العنوان الهجرة أو مرحلة تأسيس الوطن الآمن للدعوة والمؤمنين
الكاتب عبد الرحيم عبد الخلاق
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1972
مشاهدات 76
نشر في العدد 87
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 15-فبراير-1972
الهجرة أو مرحلة تأسيس الوطن الآمن للدعوة والمؤمنين
بقلم: عبد الرحيم عبد الخلاق
•• جلست حائرًا أحاول أن أرتفع بنفسي إلى قمة الزمن على صعيد الأرض الطيبة في مكة المباركة وأتطاول بروحي إلى سماء الحياة متجاوزًا أربعة عشر قرنًا من الأيام والليالي لأصعد البصر في المعية السنية لصاحب الرسالة -صلوات الله وسلامه عليه- وإن كنت في خشية من سناها القوي الباهر أن يقف بصري الضعيف عاجزًا عن قدرة الرؤية في غمار النور الذي تحرك على أرضها وفي أجوائها، لكن حسبي أن أعيش هذه اللحظات مسجلًا بعضًا من الوميض وأثرًا من الطيف الذي لحظته عيناي في اللمحة الأولى لارتفاع البصر. فلقد كان وما زال محمد -صلى الله عليه وسلم- هو النور الذي أشرقت به دنيا البشر فيما عناه القرآن الكريم:
﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: 15-16).
وفيما أنشده شوقي:
ولد الهدى فالكائنات ضياء
والروح والملأ الملائك حوله
وفم الزمان تبسم وثناء
للدين والدنيا به بشراء
الومضة الأولى
•• كيف تسنى لهذا المجتمع العشائري المتعصب لأفراده أن يضرب صفحًا عن النور الذي شعّ من بينهم يحمله رجل من آخرهم عرف بالصدق والأمانة وينادي فيهم، والله لو كذبت الناس ما كذبتكم؟! ومن أروع ما وصفه به ربه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة:128) ومن أجمل مواساته له ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾(الكهف:6).
• كيف التاثت هذه القبيلة وتلك من أهله وأقربائه وجيرانه لتقف محاربة له، وهم الذين: لا يسألون أخاهم حين نيد بهم: في النائبات على ما قال برهانًا؟!
• كيف امتنع عن دفع الظلم. بل اشتركوا في التآمر من أقاموا «حلف الفضول» لينصروا به المظلوم كائنًا من كان؟!
•• إن الذي يمكن أن تخاطبني فيه الطبيعة البشرية ردًّا على هذه الأسئلة هي:
أولًا: إن النور القوي حينما لا تكون أجهزة استقباله في العيون سليمة قوية خالية من آثار الضعف البشري والوهن الدنيوي، تتسبب فيما أسماه الأطباء «عش العيون» فلا تبصر ولا تستطيع الرؤية إلا في خبايا الظلام أو النور المغبش الضعيف أو الدروب المنعرجة!
ثانيًا: إن إرماد العيون من كثرة فضلات الذباب الذي التقى عليها من تعدد الآلهة وزوغان العقيدة قد يحجب المظلوم الرؤية الصافية ويحول دونها ودون العدسات البصرية وذلك ما أشار إليه أيضًا «البوصيري» رحمه الله: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد، وقد ينكر الفم طعم الماء من سقم.
ثالثًا: إن الاندفاع من مركز السلطة والتشريع، والأمر والنهي قد يجد طريقًا يستعرض به الإنسان قدرته وسلطانه! أما النزول إلى مرتبة الجندي المأمور فقد يشد الإنسان إلى المحاربة دون مرکزه وسلطانه «وجهنم بالعز أكرم منزل»!
رابعًا: إن العــادات والتقاليد إذا ما كانت مطبوعة على النفوس والأجساد منذ أن خرج الإنسان إلى الوجود قد تحفر أخاديد عميقة في القاع يطول الزمن برادميها حتى يفسحوا للجديد مكانًا يعبر الطريق من فوقها إلى ذواتهم، وفي خلال هذه الفترة تظل الأخاديد يفوح من داخلها نثر ما حفظه الزمن برائحة نفاذة تتوه فيها زخات المطر الواصلة من حواليها، وتظل كذلك منطوية بين جدرانها على الظلمة التي لم تمكّن النور من الوصول بعد إلى أعماقها.
