; النفس المؤمنة | مجلة المجتمع

العنوان النفس المؤمنة

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1979

مشاهدات 77

نشر في العدد 461

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 04-ديسمبر-1979

يتصل مدار حركات هذه الحياة بمحور النفس المترددة بين التقوى والفجور، إن صلحت: كان لها ظل وارف يهب الأمن لصاحبها ومتسعًا للآخرين، في امتداد بمقدار هذا الصلاح، وإن فسدت: كان ثم اضطراب، وجحيم من القلق.

ومن أجل التنبيه على جمال النفس المؤمنة، والحث على الاقتداء بسمتها: ترد المواعظ ويجيء التذكير بالمعاني الرقائق.

ويعجبني جدًّا وصف الشاعر التونسي أحمد المختار الوزير لهذه النفس البريئة، ورمز لها رمزًا، جعلها كأنها فراشة، واقترب جدًّا من إدراك كمال الحقيقة، تسوقه فطرته، إلا أنه لم يمسكها، وفاته أنه يصف النفس المؤمنة بأبلغ مما وصفها غيره.

إنها تأسره إذ هي: ساكنة، في صمتها، أبين ممن ينطق

هكذا هي السيماء الإيمانية: وداعة، وتفكر، وتأمل هادئ، في إقلال من الكلام، وبعد عن اللغو، ولكن تحوطها هيبة مؤثرة، وجمال بليغ.

وإن وَنَتْ وَقفتَها: أعجلها المنطلق

فالوقفات سنة من سنن الحياة، وقدر مقدور على البشر، إلا أنها عند المؤمن لن تكون استرخاء وغفلة أبدًا، بل هي تعتري برهة، وتجليها محفزات كامنة، من رصيد ذاتي مجموع، أو تراث حكمة مركوز.

لكن الشياطين تعترض، تحاول عرقلة هذا المنطلق، توهم صاحبه، وتضع العوائق الثقال في صور من الزينة، لها بهرج، وتألق وبريق، تغش النفس الهائمة، ولكن النفس الملهمة، تفضح ما خفي من كبرياء مفتعلة، أو حسد معيب، أو صدارة متأخرة، أو زيادة مال زائل.

فذلك هو حوم الفراشة حول ومضات صورتها على سطح البحيرة، أو هي تجربة النفس المؤمنة .…

لكـــــــم رأت خيــــــالها، ماج به المنبثـــق
 كأنــــه النجم يرف، والميـــــــاه الأفـــــق
 فحومـــــت، ترنـــــو، تـــــود لو به تعتـــلق
 وأوشكت، لو لم تفق، يقضي عليها الغرق
 لكنهــــا مؤمنة، هيهـــــات لا تستـــحمق
 بين الضلال والهدى: يبدو لها المفتـــــرق.

نعم، هكذا: المفترق واضح، والاقتراب يفضح الصورة، ويبين أن ما ظنته النفس تألقًا من على بعد إن هو إلا اهتزاز.

ولكن كيف النجاة مع هذا الاقتراب من موجة عالية تفجأ، فتترك بللًا يثقل إن لم يكن الغرق المتلف؟

من هنا وجبت الموعظة، وانبغى التحذير، في كلام رقيق، كي لا تهبط النفس المؤمنة، إذا آمنت بشيء من رذاذ الاقتراب، بل حياتها في السمو، ونجاتها في العلو.

إنها قطعة من البيان نادرة أتى بها الشاعر، أهداها للناشئة، لكنها حكمة المنتهين، وليس ذلك بأمر مستغرب في الحكمة الإسلامية، فإنها أبدية الصواب، ليس لها مرحلة متطورة جاءت من بعد سذاجة وتخلف، لكنها كما تصلح انتهاء: كانت تصلح توسطًا، وصلحت ابتداء مع بدء الحياة البشرية، وآية ذلك أن التوحيد أوحى إلى آدم، بدء الحياة، وألهمت التقوى إلى هابيل، فكف يده.

ولكن واهمًا أشكل عليه الأمر، وعمي عن رؤية هذا المفترق، فراح يتخبط هاذرًا .…

إنما العيــــش في بهيــــــمية اللذة لا ما يقوله الفلسفــي

حكم كأس المنون أن يتساوى في حساها الغبي والألمعي

فسل الأرض عنهما إن أزال الشك والشبهة السؤال الخفــي

وواضح هنا أن هذا الملحد المنكر للبعث والجزاء إنما أشار إلى أن المعاني الحقة هي قول الفلسفي، لا قول الواعظ المسلم، ليتجنب، في ظنه، ما قد يكون من اتهامه بالمروق عن الدين.

وكان أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني المنطقي قد سمع هذه الأبيات، فلقبه بالمسكين، وناداه أن:

«يا مسكين: أمن أجل أن الصالح والطالح، والعالم والجاهل، صاروا تحت التراب: يتساوون في العاقبة؟

أما تساوي قوم سافروا من بلد إلى بلد فلما بلغوا المقصد: نزل كل واحد في مكان كان معدًا له، وتلقي بغير ما يلقى به صاحبه؟

أما دخل قوم دارًا فأجلس كل واحد منهم في بقعة بعينها، وقوبل هذا بشيء وهذا بشيء آخر؟ 

ثم تقول: سل الأرض عنهما!

قد سألنا وخبرتنا: إنها ضمت أجسادهم وجثثهم وأبدانهم، لا كفرهم وإيمانهم، ولا أنسابهم وأحسابهم، ولا حكمتهم وسفههم، ولا طاعتهم ومعصيتهم، ولا أقوالهم وأفعالهم، ولا يقينهم وشكهم، ولا زهادتهم وتسبيحهم، ولا معرفتهم وتوحيدهم، ولا خيرهم وشرهم، ولا جودهم وعدلهم».

إن في هاتين القطعتين من الشعر بعض خبر الهدى والضلال، وفي التعقيب عليهما، وقد استبان لك المفترق، ولك الخيار، ومن الله العون.

الرابط المختصر :