; النظريات هي الأصول | مجلة المجتمع

العنوان النظريات هي الأصول

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر السبت 24-مارس-2001

مشاهدات 60

نشر في العدد 1443

نشر في الصفحة 43

السبت 24-مارس-2001

تميزت الشريعة الإسلامية بأنها تعطي الفقهاء المجتهدين دورًا تشريعيًا لا تمنحه القوانين الوضعية لشراحها ويظهر ذلك بوضوح في نطاق التعازير في التشريع الجنائي، إذ إنه لكي يتولى الفقيه الاجتهاد والإجماع لتحديد الأفعال التي تستحق عقوبة تعزيرية فإنه لا بد أن يعرف المعاصي الدينية، وهذه المعاصي تستنبط من الأحكام التكليفية والمبادئ العامة في  التشريع التي نعتبرها أصولاً تشريعية.

لقد استعمل الشهيد عبد القادر عودة اصطلاحًا معروفًا في فقه القوانين الوضعية للدلالة على ما يسميه فقهاؤنا بالأصول وقد عرف فقهاؤنا الفقه بأنه علم الفروع وكلمة الفروع تعني أنها مستمدة من الأصول وأول أصول الفقه هي مصادره والمبادئ والأحكام التي تحكم عملية استنباط الأحكام الفرعية من مصادرها الشرعية. 

واستنباط أحكام الفروع يمر من خلال أصول  التشريع التي وصفها فقيهنا بأنها نظريات لذلك قلنا إن الشهيد عودة فتح لنا بذلك باب مرحلة جديدة في الفقه سميناها مرحلة «التنظير»، لأن التنظير هو استنباط المبادئ الأساسية التي تعتبر أصولاً تشريعية- والتي يمكن بواسطتها توسيع نطاق الفـقـه لـيـشـمـل التقنينات الشرعية التي أصبحت ضرورية لجمع أحكام التعازير وتقديمها في صورة تقنينات يسميها البعض قوانين مستمدة من الشريعة وإن كنا نعترض على هذه التسمية. 

يجب أن نفخر بأن شريعتنا لا تعطي للدولة ولا لرؤسائها ولا ما تسميه سلطتها التشريعية أي دور في وضع أحكام التعازير، بل إن ذلك من اختصاص الفقهاء المجتهدين، وأسلافنا تركوا المهمة للقضاة لأنهم كانوا مجتهدين وما دام قضاتنا الآن وفي المستقبل قد أصبحوا مقلدين غير مجتهدين، فإن مهمة استنباط أحكام التعازير يتولاها من نسميهم أهل الاجتهاد وعليهم أن يقدموها للقضاة المقلدين والعامة في صورة تقنينات شرعية يستنبطونها من الأصول الشرعية أي من مبادئ الشريعة التي نسميها أصولاً ويسميها فقيهنا نظريات. 

الآن ندخل عصر التقنينات ولا بد أن يكون ذلك بواسطة التنظير، أي أن عصر التقنين هو عصر التنظير كذلك، وهذه أهم خصائص المرحلة العصرية في الفقه أو التشريع الجنائي. 

إننا في بداية توسع جديد في فقهنا المعاصر عن طريقين أولهما: التقنين وهو ظاهرة العصر في القوانين الوضعية، ويرى كثيرون أن أحكام التعازير لا بد أن تقدم للباحثين والقضاة وجمهور الناس في صورة تقنينات عصرية. 

وإذا كان فقيهنا قد اكتفى بالقول إنه لا مانع من تقنين أحكام الفقه الجنائي الإسلامي فإن الجهد الذي بذله في كتابه لعرض أحكام الفقه مبوبًا على النمط الذي سارت عليه القوانين الوضعية، واستخدم في كتابته مصطلحات تلك القوانين وأساليبها، كان عاملاً مهمًا في تسهيل مهمة اللجان التي بدأت مشروعات التقنين في كثير من أقطارنا والذي نرى أنه أصبح واجبًا على فقهاء العصر وعلماء المستقبل والطريق الثاني هو التأصيل الذي يربط نصوص التقنين الشرعي بمقاصد الشريعة ومبادئها العامة التي هي أساس النظريات التشريعية التي ذكر فقيهنا عددًا منها على سبيل المثال لا الحصر، ونرى أن من واجب فقهنا التوسع فيها في الحاضر والمستقبل حتى تربط أحكام التقنينات الشرعية بالمصادر الشرعية ولا نحتاج لاستيراد نصوص من الخارج ولا تتحول التقنينات الشرعية إلى قوانين وضعية تمكن البعض من تجاهل خصائص شريعتنا.  

الرابط المختصر :