•• إذن كان الأمر طبيعيًّا أن ترفض هذه الفئات قبول النور الإلهي أو تفسح له مجالًا في نفوسها، بل تحاول أن تسد المنافذ دونه أن يتسرب إليـها وقالوا: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (فصلت:5).
وكان أمرًا طبيعيًّا كذلك أن تتآمر لإطفائه ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32).
وكان أمرًا طبيعيًّا كذلك أن تدبر بليل أو نهار قتل الداعي أو طرده وإخراجه بعد اعتقاله وحصاره في «شعب أبي طالب» ثلاث سنوات، واضطهاده واتباعه ثلاثة عشر عامًا، وصدق الله العظيم.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30).
الومضة الثانية
•• كيف لم يُنزّل الله نصره على رسوله في أرضه التي أحبها والتي قال فيها: «والله «يا مكة» إنك لأحب بلاد الله إلى الله وإليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منكِ ما خرجت»!
حتمية الهجرة
أولًا: يرن في أذني عبر أسماع الزمن وموجات الأيام قول «ورقة بن نوفل» عالم الكتاب بتاريخ الأولين:
«هذا الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك»!
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وأن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا».
فمن قبل هاجر إبراهيم، ولوط، وموسى، ويوسف.
عليهم الصلاة والسلام.
ثانيًا: إذا ما أوصـدت الأبواب دون الداعي إلى الله، وحيل بينه وبين أسماع الناس دعوته وتبليغها إليهم فمن العبث أن يقف حيث هو، وأصبح لزامًا عليه أن يبحث عن أرض طيبة تستوعب غيث السماء؛ حيث الخصب والنماء
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (الأعراف: 85).
فإن مصارعة العقول المتحجرة من الجمود لا يمكن أن يتسم به رسول أو يوصف به داعٍ إلى الله على بصيرة! وقد وجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في «يثرب» مجتمع الأنصار الذي أقام بهم دولته، وأعد بهم جيشه، وفتح بهم الأمصار.
ثالثًا: إنه بهذه الهجرة وضع القانون الأساسي لكل داعية من بعده أن يتأسى وينهج نهجه.
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (النساء:97)
رابعًا: إنها توكيد لمعنى البشرية في أشخاص الرسل؛ كي تتحقق بهم الأسوة والقدوة على مدى العصور ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (الأحقاف: 9). ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ (فصلت:6).
خامسًا: إنها محك لإيمان المؤمنين، واختيار لمدى تجردهم لله، حيث ينزعون عن رقبتهم أغلال المحبة للأرض وإن عودوا فيها، ونزغة العواطف وإن قصرت بهم عن تحقيق الانتصار لرسالتهم.
وإذا ذكر اسم الله في بلد
عددته من لب أوطاني
واعتبار وطن المسلم ميدان عقيدته لا أرض قرابته وإخوة الدين لا آصرة الرحم.
سادسًا: وإعمال للعقل كنعمة من نعم الله على البشر أن يستخدموها فيدرسوا البيئات، ويخبروا النفسيات، وينظروا بنور الله.
سابعًا: وهي كذلك تجرد لله من كل ما يشد الداعي إلى الوراء، أو يوقف عجلة الدعوة أو يهز عزيمته، فيتعطل الركب ويتأخر النصر، ولذلك كان قول الله -عز وجل:
﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 100).
ثامنًا: هي إعزاز للمؤمن أن يظل تحت وطأة الإذلال والاستضعاف، وأن يكون دائمًا في موقف القوة متعاليًا على كل شيء حتى عن مكاسب الحياة ومتاع الدنيا ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ (يونس: 7).
تاسعًا: هي ضربة موجعة للمكذبين والمحاربين أن يخلف المهاجرون وراءهم ديارًا خرابًا تحيط بالثلة المعاندة يشعرون معها بجريمتهم، ولذا قال عتبة ابن ربيعة حينما مر على دار عامر بن ربيعة بعدما غلقت أبوابها لهجرة الأسرة كلها:
وكل دار وإن طالت سلامتها
يومًا، ستدركها النكباء والحوب.
