العنوان النفايات السامة كارثة كبيرة تهدد لبنان
الكاتب بدر الدين حسن عواضة
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
مشاهدات 58
نشر في العدد 1167
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
النفايات السامة المستوردة، هي إحدى أبرز القضايا التي ترسبت من آثار الحرب الأهلية في لبنان «۱٩٧٤–۱۹۹٠»، وهذه الكارثة البيئية تكشفت فصولها يومًا بعد يوم في الآونة الأخيرة، حيث كثرت الأسئلة حول أسبابها ومسبباتها لبنانيًّا ودوليًّا، ووقف الرأي العام اللبناني مندهشًا حائرًا في أسرار ما يجري.
ولمعالجة الموضوع بكافة جوانبه، لابد من تسليط الضوء عليه، وطرح جملة من الاستفسارات بغية البحث عن أجوبة تسلط على الموضوع مزيدًا من الضوء والوضوح، فهل هذه الكارثة البيئية هي إحدى الغايات التآمرية للحروب الطويلة التي استهدفت لبنان؟ وما هو دور «إسرائيل» وعملائها في الداخل، في زرع هذه البراميل داخل الطبيعة اللبنانية، والتي تشكل واحدًا من مقومات البقاء اللبناني، وأساسًا لاستئناف نشاطه السياحي والتجاري؟ وكيف أمكن إدخال العدد الكبير من براميل النفايات الصناعية الخطيرة، ودفنها في أكثر من موضع، بحيث جرى ارتكاب جريمة بحق لبنان وشعبه، تكاد تضارع أو تفوق جرائم الحرب ذاتها؟
لقد شهد لبنان مؤخرًا حركة واسعة حول هذه المشكلة الكبرى، فتحرك سياسيون، وبادرت النيابة العامة إلى فتح هذا الملف، وعملت لجنة البيئة البرلمانية على التحري عن أسباب هذا التلوث البيئي الذي يهدد ثروة لبنان المائية والزراعية في مصادرها وينابيعها الجبلية.
وفي عودة إلى تاريخ وحجم هذه المشكلة، لا بد من القول بأن هناك ثلاثة أنواع من النفايات دخلت لبنان بصورة غير شرعية:
أول هذه الأنواع: دخل بشكل شرعي ليستعمل في صناعة البلاستيك، إلا أنه تحولبفعل الزمن إلى مواد خطرة وسامة.
والنوع الثاني: وضع ضمن براميل يبلغ عددها ١٦ ألف برميل، أخرجت من إيطاليا بموجب مستندات- يعتقد أنها مزورة- وأدخلت إلى لبنان تهريبًا عبر مرافئ غير شرعية.
أما النوع الثالث: فهو عبارة عن مواد كيميائية تدخل ضمن تركيبة الذخائر والقنابل الفتاكة.
وهذه الأنواع الثلاثة أدخلت إلى لبنان في العام ۱۹۸۷م، عندما كانت البلاد تغرق في حمام من الدم، حيث الاقتتال دائر، والمليشيات في أوج عزتها وفورتها، والدولة غائبة، وحدود البلاد البحرية والبرية والجوية مفتوحة أمام كل مستبيح ومنتهك.
وبعد عودة الاستقرار الأمني، وتنعم البلاد بالأمن والاطمئنان في ظل إدارة سياسية فاعلة، وبعد وجود وزارة للبيئة في حكومة الرئيس رفيق الحريري، عادت قضية النفايات السامة إلى الصدارة، لتلقى سبيلها للمعالجة.
ضلوع القوات اللبنانية
لقد أكدت المعلومات التي توفرت من خلال التحقيقات التي أجرتها المراجع القضائية المختصة، واللجنة البرلمانية، ضلوع مليشيا القوات اللبنانية «المنحلة» التي يترأسها سمير جعجع في هذه الصفقة الخطيرة منذ العام ۱۹۸۷م، ونشر هذه المواد السامة وطمرها في مختلف الأراضي اللبنانية، وفي المياه الإقليمية اللبنانية مما سبب تلوث البحر لعدة مواسم صيفية خلت.
