدان المتقدمة والأخرى النامية، وتحتل قضية الهجرة مكانًا بارزًا فيها، نظرًا لارتباطها بالعديد من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فسوء الأحوال السياسية والاقتصادية يدفع الأفراد للهجرة من الدول النامية إلى تلك المتقدمة، وفي الوقت نفسه تنظر البلدان المتقدمة للمهاجرين على أنهم يمثلون عبئًا على اقتصادها، خاصة العمالة غير الماهرة. ولذلك لجأت إلى اتباع سياسات تحد من الهجرة إليها عن طريق تقديم معونات أو عقد اتفاقيات استثمار وتجارة مع البلدان النامية.
ومع بزوغ ظاهرة العولمة وبعد أكثر من عشر سنوات من سيطرتها على المقدرات العالمية، تأثرت ظاهرة الهجرة بالعولمة تأثرًا سلبيًا، ففي الوقت الذي تتم فيه إزالة الحواجز القانونية والمادية أمام تدفق رؤوس الأموال والسلع والخدمات، تواجه الهجرة الدولية معوقات وهواجس أمنية وحضارية وسياسية، وبينما تتوسع التكتلات الدولية وتزال الحدود بين دولها وتتيسر عملية نقل العمالة بينها، كما هو الحال بين دول الاتحاد الأوروبي، تكثفت بالمقابل الإجراءات المانعة للهجرة من خارج هذه التكتلات.
وأتت أحداث 11 من سبتمبر لتجمد الدعوة الحقوق الإنسان أمام الاعتبارات الأمنية والحرص على استدامة التفوق، ومع استمرار تعارض الاعتبارين يخشى أن تكون الحقوق مجالًا رحبًا للكيل بمكيالين، خاصة في مجال حقوق المهاجرين والحقوق السياسية، وفي ظل الممارسات التي واجهها العرب والمسلمون في الغرب بعد أحداث سبتمبر.
وخلال شهر سبتمبر نظمت جامعة الدول العربية ومنظمة الهجرة الدولية مؤتمرًا لدراسة قضية الهجرة العربية في ظل العولمة نستعرض فيما يلي أهم ما ورد بأوراقه وأعماله:
سمات الهجرة في ظل العولمة
تبشر العولمة بالحد من الهجرة عن طريق تنمية البلدان الطاردة، ولذلك وضعت برامج تحت عنوان «المعونة بدلًا من الهجرة»، ويتطلب ذلك في حالة البلدان العربية استثمار 35 مليار دولار سنويًا على مدار ربع قرن.
التركيبة السكانية لكل من البلدان المتقدمة والنامية تدفع إلى الهجرة، ففي الأولى تنخفض معدلات الزيادة السكانية وتزداد شريحة المسنين، وتحتاج هذه البلدان للتوسع في المجموعة العمرية من 15 - 25 سنة، أما البلدان النامية فتحتاج - لتصل إلى هذا الحد - إلى ما يقرب من نصف قرن إذا ما استمرت الدعوة إلى انخفاض معدلات الزيادة السكانية، بها مما يعني أن لدى البلدان النامية الرصيد الأكبر من الشباب التواق للهجرة.
انخفاض الأجور في البلدان النامية يؤدي في ظروف العولمة إلى جلب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
وفي ظل العولمة توجد حاجة متزايدة لمهاجرين ذوي مؤهلات بسيطة غالبًا في قطاع الخدمات للقيام بأعمال خطرة أو ذات دخل متدنٍ أو ذات طبيعة مؤقتة وموسمية، أو تلك التي ينفر منها غير المهاجرين مثل أعمال التنظيف والمطاعم والحرف الصغيرة.
ساعدت الشركات متعددة الجنسية على حركة الهجرة من خلال إدارة فروعها وتنقل العاملين بها، ففي الصين مثلًا يوجد 450 ألف إداري أجنبي، وتتكلف هذه الشركات 6.3 مليار دولار لعملية تنقل العاملين بها بين الفروع المختلفة، وسوف يكون لهذا الأمر الأثر الأكبر عند إقرار الاتفاقيات بشأن تبادل الخدمات.
تكاثرت وتدعمت التجمعات الإقليمية كرد فعل للعولمة، وتسعى البلدان العربية - دون توفيق - لإقامة تكتلها الاقتصادي وستضع السنوات المقبلة حتى عام 2010م تلك المشاريع أمام حقيقتها النهائية.
ستحد مشروعات التعاون من الهجرة سواء بين البلدان العربية أو داخل التجمعات الغربية، وعلى بلدان البحر المتوسط أن تنتظر سياسة أوروبية في مجال الهجرة، إذ إن ما هو قائم لا يزيد على سياسة أمنية مشتركة، كما أن البلدان العربية عليها أن تستعد بموارد بشرية مناسبة وأسواق مستوعبة.
الاقتصاد الجديد يحث على استقطاب الكفاءات في مجالات المعرفة والاتصالات ذات الأجور المنافسة، وقد لا يكون هذا الأمر لصالح الهجرة العربية، كما أن الاستقدام في هذا المجال يتأثر مباشرة بالاتفاقيات الموقعة لتبادل الخدمات.
أدت الإدارة الدولية للمشاريع في البلدان العربية إلى تغيرات جوهرية في طبيعة الأيدي المهاجرة إليها، إذ غلب الطابع الآسيوي على الطابع العربي خلافًا لما كان عليه الوضع في السبعينيات.
ميلاد النظام العالمي الجديد بعد حرب الخليج الثانية جعل البلدان العربية تخسر نحو 1.2 مليون فرصة للهجرة، إذ عاد هؤلاء إلى كل من الأردن واليمن ومصر، وكان الموعد الثاني للنظام العالمي الجديد بعد احتلال العراق، وسوف تظهر ملامح خسائر البلدان العربية مع اعتماد الشركات المتعددة الجنسيات على عمالة غير عربية في العراق.
أهمية الإسراع في وجود تشريعات تنظم عملية الهجرة وحقوق العمالة المهاجرة والعمل على إيجاد كيانات عمالية قوية تحافظ على حقوق العمال سواء كانوا مواطنين أو مهاجرين.
بعد أحداث سبتمبر عدلت أوروبا علاقتها التاريخية مع جنوب البحر المتوسط وتراجعت عنها لصالح الامتداد شرقًا باتجاه الأورال، حيث القدر الأكبر من التجانس الثقافي والدين، كما أن أمريكا كونت أفكارًا مسبقة ولديها خيارات التيارات الهجرة المناسبة لها ليس من بينها تيار الهجرة العربية.
واقع الهجرة العربية
يبلغ حجم المهاجرين على مستوى العالم 125 مليون نسمة، أي 2.3% من سكان العالم مقارنة بقرابة 76 مليون مهاجر في عام 1965م، وتبالغ البلدان المتقدمة في تصوير الهجرة إليها باعتبارها غزوًا لها، في حين أن نسبة المهاجرين لا تتجاوز 4.5% من السكان «كانت هذه النسبة 3.1% في عام 1965م»، بينما الهجرة الحقيقية نجدها في بلدان الخليج العربي، والتي تمثل حالة استثنائية، حيث تصل نسبة المهاجرين إلى 35% من مجموع السكان وفي بعض الحالات تتجاوز النسبة 80% وهو أمر استثنائي بحق في تجارب الهجرات.
ويلاحظ أن نسبة الجنسيات العربية تراجعت بين جملة الوافدين إلى البلدان العربية من 75% عام 1975م إلى 56% عام ۱۹۸۰ إلى قرابة 30% عام 2000م لحساب الهجرة الآسيوية، كما تراجع أثر القرب الجغرافي خاصة بعد 1991م وبقيت مصر وحدها متأثرة بهذا العامل، غير أن هذا العامل لم يكن المحدد الأكبر للهجرة بقدر ما هو العامل السياسي والعلاقات الثنائية، إضافة إلى حجم السكان الكبير.
كما أصبحت تحويلات المهاجرين عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد الكلي لبلدانهم، فقد بلغت تحويلات المهاجرين العرب إلى بلدانهم خلال الفترة 1975 – 1994م ما قیمته 146 مليار دولار، في حين أن المجموع التراكمي لعمليات ثمانية صناديق تنمية عربية خلال نفس الفترة كان 23.6 مليار دولار، ومثلت قيمة هذه التحويلات أهمية كبيرة بالنسبة للواردات، إذ بلغت 54.8% من قيمة واردات الأردن، و68.5% من واردات مصر، و 41.2% من واردات المغرب.
فيما يخص السودان، تشير الأرقام إلى أن 17% من الأطباء وأطباء الأسنان، و20% من أساتذة الجامعات، و30% من المهندسين، و45% من خبراء المساحة يعملون في الخارج، بينما تشير أرقام المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا إلى وجود عدد من الباحثين الأجانب الذين لا يقل مستواهم العلمي عن الدكتوراه «فما أعلى»: من المغرب 700، ومن الجزائر 500، ومن تونس 450 باحثًا.
وتظهر مشكلة هجرة العقول بوضوح إذا ما نظرنا إلى واقع تجربة المغرب، إذ يهاجر ما بين 50% إلى 70% من كل دفعة تخرجها مدرسة المحمدية للمهندسين بعد تخرجهم مباشرة أو بعد التخرج بسنوات قليلة، وتتكلف الموازنة العامة للمغرب لكل خريج من هؤلاء حوالي 420.000 درهم خلال السنوات الثلاث له بالمدرسة بخلاف تكاليف تعليمه قبل الجامعي.
انحسار الهجرة العربية للدول الخليجية: تمثل العمالة الأجنبية في دول مجلس التعاون الخليجي حوالي 70% من إجمالي القوى العاملة، ويشكل العرب غير الخليجيين 25% - 30% من إجمالي حجم العمالة، وقد أصبحت تحويلات هؤلاء إلى بلادهم عنصرًا مهمًا من عناصر النمو الاقتصادي.
ويرى أندريه كابيسفيزكي - رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط والأقصى ببولندا - أن بعض بلدان الخليج اتخذت لأسباب سياسية وأمنية قرارًا بالحد من عدد العاملين العرب وإحلالهم بعمالة من دول أخرى، خاصة من شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا.
ويخلص أندريه في دراسته إلى أن هجرة العمالة العربية غير الخليجية إلى مجلس التعاون الخليجي تعتبر مثلًا جيدًا للنموذج السائد مؤخرًا في أجزاء أخرى من العالم في عصر العولمة، حيث أصبحت هناك رغبة أقل في إيقاف تدفقات التجارة ورؤوس الأموال، وفي المقابل هناك سياسات مانعة أكثر فيما يتعلق بالتدفقات البشرية.
أما محمد الأمين فارس - من منظمة العمل العربية - فيرى أن تباين الأجور كان له دوره في تزايد الهجرة بين البلدان العربية، وبالأحرى هامش التوفير القابل للتحويل، ولكن تخفيض الأجور في بعض البلدان العربية كان له أثره المباشر في زيادة عدد الآسيويين على حساب العرب، ويضيف أن هناك ضغوطًا متزايدة لتقليل الفوارق في الأجور لتوفير مناخ للمنافسة الدولية، غير أن ذلك صعب التحقيق وبالغ التعقيد بسبب الشركات متعدية الجنسية التي تجد مصلحتها في تباين الأجور لتحقيق ميزة نسبية على المستوى الدولي.
أثر العولمة على الهجرة
تأثرت الهجرة في الدول العربية بأحداث لها علاقة بالعولمة منذ عام 1990م، فقد كانت حرب الخليج عام 1991م ذات علاقة بالعولمة في مرحلتها الجديدة، وقد ظهر أن علاقتها بالعولمة كانت أكبر مما يعتقد، وكانت الهجرة أكثر الجوانب تأثرًا بالحرب، فقد عاد بسببها 1.2 مليون عربي إلى بلادهم خاصة اليمن ومصر والأردن، وكان من نتائجها تلاشي السوق العراقي الذي استوعب ما يزيد على مليوني مهاجر «في سنة القمة 1983م»، وتحولت القوى العاملة العراقية إلى الهجرة واللجوء بأعداد تقدر بالملايين، كما تغيرت تيارات الهجرة وتضاءلت الهجرة من البلدان العربية وأصبحت تلك الحرب وتحالفاتها مرجعًا لتحديد تيارات الهجرة بعد ذلك.
والحدث الثاني كان أحداث 11 سبتمبر قبل عامين والتي تأثرت بها الهجرة العربية والإسلامية خاصة إلى أمريكا وعدد من الدول الأخرى، وقد اغتنمت دول الغرب الفرصة لإقرار إجراءات وقوانين تعيق حركة الأشخاص، وصنف مواطنو بلدان العالم تصنيفات جديدة معلنة وغير معلنة، وكان نصيب الدول العربية والإسلامية المزيد من القيود والحذر في التعامل، أما المأساة الثالثة فكانت الحرب على العراق، ولها رابطة أكيدة بحرب 1991م وبأحداث سبتمبر بل إنها من وجهة نظر معينة مرحلة جديدة من العولمة تقربها من مفهوم الأمركة، لقد أثرت الحرب على العراق بشكل عميق في تيارات الهجرة في المنطقة بأوجه ثلاثة هي:
1- زيادة دوافع الهجرة والنزوح من العراق.
2- تراجع رصيد المهاجرين إلى البلدان العربية لنقص قدراتها على الاستثمار.
3- زيادة الحذر من مواطني البلدان العربية والإسلامية، وإقرار المزيد من القيود على حركتهم خاصة باتجاه أمريكا وأستراليا وبريطانيا وكندا والبلدان التي تسعى للانضمام إلى محيط الاتحاد الأوروبي.
سوق عمل عربية
انتهت أعمال المؤتمر إلى مجموعة من التوصيات تناولت جوانب مختلفة أهمها:
- أهمية التخطيط لإقامة سوق عمل عربية لتيسير انتقال العمالة بين الدول العربية وتوفير الآليات اللازمة لنقل هذا المشروع لحيز التنفيذ من تشريعات واتفاقيات وتدريب وتأهيل.
- تطوير سياسات التعليم والتدريب بما ينمي قدرات ومهارات رأس المال البشري العربي ويوفر له فرص التنافس في أسواق العمل الوطنية والعربية والدولية.
- الحاجة الماسة لإجراء دراسات تحليلية معمقة حول مختلف أشكال وجوانب الهجرة العربية بما يساعد على تقييم عائدها الصافي والوضع في الاعتبار تقدير رأس المال المنفق في إعداد وتأهيل المهاجر، وحساب عوائد الهجرة على مجمل المجتمع، لا على الأفراد المهاجرين وأسرهم فحسب، ودراسة أسباب ودوافع هجرة الكفاءات واستطلاع آرائهم في صور مساهمتهم في التنمية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل