العنوان النقد الذاتي (2): بين الإعلان والإسرار
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1993
مشاهدات 96
نشر في العدد 1033
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 12-يناير-1993
النقد الذاتي (2): بين الإعلان والإسرار
النقد مقابل النصيحة: خلاف في المصطلح والضوابط
الشيخ ناظم
المسباح
في الحلقة
الأولى تناول المشاركون في النقاش الإجابة على السؤال الأول وهو: هل النقد الذاتي
في الحركة الإسلامية ظاهرة صحية أم مرضية؟ وفي هذه الحلقة يجيب الإخوة المشاركون
على السؤالين الثاني والثالث واللذين يدوران حول الفرق بين النقد والنصيحة،
ومميزات ومساوئ الإعلان والإسرار في النقد الذاتي.
يبدأ الشيخ ناظم
المسباح الإجابة عن هذا المحور قائلًا:
الشيخ ناظم:
النقد الذي اصطلح عليه الناس، عندما نراجعه في القواميس نجد أن من معانيه إخراج
الزيف من الشيء، لكنني أفضل استخدام كلمة النصح، لأنها هي الكلمة التي اختارها
رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، فهذا هو الأفضل، ولكن بما أن الناس
اصطلحوا على التقويم في أي عمل سواء أكان دينيًّا أو غير ديني بهذه الكلمة فلا حرج
ولا مُشاحّة مشاحة كما قالوا في الاصطلاح.
الشيخ جاسم
مهلهل:
بتصوري أن
النصيحة مصطلح متعارف عليه بين الجماعات الإسلامية باعتباره مصطلحًا جاءت به
الكثير من النصوص الشرعية منها قوله صلى الله عليه وسلم «الدين النصيحة» وغيرها من
النصوص، أما «النقد» كمصطلح فيُعتبر موجودًا في دائرة التجمعات البشرية الحاضرة
اليوم، ولحاجتها إلى لفظ تُعبر فيه عما هو موجود من الأخطاء في الميادين التي
تتحرك فيها، كالميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من ميادين الحياة.
فالنقد والنصيحة، يلتقيان معًا من حيث الهدف ويفترقان من حيث الضوابط.
والنصيحة مصطلح
شرعي له ضوابطه المعمول بها من قبل العاملين به من حيث الالتزام بما ورد بضوابط
النصيحة في الكتاب والسنة وأقوال العلماء رحمهم الله. أما النقد فمصطلح بشري وضع
له الواضعون ضوابط خاصة فيه، ووضع الضوابط المتعلقة بالنقد في إطار النصيحة لا حرج
فيه ما لم يكن هناك اصطدام بالنصوص الشرعية الواضحة في دلالتها وثبوتها. ففي
العموم، النصيحة والنقد حق يمارس في كل مجتمع من المجتمعات من أجل التقويم، ومن
أجل الإنماء، ومن أجل تلافي الأخطاء. ومما لا شك فيه أن هناك ممارسات خاطئة في
أداء النصيحة، وهناك ممارسات خاطئة في أداء النقد، كما توجد هناك اجتهادات في
مفهوم النصيحة، وتوجد اجتهادات في مفهوم النقد. والاجتهادات هنا وهناك أدت في كثير
من الأحيان إلى فتن في إطار المجتمعات التي تُمَارَس فيها هذه النصيحة وذلك النقد.
والناظر إلى واقع الناس اليوم في إطار «النقد» يرى أن الكثير من الناس عندما
يمارسون هذا الدور إنما يمارسونه تحت ضغوط كثيرة لا تكون في الغالب خاضعة لموازين
الشرع، وعندما لا تخضع تلك الضغوط إلى موازين الشرع تدخل فيها ما يسمى
«بالشخصانية» وتدخل فيها «المصلحة الذاتية».
وعمومًا، فإنها
تكون خاضعة لتدخل «الطبيعة البشرية» بها من حدة أو ضيق في الاستخدام اللفظي، لأن
هذا ينصح وهو يملك كمًّا من الألفاظ لإيصال نقده أو نصيحته فيُوفق وهذا فقير في
المصطلحات والألفاظ فيصعب عليه القيام بإيصال نصحه أو نقده إلى الآخرين فيُسيء
أكثر مما يُحسن.
قضية النصح أو
النقد من أدق الأمور في عملية الإصلاح في المجتمعات، وإذا مُورست في إطارها الصحيح
فإن نتاجها بناء لا حد له، وإذا مورست بالخطأ فنتاجها هدم لا حد له.
وللنصيحة والنقد
التقاء في الكثير من المفردات، وهذا على وجه الإجمال.
الأستاذ محمد
الراشد:
النقد تعريف
حديث، والنصيحة في إطار شرعي ولها ضوابط في الشرع ونظّر لها علماء الدعوة في فقه
الدعوة، كما أن لهم كتابات في هذه القضية، ولعل أكثر من وفق في كتابة قضية النقد
الذاتي بالأسلوب الدعوي هو أستاذ الدعوة عبد الكريم زيدان والأستاذ محمد أحمد
الراشد في في كتبهما.
وقد أجادوا فيها
وأشادوا وبينوا الضوابط فيستطيع الدعاة الاستفادة منها، فباعتقادي ليس هناك خلاف
بين النصيحة والنقد.
فكما قلنا إن
النقد اصطلاح جديد، ولكن عندما يطلق دائمًا يتركز في الأذهان عملية النقد الهدام.
فعندما نقول إنسان نقد إنسانًا، نفهم من ذلك أنه بيّن أخطاءه وعيوبه.
فإذا كان هذا
اللفظ الدارج هو النقد، فهذا ليس من الشرع، لأن الشرع لا يقصد هدم كيان موجود أو
محاولة تجريح كيان إسلامي، إنما المقصود هو التقويم، وهذا هدف النصيحة، فالنقد
المقصود في الحركة الإسلامية هو النصيحة.
الإسرار أم الإعلان؟ مزايا وعيوب
السؤال الثالث:
المجتمع: يوجد
الآن في الحركة الإسلامية تياران في النقد الذاتي، تيار يرى النقد العلني، بصوره
المتعددة كالمقالات الصحفية، وعن طريق الكتب أو في العلن في التجمعات البشرية،
وغيرها من الطرق العلنية، ولهم في ذلك بعض الأدلة الشرعية من فعل الصحابة رضي الله
عنهم، وخاصة في فترة الفاروق، منها قولهم له عندما اختبرهم «لقومناك بسيوفنا»
ونصوص أخرى تعضد هذا الطرح.
والتيار الآخر
يرى «النقد الداخلي» أي داخل جسم الجماعة الإسلامية عن طريق المؤسسات الداخلة في
هيكلية العمل الإسلامي في تلك الجماعات، ويستندون في ذلك إلى ما جاء في البخاري من
حديث سعد رضي الله عنه عندما كان يُسرّ بأذن النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر يرى
فيه خلاف ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الأعطيات.
والسؤال هنا: ما
هي عيوب ومميزات كل تيار من هذين التيارين اللذين يفرضان نفسيهما على واقع الحركة
الإسلامية؟
الشيخ ناظم
المسباح:
أنا أرى والله
أعلم الجمع بين هذين القسمين، لكن العلني يجب أن نراعي فيه التعميم وليس التفصيل،
وكذلك أن نراعي فيه آدابًا معينة؛ لأن عدم مراعاة هذه الآداب يؤدي لأن يكون فعلنا
أشبه -كما نقرأ لبعض كُتاب الحركة الإسلامية- بالذي يطعن نفسه؛ لأننا عندما نسلك
هذا المسلك في الصحف وعلى رؤوس الأشهاد فإن هذا يؤدي إلى اهتزاز الثقة عند عامة
الناس. فالنقد العلني لا بُدّ أن نراعي فيه التعميم، ويُعجبني فضيلة الشيخ ابن باز
حفظه الله في هذا المسلك فكثير من القضايا التي يُخالف فيها غيره يتكلم لكن بأسلوب
يعمم فيه، ومن شواهد ذلك، عندما أصدر بيانه في قضية حدثت في ساحة الدعاة إلى الله
تعالى فعمم في رده مما جعل الخصمين يختلفان في تأويل هذا البيان. وأنا أرى مثل هذه
التعميمات تنفع بلا شك، والإنسان يحق فيها الحق ويُبطل فيها الباطل ولا يتعرض
لإخوانه، وكذلك لا يفتح المجال للذين يصطادون في الماء العكر؛ لأن هناك خصومًا
للدعوة إلى الله تبارك وتعالى وهذه فرصتهم، وكما قلت إن هذا الأسلوب يهز ثقة عامة
الناس في الدعاة إلى الله فيقولون: «انظروا إلى هؤلاء الدعاة، هذا يتكلم على هذا
وهذا يرد على هذا»، ولا شكّ أن الناس لم يصلوا إلى مرحلة من التميز. فلذلك أنا من
الناس الذين يرون الجمع بين هذين الأسلوبين، فالعلني لا بُدّ منه ولكن بأسلوب حكيم
لا يؤدي إلى اهتزاز ثقة الناس في الجماعات الإسلامية، وكذلك لا نتعرض فيه للأشخاص.
أما النقد الداخلي فهذا لا بُدّ بد منه، ولا بُدّ فيه من التفصيل والمصارحة.
والمتتبع لأحاديث السنة يجد الكثير من الشواهد على ما نقول، فالجمع بين هذين
الأسلوبين لا بُدّ منه.
الشيخ جاسم
مهلهل:
الحديث حول
الإيجابيات والسلبيات لكل فريق من الفرقاء في مفهوم النصيحة نتصور فيه الجانب
الشخصي الذاتي، بمعنى أن ما أراه خطأ هنا وذاك خطأ هناك، أو هذا صواب هنا، وذاك
صواب هناك، يكون في مفهومي الشخصي الذاتي، وقد لا يراه الآخرون، بمعنى أن ما أراه
خطأ قد يراه الآخرون صوابًا والعكس كذلك. فما أذكره من سلبيات في كلا الرأيين يبقى
في محل الاجتهاد. هذه التقدمة التي تقدمت بها بين يدي السؤال لا بُدّ منها ليبقى
هذا في دائرة «الاجتهاد» ودائرة الرأي، ليبقى الأمر يسع الجميع، والأمر في تصوري
فيه سعة؛ وذلك حتى نحمل هذا التعبير «الخطأ والصواب» من وجهة النظر، لا خطأ
وصوابًا في جانب الحق أي إنه موافق للحق أو مجانب له، فهو خطأ وصواب «بموازيني
التي أتحدث فيها».
كلا الرأيين
يحتاج إلى ضوابط بحيث يعمل بها، ثم نستطيع بعد ذلك أن نقول هذا خطأ وهذا صواب.
الضابط الأول: أن عملية النصح
وعملية النقد يجب أن تنطلق من منطلق النتيجة، بمعنى أنه لا يهمني أن أكون ناصحًا
أو ناقدًا بمقدار ما يهمني أن يكون هذا النقد وهذه النصيحة تؤدي الدور الذي قيلت
من أجله، أو بمعنى آخر أن تؤدي إلى إنهاء الخطأ ومعالجة المشكلة.
أما إذا كان ذلك
النقد وتلك النصيحة لا تعالج تلك المشكلة ولا تُصحح تصحح ذلك الخطأ فلا قيمة لها.
ولا بُدّ من النظر إلى القضية بعيدًا عن الإطار الخاطئ لمفهوم «تبرئة الذمة»؛ ذلك
لأن «تبرئة الذمة» هي استفراغ الوسع في عملية النصح وعملية النقد، وعملية النصح
والنقد التي تستوجب إفراغ الوُسع يجب أن تكون نتيجتها معروفة على الأقل ظنًّا
واحتمالًا؛ لأننا لا نملك اليقين. وهذا مقياس من المقاييس.
الضابط الثاني: أن
الناصح يجب أن يوازن بين المفسدة والمصلحة، كما قال العلماء «ليس الفقيه الذي يعرف
الخطأ من الصواب والحلال من الحرام، ولكن الفقيه الذي يعرف أخف المفسدتين وأخف
الضررين». والعلماء رحمهم الله عندما يقولون إنه كان من الأولى أن يكون النصح في
هذه المسألة «إسرارًا» تراهم يقولون في موضع آخر كان الأولى أن يكون النصح جهارًا.
فذكروا «الإسرار» في ذلك الموضع لأمر متعلق بالظرف والزمان والمكان والإنسان، كما
أنهم ذكروا الإجهار، في الموضع الآخر لأمر متعلق أيضًا بالظرف والزمان والمكان
والإنسان. فلا بُدّ من معرفة المصلحة والمفسدة في عملية النصح.
الضابط الثالث: أننا في عملية
النصح نخضع لنظام التعاقد. فالشخص الذي هو في دائرة التعاقد ودائرة النظام لا يسعه
إلا ما هو داخل فيه، بمعنى أنه إذا كان داخلًا في دائرة الدولة، والدولة لها نظام
في النصيحة، أو كان في دائرة جماعة أو حزب أو مؤسسة، فإن هذه المؤسسة لها نظام في
النقد أو النصيحة، ويجب أن يكون هناك التزام بهذا النظام؛ لأنه ارتضى أن يكون
عضوًا في هذه الجماعة أو هذا الحزب أو هذه الدولة. فالدولة أو الحزب أو الجماعة
التي يكون لها عقد اجتماعي أو عقد حزبي قد تواطأوا عليه أو اتفقوا عليه لا بد أن
يكون لها أنظمة، والتي منها نظام النقد ونظام النصح، ويجب على الإنسان الذي هو
داخل هذه المؤسسة أن يكون منضبطًا بهذه الضوابط. فقد يسع فلان أن يجهر في نصيحته
ونقده؛ لأنه ليس داخلًا في تلك المؤسسة أو الجماعة، بينما لا يسع الآخر الذي هو
داخل في تلك المؤسسة، والأول ينتقد أو ينصح بطريقة تخالف أنظمة تلك المؤسسة أو
الجماعة. فالأول لا حرج عليه؛ لأنه ليس بينه وبين المنصوح عقد في طريقة النصح
والنقد. وأمر الإسرار أو الإجهار متعلق بذلك الفرد الذي هو داخل تلك الجماعة،
وملتزم بأنظمتها المنظمة لعملية «النقد» ولا يسع هذا ما يسع ذاك الذي هو ليس عضوًا
في هذه الجماعة، وهو مأخوذ من القاعدة التي تقول «يسع الفرد ما لا يسع الجماعة».
إن الفرد في تلك
الجماعة أو المؤسسة قد ألزم نفسه بأنظمتها بسبب العقد الذي بينه وبينها، وهذا
الإلزام له إيجابياته وسلبياته، كما أن الخروج من الإلزام أيضًا فيه سلبياته
وإيجابياته. وإلزام الإنسان بهذا الأمر إنما يكون في إطار تقديره بأن هذا الإلزام
بتلك المؤسسة فيه من المصلحة ما يزيد عن المفسدة، بينما يرى ذلك الفرد الذي خرج من
تلك المؤسسة أن وجوده فيها يضيع عليه من المصالح ما يزيد على ما يُصيبه من المفاسد
بسبب خروجه، فالأمر تابع لاجتهاداته. وهذا النوع من الأفراد يكون معذورًا إذا خلت
نفسه من الأهواء أو الضعف أو المصالح، أو الاختلاف الذاتي، والأمر فيه سعة للجميع.
إن قضية
السلبيات والإيجابيات لا أستطيع تفصيلها على كل مجموعة من المجاميع، أو على كل رأي
من الآراء. فقد ينصح إنسان هنا جهرًا وتكون النصيحة في هذا الجهر مناسبة، ويُسرّ
هنا ويكون إسراره جيدًا.
ومن الصعب تحديد
المخطئ منهما والمصيب أو نسبة الخطأ والصواب عند كل واحد منهما، بل الخطأ أن يكون
هناك التزام من البعض بأن الصواب فقط هو الإسرار بالنصيحة، أو أن يكون الصواب فقط
هو الإجهار بالنصيحة. ولكن الصحيح أن هناك ميدانًا ووقتًا يجب أن يسر فيه الأمر،
وهناك وقت يجب أن يُجهر يجهر فيه. ولذلك عندما نعرض النصوص مع بعضها البعض لا نرى
هنا تعارضًا على اعتبار أن هذا النص جُهر به الصحابة رضوان الله عليهم لظرف كانوا
فيه، ولزمان كانوا فيه، ولأشخاص كانوا فيها، ولكن عندما قيل لعلي رضي الله عنه،
«ألا تحكم بما حكم به عمر بن الخطاب، وأبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان رضي الله
عنهم؟» قال: «نعم.. أحكمكم بمثل ما حكم به هؤلاء إذا أتيتموني بأناس كالذين حكمهم
هؤلاء» فالظرف الذي كانوا يعيشون فيه سواء الزماني والمكاني والإنساني في عهد علي
هو غير ذلك الذي في عهد الصديق رضي الله عنه. ومن الخطأ أن نأتي بنص من هناك في
التعامل الاجتماعي لِنُوجبه على علي رضي الله عنه، ولذلك رأينا «نظرية التعسف» في
استخدام الحق عندما اُستخدمت في عهد عمر رضي الله عنه كانت لها ظروف خاصة، وكذلك
عندما نقول إن المجتمعات اليوم لا يسع ولي الأمر فيها استخدام هذه النظرية أيضًا؛
لأن لها ظروفها الخاصة.
فظرف الزمان
والمكان قضية في تصوري تحتاج إلى ندوة وإلى حوار؛ لأنها من الأمور التي حدث بسببها
الكثير من الفتن، وأرى عدم التقسيم إلى فريقين: فريق يأخذ بالنص الذي يقول «لو
رأينا فيك اعوجاجًا لقومناك بسيوفنا»، والنص الذي يقول «أسررت إلى النبي صلى الله
عليه وسلم»، والنص الذي يقول «النصيحة في العلن فضيحة». أقول لا نحتكم إلى هذه
النصوص كنصوص مجردة، ولكن نحتكم إليها في إطار الظرف الذي قيلت فيه، ولا نقول فلان
من مدرسة العلن في النصيحة، والذي في «مدرسة العلن» ينتقد ذاك الذي في مدرسة
الإسرار، والذي في مدرسة الإسرار ينتقد ذاك الذي في مدرسة العلن. ولا يجب أن ندخل
في هذا الصراع الشكلي، كخلاف العلماء في قضية حجية الصحابي من عدمها، والخلاف في
الكثير من قضايانا، ولكن عندما حُرّر محل النزاع انتهى الإشكال. وأتصور أنه لن
يكون هناك إشكال نحتاج فيه إلى تبيين سلبيات وإيجابيات الفرقتين، ولكن نقول إن
سلبيات هذا المنهج في استخدامه لغير موضعه، وسلبيات هذا المنهج في استخدامه لغير
موضعه، وبهذا التحديد تكون الإجابة أكثر دقة، وأكثر صوابًا بالنسبة لنا. وبهذا
التقسيم يمكننا أن نقول إن الإسرار في النصيحة في وقت يجب فيه الإعلان ما هو إلا
إعانة للظالم على ظلمه، والمخطئ على خطئه، والخامل على خموله. وهذا خطأ؛ لأنه بعد
أن تُستخدم تستخدم كل وسائل النصح في الإسرار المتبع ثم لا يرتدع هنا يجب علينا
الإعلان في النصيحة حتى يرتدع هذا الظالم، أو حتى يرتدع هذا الخامل، أو حتى يرتدع
هذا المقصر ويستحي مما هو فيه، أو يترك الأمر لغيره.
المجتمع: حتى لو
كان في نظام المؤسسة أن تكون طريقة النقد بالإسرار كما تفضلت؟
الشيخ جاسم
مهلهل:
إذا كان هناك
عقد فيجب عليه الالتزام بهذا العقد، ولكن عليه أن يكون ذا فن، بمعنى أنه يقول كل
ما يريد بحيث لا يُخل بالتزامه وعقده، ولكن يُبين الخطأ بأسلوب من الأساليب. أما
إذا كان الأمر متعلقًا بفتنة الآخرين، أي أن يكون خطأ ذلك الفرد سبب في فتنة
الكثير من الأفراد، مع عدم إمكانية تصحيح خطئه من قبل المفتونين فيه، هنا لا بد من
الإعلان، بل يجب أن يكون لهذا الإعلان بعض الضوابط.
وكذلك الأمر
بالنسبة للإسرار، فقد يصبح الإسرار واجبًا بسبب ما يمكن أن يترتب على تركه من
فتنة. وعلى هذا، فيجب أن تكون هناك موازنة بين وجود الخطأ ووجود الخطأ الأكبر
نتيجة للإعلان، والذي وجب الإسرار بسببه. ويكون الإسرار واجبًا أيضًا عندما يكون
المنصوح ذا جاه وذا فضل وذا شرف في قومه؛ لأن الإعلان سيُقلل من هيبته وشرفه،
وخاصة إذا كان هذا الشرف وتلك الهيبة يستخدمها ذلك المنصوح في نصرة دين الله
تعالى، وسقوط هيبته وشرفه سيترتب عليه إسقاط دوره في خدمة هذا الدين. وهذا يجعلنا
نصل إلى قناعة بأن تحديد هذا الأمر خاضع للملابسات والمفاسد والمصالح المترتبة على
ذلك الاختيار.
قد يكون الداعية
ناجحًا ومتميزًا في جوانب كثيرة، إلا أن حظ الثقافة والفكر يكون بحاجة إلى مزيد من
الجهد والاهتمام.
إن الناظر إلى
دعاة الخليج يرى فيهم صفات متميزة وهم يتحركون في حقل الدعوة إلى الله تعالى، إلا
أن هناك صفة مهمة ينبغي الاهتمام بها وأكثر الشباب منصرفون عنها.
تجد أحدهم
متميزًا اجتماعيًّا وموفقًا في علاقته مع الناس، وتجد آخر متميزًا تربويًّا
وموفقًا في حل المشاكل التربوية، وتجد آخر رياضيًّا، ورابعًا سياسيًّا، وخامسًا
شرعيًّا، وسادسًا اقتصاديًّا، إلا أن حظ الثقافة والفكر قليل جِدًّا، بل يكاد
الدعاة في هذا المجال يعدون على الأصابع، بينما في المجالات الأخرى تجد عددًا لا
بأس به.
ونحن لا نريد
نوابغ فكرية أو ثقافية، وإنما نريد أن يكون للداعية اهتمام بالثقافة وتفاصيلها،
فمثلًا يعرف الإجابة على الأسئلة التالية:
1- ماذا تناقش
الكتب الإيمانية؟ ومن أبرز مؤلفيها؟ 2- ما هو آخر كتاب جديد صدر؟ 3- بماذا تنصحني
أن أقرأ من الكتب الإيمانية أو الدعوية؟ 4- أي كتاب يُناقش يناقش قضية حقوق
الزوجين؟ 5- أي كتاب يبين ثواب الداعية وفضل الدعوة؟ 6- أريد أن أقرأ في موضوع
الخشوع فبماذا تنصحني؟
هذه الأسئلة
وغيرها يسأل فيها الدعاة، ولا بد أن يكون لديهم إجابة على مثل هذه الأسئلة؛ لأنهم
تَصَدّروا للناس وأصبحوا يُنظر إليهم.
أخي القارئ:
ماذا تخسر لو
جلست يوميًّا ربع ساعة مع كتاب «الجواب الكافي» مثلًا، أو «السلوك الاجتماعي في
الإسلام» أو غيرها من الكتب التي تستفيد بكل صفحة منها بفائدة.
• كم تصرف من وقتك للتلفاز؟
• وكم تصرف من وقتك لمنزلك وأهلك؟
• وكم تصرف من وقتك للعب واللهو؟
• وكم تصرف من وقتك من غير صرف؟
• هل فكرت يومًا أن تصرف جزءًا من وقتك
للقراءة؟
• ألا تريد أن تتشبه بالكرام حتى تكون مثلهم؟
فانظر أخي إلى
قصص الكرام من سلفنا -رضوان الله عليهم- فهذا الإمام الزهري إذا أقبل على كتبه لم
يلتفت إلى شيء حتى قالت له امرأته: «والله إن هذه الكتب أشد عليّ من ثلاث ضرائر».
وقد قيل لابن
المبارك: مالك لا تجالسنا؟!
فقال: «أنا أذهب
فأجالس الصحابة والتابعين» وأشار بذلك إلى أنه ينظر إلى كتبهم». وقيل للجنيد: ممن
استفدت هذا العلم؟ قال: «من جلوسي بين يدي الله تعالى ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة»
وأومأ إلى درجة داره. بل وصل الأمر إلى الكرام أن بعضهم كان يسمي من يتصف بهم
بكثرة القراءة «بالكتبي». فهذا أبو سعد الكتبي أحمد بن عبد الجبار «كان دلالًا في
الكتب»، أي إنه كلما قرأ كتابًا جيدًا أخبر أصحابه وأصدقاءه به، ونصح أهله وأحباءه
به.
إن هذه وظيفة
جديدة للدعاة بأن يكونوا «دلالين للكتب»، وذلك لنشر الثقافة والعلم بين أوساطهم،
فيتحدثون عن الكتب وآخر الإصدارات كما يتحدثون عن مشاكل معيشتهم وحياتهم. فعندها
يحترم الكتاب والعلم، كما رأى أحد العلماء رجلًا قد جلس على كتاب فقال: «سبحان
الله، يصون ثيابه ولا يصون كتابه». هكذا كان سلفنا رضوان الله عليهم، ونحن مقتدون
على نهجهم بإذن الله تعالى، في كل شيء حتى في قراءتهم وثقافتهم، فقد كانوا حريصين
على الكتب واقتنائها، ولهم شروط في استعارتها. فقد كان أحدهم إذا أتاه رجل يستفيد
منه علمًا أو يستعير منه كتابًا امتحنه، فإن وجده أهلًا له أعاره، وإلا فتبعه،
وكان إذا أراد أن يعيره وعده ورَدّده، فإن عاد إليه ولم يضجر أعاره، وإن لم يعد
إليه كفى أمره.