وكشفت هذه المصادر أن نافذين في منطقة سيطرة القوات اللبنانية في حينه استوردوا هذه النفايات الكيميائية إلى مرفأي جونيه وبيروت، وتولوا نقلها إلى أحد معامل الأسلحة التابعة للقوات اللبنانية، وجرى تصنيع أسلحة كيميائية من هذه المواد بإشراف خبراء إسرائيليين في صناعة الأسلحة الكيميائية، وقد تم تصنيع عدد كبير من القذائف التي تحمل مواد كيميائية قاتلة، كانت تنوي مليشيا القوات اللبنانية استعمالها أثناء ما عُرف«بحرب الإلغاء» لكن الاشتباكات التي كانت تحصل ما بين الطرفين حظرت على القوات رمي مثل هذه القذائف كي لا تقع الأضرار بعداد قواتها، كما أن سقوط العماد ميشال عون مبكرًا حال دون استعمال مثل هذه القذائف، وهي من عيار 120 ملم، وقذائف الهاون المصنعة كيميائيًا.
وأشارت المعلومات إلى أن قرار الدولة اللبناني بحل الميليشيات وجمع كافة أسلحتها، دفع القوات إلى شحن هذه الأسلحة إلى خارج لبنان، وبيع القسم الأكبر منها إلى الصرب في البلقان، وشحن قسم منها إلى «إسرائيل» وأمّا ما تبقى من هذه القذائف الكيميائية التي لم يتح الوقت شحنها إلى خارج البلاد، فقد عمدت «القوات» إلى إلقائها في البحر وعلى امتداد الشاطئ ما بين مدينتي جونيه وجُبيل.
صفقات مالية:
تجدر الإشارة هنا إلى أن الجهات التي استوردت براميل النفايات الصناعية السامة، حصلت على مكاسب مادية كبيرة، ذلك أن الدولة المنتجة لمثل هذه النفايات تدفع مبالغ مالية طائلة لحرقها أو التخلص منها، وكانت النتيجة أن استقبلها هؤلاء وقبضوا ثمنها، ودفنوها في أرض لبنان، بعيدًا عن أعين الرقابة والدولة، ودونما وازع من عقل أو ضمير، حول آثار هذه النفايات السلبي على صحة الإنسان وسُمعة الوطن.
ردود الفعل:
إن وضع السلطات الرسمية اللبنانية وقضية النفايات السامة على نار حامية، وإيلاءها الاهتمام اللازم، وفتح ملفاتها أثار ردود فعل جميع الأوساط السياسية والاجتماعية والشعبية، وكلها تؤكد على ضرورة التخلص بأسرع ما يمكن بعد تحديد أماكن تواجدها، وكشف الفاعلين، ومن يقف وراءهم، وإنزال أقسى العقوبات بهم.
الحكومة اللبنانية شكّلت لجنة وزارية اهتمت بهذه القضية، وعقدت هذه اللجنة اجتماعات متوالية واتخذت تدابير متعددة كان من أبرزها الاستعانة بخبراء لبنانيين، وفرنسيين، ودوليين، عملوا على كشف مواقع هذه البراميل، وسحبها وشحنها إلى خارج البلاد، وكلفت الحكومة الهيئة العليا للإغاثة لمتابعة هذه الإجراءات.
رئيس المجلس النيابي السابق حسين الحسيني دعا إلى ملاحقة المتسببين بهذه الكارثة البيئية التي استهدفت لبنان واللبنانيين بتعريض حياتهم للخطر، وبإلحاق الضرر الجسيم بسمعة لبنان وموارد رزق اللبنانيين.
وفيما اعتُبر النائب أسعد هرموش أن هذا العمل يشكل اعتداء على أمن الدولة، لا يقل خطورة عن جرائم القتل والمخدرات، رأت الجماعة الإسلامية أن جريمة النفايات السامة عكست نتائج سلبية على الاقتصاد اللبناني والسياحة بشكل خاص، ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذا الملف بشكل جدي من أجل حماية البلاد، وإنزال أقسى العقوبات بحق جميع المتورطين.
وأكد وزير الدفاع الوطني محسن دلول أن الأجهزة العسكرية تحركت ووضعت ما تملكه من معلومات حول النفايات السامة بتصرف رجالات الدولة والقضاء.
الحكومة الإيطالية:
وفيما اعتُبرت اللجنة النيابية للبيئة أن الدولة الإيطالية ملزمة بحسب اتفاقية «بازل» باسترداد النفايات السامة التي أدخلت إلى لبنان عام 1988م، رفض السفير الإيطالي في بيروت كارولوكاليا الكلام الذي يشير إلى إيطاليا كمصدر لهذه النفايات، كما رفض أن تكون إيطاليا «كبش محرقة»، وأكد أن الحكومة الإيطالية تحركت عام 1988م، وخصصت مبلغ عشرة ملايين دولار لاسترجاع كل ما وصل إلى الأراضي اللبنانية من براميل للنفايات، ليس بدوافع قانونية، وإنما انطلاقًا من حسها بالمسؤولية تجاه لبنان.
ولكن وقائع الأحداث أثبتت عكس ما حاول شرحه السفير الإيطالي في بيروت، حيث إن الحكومة الإيطالية استرددت 5967 برميلًا عام 1988م، كما أعلن وزير البيئة اللبناني بيار فرعون أن الدولة اللبنانية جمعت كل مستوعبات النفايات السامة، وتم شحنها إلى إيطاليا، حيث تم حرقها خلال شهر أغسطس «آب» الفائت من العام الحالي، ولكن رغم كل ذلك تبقى قضية النفايات السامة في محور التجاذب، وملفها لا يزال مفتوحًا سياسيًا وقضائيًا، حتى نشر هذه الكلمات إلى أن يحدث الله أمرًا كان مفعولًا.
تسميم «إسرائيل» لشواطئ لبنان:
ومع ذلك يبقى التلوث الهم الشاغل للبنانيين، وهذا التلوث في المياه والأراضي اللبنانية تتوسع مشاكله متخطية السلطات السياسية والقضائية، والجمعيات البيئية اللبنانية نحو المنظمات والجمعيات البيئية العالمية.
وأنّه بعد خطر براميل النفايات السامة التي دخلت لبنان منذ سنوات، تتصدر الساحة اللبنانية اليوم قضية أشد خطورة على سلامة الأراضي والمياه اللبنانية من البراميل، وهي قضية تفريغ بواخر إسرائيلية نفايات صناعية سامة من معامل حيفا على بعد 3 كم من الشاطئ اللبناني بما يعادل 50 ألف طن.
وهذه الكمية من المواد السامة والتي تلقيها «إسرائيل» سنويًا في المياه الإقليمية اللبنانية هي عبارة عن وحول صناعية تنتجها كبرى مصانع الأسلحة والذخائر في مدينة حيفا، وتتولى الباخرة الإسرائيلية «أريبال» تفريغها بطريقة بحيث لن يكون بالإمكان خلال سنوات ملامسة المياه اللبنانية بسبب تلوثها.
هذه الخطوة الإجرامية من قبل العدو الإسرائيلي اكتشفتها الباخرة الجوالة «التار» التي زارت لبنان الشهر الماضي، خلال جولتها العالمية للتحريض على رفض التجارب النووية الفرنسية والصينية التي تجري في البحر، حيث تزور «التار» الدول طارحة مشكلة التلوث البيئي العالمي، ويتم التوقيع على عريضة رفض التجارب النووية جمعت حتى الآن ما يزيد على 750 ألف توقيع من سكان العالم.
وتأتي هذه الجريمة الإسرائيلية البشعة لتلقي مزيدًا من الأضواء حول الأزمة التي تفتعلها البحرية الإسرائيلية من صيادي الأسماك اللبنانيين، حيث تمنعهم من ارتياد البحر بين فترة وأخرى، وهي الآن تمارس قرصنة عليهم منذ منتصف الشتاء الماضي وحتى أيامنا هذه.
أمّا الدولة اللبنانية فهي تعمل على دفع رواتب شهرية للصيادين وعائلاتهم، تعويضًا لهم عن خسائرهم اليومية، وتقدر قيمة هذه الخسائر بـ 500 مليون دولار.