العنوان النفايات السامة تثير أزمة في لبنان
الكاتب جمال الدين شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1994
مشاهدات 82
نشر في العدد 1119
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 04-أكتوبر-1994
النفايات السامة تثير أزمة في لبنان
"خبراء البيئة
يخالفون رأي الوزير، ويؤكدون أن المواد سامة وخطرة، وهي جزء من صفقة مشبوهة"
شغلت قضية طمر النفايات السامة في لبنان الرأي العام باعتبارها مسألة
تهدد السلامة العامة، فقد فوجئ أهالي عيون السيمان بعدد من الشاحنات تدخل منطقتهم،
محاولة إلقاء حمولتها في الجرود الجبلية لتنبعث منها روائح كريهة، فسارعوا إلى
إبلاغ السلطات التي أجرت تحقيقاتها لتكشف فضيحة بيئية، فالمواد السامة مكونة من
بقايا مادة "الإيتيل أكريلات"، وهي مادة تستخدم في صناعة البلاستيك،
وعلى الرغم من أنها مادة غير إشعاعية لكن طريقة إتلافها تحتاج إلى وسائل علمية
حديثة، وتتم في معامل صناعية غير متوافرة في لبنان.
من أين جاءت النفايات السامة؟
مصادر وزارة البيئة اللبنانية أوضحت لـ "المجتمع" أن هذه
المواد كانت موجودة في لبنان في معمل "الإسكو" للصناعات البلاستيكية منذ
20 سنة، وقد توقف هذا المعمل عن الإنتاج منذ العام 1975م، بفعل الأحداث، وبقيت هذه
المواد في "البراميل" ففسدت وبقيت على حالها حتى صارت تنبعث منها روائح
كريهة، فحاولت الوزارة دفنها في حفرة كبيرة في منطقة النحيلة جرود عيون السيمان،
لعدم وجود معمل خاص لمعالجتها، وأن إجراءات احترازية ستتخذ عند طمر النفايات؛ حيث
ستوضع في مستوعب (كونتينر) محكم الإغلاق بعد تعطيلها بمادة كيميائية تسمى
"هيدروكينون" وإتلافها بأوكسيد الكالسيوم، وذلك في حفرة طولها 7 أمتار،
وعرضها 3 أمتار، وعمقها 3 أمتار مصونة بأحجار من الأسمنت، ومغلفة بجدار من الأسمنت
سماكته 20 سنتيمترًا، ثم تردم بالتراب بسماكة 50 مترًا، وهي إجراءات شبيهة بتلك
التي تتخذ لطمر النفايات النووية.
تطمينات الوزير ورأي الخبراء
وعلى الرغم من تطمينات وزير البيئة "سمير مقبل" الذي قال:
"إن المواد معروفة وغير مشبوهة"، مستغربًا الضجة التي أثيرت حول
الموضوع، فإن خبراء البيئة لا يشاطرونه الرأي، ويؤكدون أن هذه المواد سامة وخطرة،
وهي جزء من صفقة مشبوهة تمت في العام 1986م، بين شركات إيطالية وبين "القوات
اللبنانية" التي قبضت مبالغ باهظة مقابل إدخالها من الخارج لدفنها في لبنان،
وقد ثارت ضجة حول هذا الموضوع في العام 1988م، حيث سبق أن تم نقل بعض هذه المواد
في ذلك الوقت بعد استقدامها من الخارج إلى منطقة النحيلة، فرفض أهلها السماح
بإفراغ الشاحنات، فعادت هذه الشاحنات أدراجها إلى مرفأ بيروت –الحوض الخامس– الذي
كان خاضعًا آنذاك لسيطرة القوات اللبنانية، فأفرغت حمولتها من المستوعبات هناك،
وأحيط المكان بكمية من الكلس لامتصاص الإشعاعات التي أوقعت آنذاك أكثر من 40
إصابة، توجه المصابون يومها إلى د. طانيوس العتيق، وتبين أن جميع المصابين
بالعوارض كانوا يقطنون على مقربة من المكان الذي وضعت فيه النفايات، أي في منطقة
الكسارات الواقعة بين ساحل علما وشننفيز؛ حيث لم يستطع سكان تلك المنطقة تحمل
الروائح الكريهة المنبعثة من هذه النفايات، وما لبثت العوارض أن ظهرت لديهم دفعة
واحدة.
خبير البيئة ريكاردوس الهبر قال في مؤتمر صحفي: "إن تقارير (غرين
بيس) السلام الأخضر، تحدثت عن الكثير من النفايات السامة التي وجدت في لبنان"
ورأى أنه: "لا يمكن المهادنة مع من يساهم في تفاقم الوضع البيئي لخطورته على
مستقبل الناس".
وبين تطمينات وزارة البيئة وتحذيرات الخبراء تبقى النفايات على أرض
لبنان مهددة سلامة المواطنين، وكاشفة لفضيحة بيئية تضاف إلى سجل "القوات
اللبنانية" الأسود، فبعد تدمير ماضي لبنان وحاضره، يأتي دور تدمير الجيل
القادم، وتبقى حالة البلبلة والذعر تسود المواطنين في مناطق وجود هذه المواد؛
نتيجة انبعاث الروائح الكريهة السامة في أجوائها.