; النفاق الروسي بين الماضي والحاضر | مجلة المجتمع

العنوان النفاق الروسي بين الماضي والحاضر

الكاتب إسماعيل فرحات

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1980

مشاهدات 92

نشر في العدد 475

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 25-مارس-1980

إن أبرز ما يميز السياسات الدولية الحالية هو «النفاق» فالدولة التي تعرف أن تنافق جيدًا تسمى بالدولة السياسية الكبرى وذات الدبلوماسية العظمى وهذا النفاق لا يقتصر على دولة دون أخرى ولكن في هذا التحليل سنبين للقراء الأعزاء النفاق الروسي على وجه التحديد لأنها بدأت في الآونة الأخيرة تظهر التودد للعالم الإسلامي وتحاول أن تتقرب منه معطية لنا وجهها الجميل ومخفية عنا ذلك الوجه القبيح الذي يتمثل في سياستها العدوانية اتجاه بلاد المسلمين واتجاه المسلمين في الجمهوريات الإسلامية السوفياتية مدعية أنها تتبع سياسة التسامح واللين وتعطي حرية العبادة لهم وهنا سنحاول توضح نفاقها ليعلم أتباعها وأذنابها من الشرق والغرب أن هؤلاء القوم لا يريدون بنا وبأمتنا خيرًا وأن الراية التي يجب أن ترفع في وجهها هي راية لا إله الا الله والله اكبر.

  • المسلمون السوفيات: خطر داخلي يخشاه بريجنيف.
  • الهدف الرئيسي للقادة السوفيات هو محاربة الدين والنزعات الدينية.
  • الحج يتم بالوكالة وممنوع ذبح الخراف في عيد الأضحى!

 

النفاق الروسي

جذور النفاق الروسي

كانت روسيا أول قوة أوروبية عظمى -في ذلك الوقت- تغير موقفها تغيرًا كليًا تجاه العالم الإسلامي الذي يجتاحه تغير فكري وتخترق أجواءه حركات وطنية تدعو إلى الحرية والاستقلال ويجري في أوطانه تشبیه نظم سياسية جديدة، وكان للحكومة السوفياتية البلشفية موقف مميز من الشرق الإسلامي فبعد أن اقتسمت الدول الأوروبية العظمي -وهي في ذلك الوقت إنجلترا وفرنسا وإيطاليا- تركة الرجل المريض وكان لكل منها نصیب، أحبت روسيا أن يكون لها نصيب أيضًا فماذا كان دورها؟

قامت برفع شعار القومية الشرقية أمام الوعد الذي التزمت به إنجلترا أمام شعوب المنطقة ألا وهو إعطاء مزيد من الحرية وتهيئة الشعوب تدريجيًا للحكم الذاتي ولكن تحت وصاية أوروبا المتحضرة ففي نوفمبر 1917 أي بعد انقضاء ستة أسابيع بقليل على وقوع الانقلاب الذي جاء بالبلشفيين في روسيا إلى الحكم وجهت الحكومة السوفياتية الجديدة نداءها الرسمي الأول إلى كل المسلمين والذي أزاح اللثام عن الخطوط السياسية العريضة في موقف البلشفيين تجاه الشرق فلقد جاء في هذا النداء التالي:

«لقد سقطت ممالك المغتصبين والقراصنة الرأسماليين يقصدون بهم العثمانيين، وأن الأرض تغلي تحت أقدام المعتدين الاستعماريين يقصدون إنجلترا يا مسلمي روسيا يا من خربت مساجدكم وهدمت بيوت عباداتكم نعلن لكم: أن عقائدكم الدينية وشعائركم ومنشآتكم الحضارية والقومية ستصبح ابتداء من اليوم مصونة لن تمتد إليها يد آثمة، أقيموا حياتكم القومية في جو من الحرية ودون أن يعوقها عائق فلكم الحق في ذلك».

وهذا النداء كان موجهًا فقط إلى العشرين مليون مسلم الذين يعيشون داخل الحدود الروسية ولكن فيما بعد تتجه نداء السوفييت إلى المسلمين خارج روسيا وأعلن «يا مسلمي الشرق.... يا إيرانيين.... يا أتراك.... يا عرب... يا من مارس المغتصبون الاستعماريون القادمون من أوروبا التجارة قرونًا بأرواحكم وأموالكم وحرياتكم وأوطانكم يا من قسم دياركم هؤلاء النهاب الذين أشعلوا الحرب العالمية نعلن لكم....»

ومما نلاحظه من هذا البيان الثوري الذي يشبه إلى حد كبير البيانات الثورية الشيوعية في الوقت الحاضر، يحاول أن يثير في أتباع الإسلام الثورة للتخلص من الاستعمار الغربي وذلك بأن تمنيهم وتعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا.

والآن ألم يخربوا بيوت آلاف المسلمين في أفغانستان؟ ألم يقتلوا و يزهقوا أرواح مئات الألوف من الشعب الأفغاني المسلم؟ ألم يهدموا مساجد المسلمين في روسيا وفي الحبشة وفي الصومال وفي عدن؟ إننا نأخذ التاريخ لنعتبر به ونستفيد منه وكما يقال التاريخ يعيد نفسه أليس هذا بنفاق؟!

ومن ذلك التاريخ بدأ التغلغل الشيوعي في العالم الإسلامي ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر أفغانستان التي هي حديث الساعة والخطب الجلل...

والآن تحاول روسيا ترويض الشعوب الإسلامية في أفغانستان وتضع عليهم حكامًا ينتمون إليها مثل حفیظ الله أمين وطراقي والرئيس الحالي بابرك كارمل، ولكن الشعب لم ينطلي عليه هذا النفاق فثاب إلى رشده وقامت ثورة عارمة في جميع أنحاء البلاد بدأت ببنادق صيد قديمة وسكاكين والحجارة، حتى أصبحت الآن على وشك الانتصار.

ويحاول الروس تثبيت أقدامهم في تلك البلاد بالاحتلال العسكري لكنهم عرفوا أن أفغانستان كانت مقبرة لهم وأن هذا الشعب المسلم لن يرضى إلا بأن ترفع راية لا الله إلا الله والله أكبر على أرضه.

النفاق الروسي في الوقت الحاضر:

وبعد الغزو الروسي لأفغانستان والإجراءات الدولية التي اتخذت ضده كمنع تصدير القمح له من الولايات المتحدة وغيرها من الإجراءات الاقتصادية، ونتيجة لنقص الطاقة لديه من بترول وتعطشه لمنابع النفط الدافئة يحاول أن يتقرب إلى دول المنطقة و يضع له ركائز في شبه الجزيرة العربية كعدن مثلًا ويتخذها قاعدة عسكرية، ومن الجهود التي بذلها الاتحاد السوفياتي للتقرب نحو المملكة العربية السعودية مقال نشرته الصحيفة الروسية الرسمية «ليتراتونايا غازيتا» تناول السعودية بأسلوب ودود ومتعاطف، وكانت موسكو حتى وقت قریب تتهم السعودية «بالرجعية»، والمقال المنشور الذي حاز على الموافقة على أعلى المستويات يكشف عدد من نقاط التغيرات الهامة في النفاق السياسي السوفياتي فقد جاء المقال «إن الاتحاد السوفياتي والمملكة العربية السعودية لم يسبق أن حارب بعضهما البعض ولم تقع بينهما أي صراعات مستعصية الحل» والمقال بقلم «ايغور بلابيف» وهو واحد من أكبر المعلقين على قضة الشرق الأوسط.

في الحوار الذي أجراه برجس البرجس رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لوكالة الأنباء الكويتية «كون بتاريخ 26\2\80 مع  شخصية إسلامية حكومية سوفيتية «ضياء الدين با خانوف» مفتي الاتحاد السوفياتي ومدير الإدارة الإسلامية لآسيا الوسطى الذي نكر فيه أن أربعين مليون مسلم في الاتحاد السوفياتي يوحدون الله وكثير منهم يصلون في المساجد وأنه توجد مدارس متخصصة للدين: المسلمين يحتفظون بالمصاحف في منازلهم ولا يضعونها في المساجد واستطرد طويلًا في شتى أوضاع المسلمين في روسيا ومالي من حرية في البعثة والنساء ليدل على أن الحكومة السوفيتية لا تعارض ذلك وذكر أن المادة من دستور الدولة السوفياتية تكتم حرية العقيدة والعبادة لكل المواطنين».

وهذه الشواهد وغيرها تستدرجنا لأن نبين مدى تطبيق هذه الحرية المزعومة المعطاة للمسلمين وإلى تطور العلاقة بين الإسلام والنظام السوفياتي.

  • كيف تطورت العلاقة بين الإسلام والنظام الشيوعي؟

كل القادة الذين تعاقبوا على الحكم في الاتحاد السوفياتي منذ ثورة أكتوبر الاشتراكية «1917» حتى اليوم كانوا ضد سيطرة الانتماء الديني على الانتماءات الأخرى للمواطن الروسي والدولة السوفياتية على صعيدين الدستور والقانون لا تنظر إلى أتباع أي دين أو مذهب أو إلى المنحدرين من أي عنصر أو قومي كجماعة أو مدرسة بل تعامل الجميع كأفراد ومواطنين سوفيات فقط.

والهدف الرئيسي للقادة السوفيات يرمي إلى محاربة الدين والنزاعات الدينية وكل التيارات الماورائية لأنها تتناقض مع عملية بناء المجتمع الشيوعي وتؤكد التعليمات التي ترسلها السلطات السوفياتية إلى المدرسين على أن الهدف الأساسي للمدرسة السوفياتية هو إعداد الإنسان الشيوعي بإبعاده عن «الأفكار البالية المضادة للشيوعية والمتمثلة في الأديان»، كما أن التعليم الديني ممنوع في المعاهد والمدارس السوفياتية ويستعاض عنه بالفلسفة المادية كعلم يتلقنه الطلاب.

وفي السنوات العشر الأولى للثورة الروسية «1928- 1918» لم يقع أي نوع من الهجوم المباشر على الإسلام فالقادة السوفيات الجدد كانوا بحاجة إلى الدعم الشعبي وكانوا مجبرين على تقديم بعض التنازلات تنفيذًا لوعودهم حول الحريات، غير أن هؤلاء القادة سرعان ما انكشف نفاقهم فلم يتأخروا في اتخاذ بعض الإجراءات القانونية التي حددت ملكية الأوقاف، وأنشأت محاكم مدنية بدلًا من المحاكم الشرعية، وقلصت التعليم الديني.

  • أما ستالين فقد بلغ قمعه للأديان درجة شن معها حملة واسعة على الإسلام فأقفل المدارس الدينية والمساجد، وتعقب رجال الدين الذين عارضوا سياسته وزج بعضهم في السجون، وقد استمرت هذه الحالة حتى عام 1942 حين رضخت السلطات لبعض الضغوط وسمحت بإنشاء إدارة إسلامية للاهتمام بقضايا الدين الإسلامي «وليس المسلمين»، كما أمرت بفتح المساجد ووقف الدعاية المناهضة للدين الإسلامي.
  • ومع خروشوف «1958» عادت السياسة السوفياتية إلى محاربة الإسلام وظهرت حملات دعائية قوية ضد المؤمنين، كما لوحق رجال الدين الذين جاهروا بأهمية الدين في حياة الإنسان ووصلت هذه الحملة إلى ذروتها بين «1964 - 1960» عندما أمرت السلطات السوفياتية بإقفال بعض المساجد نظرًا إلى الدور الذي تلعبه في حياة المسلمين السوفيات، وهذا يتنافى مع المادة 25 من الدستور السوفياتي الذي تطرق إليه باباخانوف في أول الحديث، فالكلام المكتوب في الدستور شيء والتنفيذ الفعلي الواقعي شيء آخر.
  • كيف يمارس المسلم السوفياتي شعائره الدينية؟

المعروف أن على المسلم المؤمن خمس فرائض يمكن تأدية اثنين منها بشكل فردي وسري والثلاث الأخرى تلزم الإنسان بإتباع سلوك يؤثر على الحياة الاقتصادية - الاجتماعية وهي الصلاة بأوقاتها الخمسة والصوم والحج وإذا كانت السلطة السوفياتية لا تتدخل في ممارسة الفريضتين الأوليين وهما إعلان الإيمان والزكاة، فإنها تمنع على المسلم ممارسة الفرائض الثلاث الأخرى لما تراه من آثار اقتصادية على المجتمع السوفياتي...

وأمام التصلب الرسمي لجأ مفتي طشقند إلى إصدار بعض الفتاوى والاجتهادات تسمح للمسلم السوفياتي بتأدية واجباته الدينية بشكل لا يؤثر على مستقبل الاقتصاد السوفياتي!!!» هذه الفتاوى تناولت الصلاة والصوم وعيد الأضحى والحج.

  • فبالنسبة للصلاة سمحت الفتوى للمؤمن بالصلاة مرة واحدة في اليوم وفي الوقت الذي يناسبه.
  • بالنسبة للصوم إذ سمحت السلطات الدينية للمسلمين بأن يختاروا يومًا واحدًا من شهر رمضان يمتنعون فيه عن تناول الطعام ويشاركون بذلك المؤمنين أو أن يستبدلوا الصيام بعمل ما في حياتهم الروحية.
  • أما بالنسبة لعيد الأضحى فلقد أصدرت السلطات السوفياتية قرارات تمنع ذبح الأغنام بالجملة حتى لو كان مصدرها القطاع الخاص لما في ذلك من «ضرر على الاقتصاد السوفياتي».

غير أن هذه القرارات لم تطبق من جانب المؤمنين الذين استمروا في ممارسة شعائرهم وعاداتهم، وأمام تذمر السلطات الرسمية رأت القيادة الدينية أن في إمكان المؤمن دفع ثمن الخروف في عيد الأضحى إلى إدارة المسجد بدلًا من شرائه وذبحه، وقد جمع رجال الدين بواسطة هذه الإجراءات كميات من المال قاموا بتوزيعها على الفقراء.

  • أما بالنسبة لفريضة الحج التي يصعب على المسلمين السوفيات القيام بها لأسباب عديدة اقتصادية وسياسية فكانت الفتوى ولا تزال تجيز «الوكالة» أي أنه طالما العدد المسموح له بزيارة الأراضي المقدسة قليل جدًا فإن في إمكان المؤمن أن ينيب عنه أحد أقربائه.
  • ومن وجوه نفاق الروس ومجاملتهم لـ «50» مليون مسلم، ردت موسكو على مؤتمر إسلام آباد على طريقتها الخاصة فدعت إلى عقد مؤتمر إسلامي في مدينة طشقند في أيلول «سبتمبر» المقبل «بناء على طلب رؤساء المنظمات الإسلامية للاحتفال ببداية القرن الهجري الخامس عشر»، كما قالت وكالة «تاس» السوفياتية ونشطت أبواق الدعاية والنفاق السوفياتية إلى إظهار موقف حكام موسكو الإيجابي من الدين الإسلامي إذ نظم معرض حول «جهود الدولة السوفياتية للحفاظ على ثقافة المسلمين» كما كتبت مجلة «لاغازيت ليتير يره» السوفياتية تقول «إن الحزب الشيوعي السوفياتي لم يضع أبدًا في برنامجه مسألة محاربة الأديان».

ومما تقدم نجد أن المسلمين السوفيات يشكلون خطرًا داخليًا يخشاه بريجنيف وأن هذه الإمبراطورية السوفياتية التي تشبه الإمبراطورية الفارسية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لتحمل بين طياتها عوامل الهدم والانهيار لتحل بدلًا منها الإمبراطورية الإسلامية إن شاء الله وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

236

الثلاثاء 21-أبريل-1970

صحافة - العدد 6

نشر في العدد 20

475

الثلاثاء 28-يوليو-1970

نحو حركة إسلامية عالمية واحدة (1)

نشر في العدد 2101

958

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

شيء من الترويح!