العنوان النموذج الرائد في الإعلام الإسلامي
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2004
مشاهدات 64
نشر في العدد 1597
نشر في الصفحة 42
السبت 17-أبريل-2004
لا أجد أبلغ من وصفه بالإنسان المسلم المخلص، ولا أجد أبلغ من وصف عمله على الثغر الإعلامي من عنوان كتابه «قدرنا أن نكون إسلاميين», ولا أجد من الكلمات ما يصلح أن يكون رثاء لأخ كريم عزيز، رحل عن هذا العالم، بعد أن حمل المسؤولية على عاتقه، وأدى الأمانة كما تشهد له أعماله، فلا نحسبه إلا رفيقًا في جنة الخلد -بإذن الله- للمؤمنين الصالحين والمجاهدين العاملين, مع الأنبياء والشهداء والصديقين، وحسن أولئك رفيقًا.
الإعلام رسالة ومهنة: عرفت في عالم الإعلام كثيرين خلال أربعين سنة مضت، ولم أعرف مثل الأخ الراحل الدكتور عبد القادر طاش، رجلًا نذر نفسه بهذا القدر للإعلام الإسلامي، في مرحلة تاريخية جعلت مسيرته من أشد ما يمكن أن تكون عليه مسيرة المخلصين, منذ كتب مقالته الأولى ونشرتها جريدة «الندوة» السعودية بعنوان «خواطر طالب»، وهو في مقتبل الشباب قبل زهاء ثلاثين عامًا.
كان اللقاء الأول به لقاء «أقلام»، حيث كنت أكتب في مجلة «الرائد» في ألمانيا, وكان يكتب في المجلات الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولعل أول ما صدر له من الكتب كان الكتيب الذي نشرته «رابطة الشباب المسلم العربي بأمريكا الشمالية»، بعنوان «جوهر الصراع في قضية فلسطين», وهي خطوة لم تكن بسيطة من حيث قيمتها الإعلامية، أن يقدم عبد القادر طاش عام ١٤٠٢هـ «۱۹۸۲م» على نشر ما نشر تحت هذا العنوان، قبيل حصوله على شهادة الدكتوراه بعام واحد, في الولايات المتحدة الأمريكية بالذات.
على أن هذا ما تميز به طوال حياته، أنه كان يعطي الأولوية لهم دينه وأمته على أموره الشخصية، وهذا ما انعكس في المعاملات اليومية التي عرفها سائر من تعامل معه، مثلما انعكس في مختلف جوانب حياته المهنية، وقد اختار لها طريق الإعلام، واختار معه الحرص على «إيجاد» إعلام إسلامي، في مرحلة تميزت بسيطرة الاتجاهات المنحرفة من كل مشرب على الإعلام، بل محاربة الكلمة الإسلامية بصورة مباشرة.
وكان مما تميز به منهجه الإعلامي أنه لم يسلك سبيل صناعة «وسائل إعلامية إسلامية» قائمة بذاتها، كتلك التي نشأت في المهجر وفي بعض البلدان العربية والإسلامية، غالبًا بجهود الحركات والمؤسسات الإسلامية، بل أراد أن يقتحم الإعلام الإسلامي الساحة التي سيطرت عليها الاتجاهات الأخرى، فكان يقبل بالمهمة الإعلامية التي توكل إليه رغم كثير من المضايقات والضغوط، وكنت كلما أرى اسمه ظهر في موقع من مواقع المسؤولية الإعلامية استبشر خيرًا بما سينجزه من خلالها، بل أعمل على متابعته, منتقلًا بالقلم معه.
●الإعلام.. مبدأ ومعركة
لعل فترة عمله رئيسًا لتحرير «المسلمون» بالنيابة بين عامي ١٤١١ و ١٤١٥ هـ/ ١٩٩١- ١٩٩٥م, كانت نموذجًا معبرًا عن «الجهاد الإعلامي»، الذي خاضه، فقد ارتفع بها خلال فترة وجيزة, إلى مستوى جريدة أسبوعية إسلامية ناجحة، تتابع قضايا المسلمين في كل مكان.
لم يكن - حيثما انتقل من وسيلة إعلامية إلى أخرى- على استعداد للتخلي عن نهجه الإعلامي الإسلامي، وعن اعتباره الإعلام رسالة وليس مهنة، دون أن يغفل عن حقيقة أن الإعلام يتطلب القدرة المهنية بطبيعة الحال، والأرجح أن التمسك بهذا المنهج كان من أسباب عدم استقراره في وسيلة إعلامية واحدة زمنًا طويلًا، ولكن بقيت البصمات التي تركها تؤدي مفعولها، لاسيما أنها كانت بصمات بعيدة عن أسلوب الضوضاء والإثارة، تثبت لمن يتابعه أن صاحبها على قدر كبير من المعرفة والتخصص والوعي والقدرة في وقت واحد، فكان هو المرجع المطلوب في المحاضرات والمؤتمرات والندوات حول الإعلام الإسلامي، والمطلوب في عدد كبير من الأعمدة الصحفية إلى جانب عدد من البرامج التليفزيونية، مثلما كان المفكر الإسلامي الإعلامي الناشط على المستويات الجامعية، وفيما تركه من مؤلفات وكتب ومحاضرات ومقالات، لعل من أبرزها «الصورة النمطية للإعلام والعرب في مرآة الإعلام الغربي» و« المسلمون في آسيا الوسطى والدور الإسلامي المطلوب» و«قدرنا أن نكون إسلاميين» و« الإعلام وقضايا الواقع الإسلامي» و«تركستان المسلمة وأهلها المنسيون»، وكل منها مرجع من المراجع في اختصاصه، وصورة معبرة عن تجربة عملية تغذيها المعرفة العلمية النظرية, ويوجهها الالتزام الإسلامي الصادق.
وتبقى لنا وصيته لكل من يعمل في الإعلام: أعتقد أن التجربة تكمن في كلمة واحدة، أن أي إنسان يشعر أن عنده رغبة وعنده إقدام في مجال الصحافة يقوم ويتسلح بأسلحة العزيمة والعلم والصبر، واضع تحت كلمة «الصبر» عدة خطوط؛ لأنه لا يلج هذه المهنة إلا من يتصف بصفة الصبر والتحمل، لأنه قد يجد في طريقه العديد من العقبات، ونحن نعرف الكثير من رموز الصحافة الذين اشتهروا بعد أن حفروا الصخر, ولكنهم صبروا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه في سبيل هذه المهنة التي تسمى «مهنة البحث عن المتاعب»، وهي مهنة لذيذة رغم حملها الثقيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل