; النية بمعنى التخطيط في المنهج الإسلامي (٢) | مجلة المجتمع

العنوان النية بمعنى التخطيط في المنهج الإسلامي (٢)

الكاتب علي لاغا

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

مشاهدات 80

نشر في العدد 1267

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

التخطيط في جوهره لا يخرج عن كونه عملية منظمة واعية لاختيار أحسن الحلول الممكنة للوصول إلى أهداف معينة، وبعبارة أخرى هو عملية ترتيب الأولويات في ضوء الإمكانات المادية والبشرية المتاحة» و«التخطيط هو عملية موازنة بين القدرات والطاقات والموارد المتاحة، وما يريد الفرد أو الجماعة تحقيقه من أهداف وتطلعات وآمال بغرض النهوض (۱).

والتخطيط يجب أن يسبق بتنبؤ علمي »لأنه يساعد المخططين وواضعي السياسة في تحديد المتغيرات المستقلة»، ويعتبر التخطيط في العصر الحاضر الوسيلة الناجعة لسيطرة الإنسان على المستقبل وتحكمه فيه بالقدر الممكن، فالتخطيط يبدو للباحثين اليوم الأداة العملية الفعلية الوحيدة الجديرة بإنسان العصر الحديث المتلائمة مع الروح العلمية، والعقل العلمي الذي يهدف إلى السيطرة على الأشياء، والإمساك ويأبى قبول عالم يجري على هواه لا شأن للإنسان فيه، لقد غادر إنسان اليوم إلى غير رجعة تلك النظرة التي كانت سائدة منذ قرون والتي كانت تأخذ بمبدأ ترك الأمور وشأنها (۲).

إن البلدان المتقدمة اليوم لم تصل إلى ما هي عليه الآن إلا بفضل التخطيط إن دولة مثل بريطانيا اضطرت لنسف كل مناهجها التربوية عام ١٩٤٤م في حمية الحرب العالمية الثانية، وكاد ذلك القانون »قانون بتلر Betler » يطيح بحكومة الحرب، حكومة تشرشل وهذا الأمر إن دل على شيء فإنما يدل على القناعة المتزايدة لدى إنسان العصر الحديث بضرورة القبض على زمام الحوادث الاقتصادية والاجتماعية، وعلى رأسها الحوادث التربوية وضرورة هذا التخطيط باتت ضرورية للبلدان المتخلفة أو الآخذة في طريق النمو (۳).

إن الواقع المعيشي يثبت أهمية التخطيط في نمو المجتمعات والأثر السيئ لترك الأمور دون تدخل مسبق ومبرمج لحركتها وتوجيهها، كل هذه النتائج الحسية المشاهدة لا تترك مجالًا للتريث أو التردد في الإقدام على أرقى أنواع التخطيط وأفضلها تسلحًا بالتنبؤ العلمي وكل الدراسات المستقبلية المرتكزة على خبرات الماضي ونتائج الحاضر.

جذور فكرة التخطيط في القرآن الكريم

قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة الأنفال آية٦٠)

والإعداد هو التحضير المسبق، ويستوعب شتی مستلزمات الحرب من قوة ووسائل قتال رباط الخيل وهذا يشتمل أيضًا على الأسلحة والتموين وكل ما هو ضروري لجعل المقاتل في حالة تؤهله ليكون متزنًا وقويًا بفضل ما يتوفر له ولعياله من بعده.

يقول صلى الله علية وسلم:» وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة 

ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» (رواه مسلم).

إن التدريب المتواصل أساس إعداد الرجال، قال صلى الله علية وسلم له: كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا رمية بقوس، وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنه من الحق (٤).

وهذا مفهوم ينعكس على كل ما اكتشفه العقل البشري من وسائل وتكنولوجيا في وقتنا المعاصر، وقال الله تعالى: في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ (سورة النساء آية ۷۱)، والحذر هنا هو المعرفة المسبقة، والتخطيط المحكم، يقول القرطبي رحمه الله تعالى: وأمرهم ألا يقتحموا على عدوهم على جهالة حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم.... فعلمهم مباشرة الحروب، ولا ينافي هذا التوكل، بل هو مقام عين التوكل، ويقول أيضاً: «إن الحذر يدفع ويمنع من مكائد الأعداء (٥)، والتوكل يستوجب الأخذ بكل الأسباب، قال سهل:

من قال إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله علية وسلم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة الأنفال آية ٦٩)، فالغنيمة اكتساب، وقال النبي صلى الله علية وسلم: إن الله يحب العبد المحترف (٦).

إن الإفادة من الأسباب لا تحصل على وجهها الصحيح إلا إذا انتظمت في خطة محكمة ومدروسة، وإلا فإن الفشل الذي سينتج عن السذاجة في القصد وعدم استنفاد كل القدرات المتوفرة، ووضعها في خدمة المشروع المراد تحقيقه سيكون على مسؤولية الفاعل وحده، وكل فرد أو مجموعة أو أمة هكذا حالها، فأمرها آيل إلى الخسارة بالتأكيد.

التخطيط في سنة الرسول ﷺ

إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان على علم ودراية بكل المراحل التي ستبلغها دعوته، وهذا ما يعرف بنبوئته له روى عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفيد ذلك، وهاكم جزءًا من الحديث.. فقال أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول إنما اتبعه ضعفه الناس ومن لا قوة لهم وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فو الذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز کسری بن هرمز قال: قلت كسرى بن هرمز؟ قال: نعم كسرى بن هرمز، وليبدأن المال حتى لا يقبله أحد، قال عدي بن حاتم فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار ولقد كنت فيمن فتح كنوز کسری بن هرمز والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله صلى الله علية وسلم قد قالها: (۷).

إن الحديث الشريف الذي رواه عدي بن حاتم يثبت أن الرسول الله كان يتصور، وإن كانت معرفته يقينية بسبب الوحي، المراحل والأهداف التي ستبلغها دعوته، وما كان بالنسبة للرسول صلى الله علية وسلم معرفة عن طريق الوحي فإنه بالنسبة للمؤمنين سنة يجب أن يحتذوا بها، أي أن ما فعله الرسول صلى الله علية وسلم وإن كان وحيًا عليه فهو سنة لنا من بعده ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًاً (سورة الأحزاب آية ۲۱)

وتوجد مواقف كثيرة تبين معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم المسبقة لكل المراحل والأهداف، أي الخطة والنتيجة، وهذا ما بدا من رده على وفد قريش الذي عرض عليه المال والملك والعلاج إن كان مريضًا، فأجابهم: ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف، فيكم، ولا المال عليكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم (۸).

إن أسلوب معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي بن سلول لتدل دلالة أكيدة على أنه كان يخطط بدقة متناهية، ليس في ساحات القتال أو بطريقة تعامله مع القبائل، إنما كان يتعامل مع الاعتبارات النفسية، وكيفية كشف حقيقة العناصر المعادية، وجعل ذلك ماثلًا أمام العيان، في أعقاب غزوة بني المصطلق قال عبد الله بن أبي بن سلول: سمن كلبك يأكلك أما والله ليخرجن الأعز منها الأذل.. ولما طلب عمر بن الخطاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن لعبادة بن بشر كي يقتله، أجاب : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ولكن أذن بالرحيل (۹)، ومرت الأحداث وبات عبد الله بن أبي بن سلول- الذي استطاع أن يعيد ثلث جيش المسلمين غداة أحد والرسول الله يقود الجيش بنفسه- معزولاً حتى أن ابنه عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله كي لا يرى قاتل أبيه، كما أن قومه أخذوا يأخذونه ويعنفونه عند كل حادثة، وعمر بن الخطاب الذي كان يطالب بقتله، جاء وأخبر الرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحال الذي آل إليه الرجل فقال له: كيف ترى يا عمر، والله لو قتلته يوم قلت لي أقتله لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته، قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري (۱۰).

وكذلك إن ما حدث يوم فتح مكة المكرمة يدل على دقة التخطيط المسبق من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان قد أعد العدة كاملة، وأن ما حسبته قريش نصرًا يوم الحديبية وحسبه بعض الصحابة ذلًا ومهانة، كان غير ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عقد معاهدة مع خزاعة المشركة، فكانت بداية فتح مكة وإنهاء حالة الشرك فيها، وتساقطت الأصنام ولا من يدافع عنها أو يبكيها، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم له قول الله عز وجل: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (سورة الإسراء آية ۸۱).

إنه المنهج الرباني، فعلى المؤمنين أن يبنوا ويعلوا من صروح بنياتهم حتى ترتفع على قلاع الباطل، وهنا يكمن دور النية، وتبدو الحاجة الضرورية لحسن التخطيط، وإن كل ذلك يظل بمقصد سامي وشريف إنه الامتثال لأمر الله عز وجل، وهذا في قرارة نفس المؤمن، أما الفعل على الأرض فإنه هو نفسه يخضع لكل مستلزمات السيطرة على حوادث الكون بما هي مخلوقة له، وبالكيفية التي خلقها الله تعالى عليها.

إن الفكر الذي تزود به عقول أي مجموعة بشرية هو الذي يحدد طبيعة حركتها، فإن كان فكرًا خصبًا ومنتجًا أحال واقعها كذلك، وإن كان عقيمًا وساذجًا وبسيطًا انعكس أثره بذات الصفات عليها.

ولعل واقع المسلمين في العصور المتأخرة هو الذي دفع بعض المستشرقين ليشككوا في قدرة العقل العربي وبالتالي المسلم على التفكير والإبداع، وطرحوا مسألة التمييز بين الجنس الآري والجنس السامي »الكونت جوبينو«، كما أن مستشرقًا آخر وهو كارل هينرش بيكر، قارن بين الفن عند الساميين والفن عند الآريين، وذلك أن الفنون السامية تظهر فيها المصغرات السيمترية المتكررة التي لا تجمعها وحدة تركيبية، أما الفنون الآرية فإنها تتميز بالتركيب القائم على وحدة الموضوع، ويرى بيكر أنه بينما تخضع الروح الإسلامية للطبيعة الخارجية فتفنى الذوات الفردية في كل لا تمييز فيه فلا تتصور الأفكار إلا على الإجماع- نجد الروح اليونانية تمتاز بالفردية واحترام الذاتية وهما محك النظر الفلسفي، ولهذا فقد كان اليونانيون أقدر على التفلسف من المسلمين (۱۱).

وقد رد محمد علي أبو ريان على هؤلاء ومما قاله: إذا كانت دعوى العنصريين صحيحة من الناحية العلمية فلماذا يشتد الهجوم على نوع واحد من الساميين وهم العرب وعلى الدين الإسلامي وحده، ويغفل المهاجمون أمر اليهود ودينهم وتراثهم وهم أيضًا ساميون (۱۲)، إن الرد الواقعي على طرح هؤلاء المستشرقين يكشف حقيقة الخطأ في فهم المصطلحات الشرعية عند المسلمين.

وهذا رئيس وزراء ماليزيا يربط تقدم بلاده الآن بالفهم الصحيح للقرآن والسنة، وليس لطبيعة العرق الذي ينحدر منه الشعب الماليزي، ثم إن المسلمين الأوائل من العرب هم الذين حملوا الحضارة للعالم، بينما كانت الشعوب الآرية في وضع متخلف يصعب تصويره إن حقيقة الأمر تكمن في منهج فهم المصطلحات، وقد أسرف المسلمون في تجريد المصطلحات الشرعية من مضامينها، ومن الحياة فيها وأحالوها إلى مادة ميتة، لا حراك فيها، لقد بقي الرسم الخارجي وتم إغفال كل الجوهر والماهية، وتم التنكر للمعنى اللغوي وكذلك المقاصد.

ومن أجل ذلك كان هذا الجهد في البحث عن معنى الحديث الشريف: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى لإعادة الروح إليه وكذلك القدرة على الحركة والتحريك، حتى يتحول عقل المسلم إلى مختبر ومركز دراسات في أن معًا، ويعود إلى دوره الريادي في تقديم الخلاص إلى البشرية التي مازالت تتعذب وتضطرب.

وفي النهاية ليس أمامنا إلا أن نتذكر ما ورد: «نية المرء خير من علمه.

ومسك الختام ما جاء في تفسير النيات الباء للمصاحبة ويحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقومة للعمل فكأنها سبب في إيجاده، وعلى الأول فهي من نفس العمل، فيشترط ألا تتخلف عن أوله، قال الإمام النووي رضي الله عنه: «النية القصد«(۱۳)

وهذا ما أراد البحث إماطة اللثام عنه، فالأعمال نتيجة للنيات والنية هي التخطيط المسبق والقصد الأكيد.

 

الهوامش

1- عبد الحكيم الغزاوي التخطيط الاقتصادي، جامعة الجنان - طرابلس - لبنان - كلية الصحة العامة، مذكرة تدرس في السنة الرابعة، ص 1

2 - عبد الله عبد الدائم التخطيط التربوي دار العلم للملايين بيروت طا سنة ١٩٨٠م. ص ٤٦- ٤٧

3 - عبد الله عبد الدائم، مس، ص ٤٧ - ٤٨

4 - رواه الترمذي في باب فضائل الجهاد وقال عنه حسن صحيح، رقم ١٥٦١

5 - تفسير القرطبي جـه، ص ٢٧٣ – ٢٧٤.

6- الحديث أورده القرطبي في تفسيره جـا، ص ۱۸۹

7- مسند الإمام أحمد حديث رقم ١٧٥٤٨، والثالثة حدثت في عهد الخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبد العزيز.

8- ابن هشام، السيرة النبوية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ مجلد ١ ص ٣١٦

9- ابن هشام، السيرة النبوية، مس مجلد ۳، ص ۳۰۳

۱۰ - ابن هشام، السيرة النبوية مس مجلد ۳، ص ٣٠٥

۱۱ - انظر: محمد علي أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار النهضة العربية  بيروت ط٢، ١٩٧٦م، ص ۱۰

۱۲ - محمد علي أبو ريان م س ص ۳

۱۳ - أحمد بن حجر العسقلاني، فتح الباري مس مجلد ۱، ص ۱۳

الرابط المختصر :