عاشرًا: إن الهجرة مدرسة كاملة يقف على قمة أساتذتها المعلم الرسول -صلوات الله عليه.
١- مدرسة في ضبط الأعصاب إذا ما أحس الإنسان بالكيد والمؤامرة أن تنفلت فيدلي بتصريح يفضح الأمر ويكشف عن النية.
٢- ودرس عميق في الكتمان وحفظ الأسرار حتى لا تدرك العيون المؤصدة شيئًا من الأخبار أو تتكهن بالمواقيت، فمع أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- والباقين من أصحابه يعلمون باجتماع «دار الندوة» وقراراته التي فيها انتداب كل فرد من قبيلة ليشترك في إهدار الدم والإجهاز على محمد، نجد التخطيط البارع للهجرة يتم في تؤدة وهدوء، وتكتم منقطع النظير!
٣- ودرس عظيم في «التكتيك» والثورية بما يتسم به من تضحية بالنفس يتمثل في تسجية «علي بن أبي طالب» ببردة النبي ونومه مكانه، وفي قيام عبــد الله بن أبي بكر بدور جهاز مخابرات كامل يتسمع الأخبار من مدينة بأكملها ليبلغها للمهاجر وصاحبه في مخبئهما المؤقت «غار ثور» ببطن الصحراء، والاستعانة الحذرة بعبد الله بن أریقط دليلًا خبيرًا بالطرق، وفي اختيار المخبأ غارًا في طريق عكس للاتجاه المقصود إذ هو في اتجاه «اليمن»!
٤- ودرس قيم في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب من ذلك فضلًا عما سبق اصطحابه لأبي بكر رفيقًا وهو الذي قال فيه: «لو كنت متخذًا من العباد خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صحبة ومؤاخاة».
٥- ودرس كذلك في عدم تميز القائد عن جنده واتباعه إذ إن الله -سبحانه وتعالى- حينما أمره بتبليغ الرسالة تعهد له بالحماية من الناس فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 67). حتى أنه أصر أن يدفع لأبي بكر ثمن راحلته التي أعدها.
٦ - ودرس كذلك في الأخذ بالأسباب وعدم الاعتماد على المصادفات وما تجود به السماء، فكان الجهد والنصب ومكابدة الأهوال ملازمين من بداية الرحلة إلى نهايتها، والصمود أمام المفاجآت من وصول المطاردين لهم إلى باب الغار، وملاحقة «سراقة» لهما في الطريق.
الاعتماد على الله
٧- ودرس عظيم في حسن الاعتماد على الله والتوجه إليه فقد، روى «أبو نعيم» أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما خرج من مكة مهاجرًا إلى الله قال: الحمد لله الذي خلقني ولم أكُ شيئًا، اللهم أعني على هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام، اللهم اصحبني في سفري، واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذللني، وعلى صالح خلقي فقومني، وإليك رب فحببني، وإلى الناس فلا تكلني رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض، وكشفت به الظلمات وصلح عليه أمر الأولين والآخرين أن تحل على غضبك وتنزل بي سخطك، وأعوذ بك من زوال نعمتك، وفجاءة نقمتك، وتحوّل عافيتك وجميع سخطك، لك العتبى عندي خير ما استطعت، ولا حول ولا قوة إلا بك».
في معية الله
•• فليس غريبًا بعد ذلك أن يتولاه ربه في حله وترحاله وأن يبلغ مقصده، وقد دفع الله عنه ما تجاوز قدرته وإمكانياته ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40).
اعتذار لرسول الله
•• ومعذرة، يا رسول الله، إذ لم أستطع أن أتجاوز هاتين الومضتين في الصحبة السنية التي أردتها لنفسي معك، عسى الله أن يجعل لي بهما نورًا يُسدد خطاي حتى ألقاك على حوضك المورود -بإذن الله، اللهم آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل