العنوان النظام العربي بين التدخلات الخارجية والداخلية
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998
مشاهدات 115
نشر في العدد 1298
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 05-مايو-1998
مفهوم السيادة للدولة، يقتضي استقلاليتها في تصريف أمورها، وتفردها في تدبير شؤونها، كما أنه يمثل أحد الأركان المهمة للنظام الدولي القائم على الدولة، ويركز هويتها ويعمق شخصيتها وتميزها، والحقيقة أن السيادة للدولة هي بمثابة عرضها القومي وشرفها الدولي الذي به ترفع الرأس، وتعلي الهامة، وتنال العزة، وفي سبيله تبذل الأرواح، وتسفك الدماء، وتهون التضحيات.
والأمم لا تتنازل عن سيادتها إلا قهرًا واغتصابًا، ولا تفقد حريتها إلا حربًا وانهزامًا، ولا تفرط في عزتها وكرامتها إلا قتالًا وغلابًا، ثم لا تلبث أن تجالد وتكافح وتبذل المرتخص والغال لتسترد ما فقدته وتسترجع ما سلبته من سيادة، وعزة وهيبة وهذا في الإنسان شيء فطري، وفي الأدميين أمر غريزي أما أن يصادف هذا التدخل الخارجي هوى عند البعض وقبولًا عند بعض آخر، وسكوتًا عند الكثيرين، فهذا يمثل خللًا في البنية النفسية والفطرية في الأمة يجب ألا يسكت عليه ويتحتم علاجه وإزالة أسبابه، وإلا وجدت الأمة نفسها في يوم من الأيام قد ذابت وانحلت وفقدت كيانها نفسه.
وإذا لاحظنا أن التدخل في شؤون الدول الضعيفة أصبح اليوم من السمات الثابتة للدول الكبرى، عرفنا حجم الخطورة التي تواجه مستقبل الأمة السياسي، وبخاصة عندما تتذرع هذه الدولة الكبرى بالحجج الكثيرة لهذا التدخل وتغلفها بقشور أخلاقية، فمثلًا قد استخدمت حقوق الإنسان، والديمقراطية، والمحافظة على الأقليات الدينية والعرقية، كأدوات للتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهذه في الحقيقة ليست توجهات حقيقية تجري بشكل تلقائي، وإنما هي ذرائع لخدمة مصالح الدول الكبرى تستخدم بشكل انتقائي في الدول التي لا تخضع للتوجهات الأجنبية، كما أن هناك ظروفًا محددة ترشح الأمم للتدخل الأجنبي حال توافرها وتجعل التدخل أكثر سهولة ويسرًا، ومن أهم هذه الظروف الصراعات الداخلية، وبخاصة الصراعات القومية والدينية لاسيما إذا ما وصلت هذه الصراعات إلى مستوى عال من الحدة ونشأ عن ذلك استعمال السلاح أو استغلال الجماهير والغوغاء لهدم الدولة، وإسقاط شرعيتها، فإنها تتدخل لنصرة فريق قد يستعين بها أو تستعين هي به لتنفيذ مخططات تخدم الأجنبي وتقضي على مصالح الأمة وسيادتها، وتفرق الدول العربية وعدم تماسكها أو اتحادها يجعل من السهل إلى حد ما بذر الفتن فيما بينها، وإفساح المجال للتناقضات لتفعل فعلها في الدول، فقد مرت الأمة ولفترات طويلة بشرذمات فكرية مستندة إلى توجهات خارجية فهذا القطر يعتنق الاشتراكية، وهذا يقوم على البعثية، وهذا ينهد إلى الشيوعية، وهذا يهيم بالرأسمالية، وهؤلاء يميلون إلى الإسلامية والتراثية، وكل وراءه قوى خارجية إلا من رحم ربك، فكيف يمكن أن يجتمع هؤلاء وأولئك على كلمة سواء أو جهة واحدة.
ولهذا فالنظام العربي ليس كيانًا سياسيًا واحدًا، ولكنه مفهومات مختلفة يعبر عن أنماط التفاعلات التي يعتنقها بما في ذلك الأبنية المؤسسية والقنوات المنظمة لهذه التفاعلات، ولم يستطع الكيان العربي مثلًا أن يكون كحلف الأطلنطي، أو الاتحاد الأوروبي، حيث توجد هيئة محددة تتولى إدارة الكيان واتخاذ القرارات باسمه والجامعة العربية التي يزعم العرب أنها توحد كلمتهم قد جعلوها دمية لا تسمن ولا تغني من جوع تبول عليها الثعالب وينوح عليها القربان، وهي دائمًا الشاهد الذي لم ير شيئًا، أو يسمع أمرًا.
ومن ثم فإن غياب هيئة فاعلة يمكنها جمع النظام العربي والتحدث باسمه يجعل مهمة تقييم التدخلات الأجنبية ورصدها في الأقطار وبخاصة في الأزمات والمشكلات العربية مهمة تكتنفها المصاعب ولهذا فالاختراقات الأجنبية في الأمة اتخذت بعدًا كبيرًا وأصبحت السمة الغالبة التي لا تخفى على أحد والتي لا يستطيع أن يذكرها نظام معين وإن كانت تسمى حينًا بالصداقة وحينًا آخر بالمصالح المشتركة إلى غير ذلك من الأسماء التي لا تنطلي على أحد.
والحقيقة أن أطراف النظام العربي منقسمون فيما بينهم بشأن قضايا كثيرة لم يستطيعوا الاتفاق حولها وأكثرها قضايا جوهرية مثل الأمن والتنمية وطبيعة العلاقات مع الخارج، ولكل وجهات نظر مختلفة تعكس كل منها المصالح والاختبارات الذاتية لدى كل نظام على حدة، والحقيقة الغائبة أن المصالح العربية كما يروج لها البعض ليست إلا مصالح النخب الحاكمة في أقطار معينة، وإذا رجعنا إلى القاعدة العريضة وجدناها غير ذلك تمامًا ولهذا يخشى منها ولا يراد لها الظهور على السطح وتقمع كلما أرادت أن تعترض أو تبدي استياء أو تنطق بالحق أو تعبر عما تريد، ويحاول البعض تزييف إرادتها أو إلهاءها تارة بانتخابات صورية أو بأحزاب شكلية لتواجه بها الأنظمة التفاعل الشعبي بدءًا من نشأة الأحزاب السياسية وانتهاء بممارسة هذه الأحزاب لعملها في الحياة السياسية.
فإذا اعتبرنا أن وظيفة الأحزاب السياسية هي: نشر الوعي، والتنشئة السياسية، والتعبئة الجماهيرية، والتجنيد السياسي، ودعم الرقابة الشعبية على السلطة التنفيذية، وتقوية الإحساس بالمشاركة والسعي إلى السلطة، فإننا نلاحظ أن كل ذلك قد يمثل ألغامًا في طريق السلطة وخطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها أو السماح بها، فكيف يتصور أن تكون هناك أحزاب اللهم إلا إذا كانت واجهات ولافتات فقط، وديكورات لتجميل وجه الأنظمة العجوز الشمطاء، ولهذا تستغرب وتدهش القيود المفروضة على العمل الحزبي في تلك الأنظمة وعلى الممارسات السياسية فيها، بالمنع والتقييد، فيما يتعلق بعقد الندوات أو الاجتماعات العامة أو الترشيح في الانتخابات البرلمانية العامة والمحلية أو ممارسة الضغوط عليها في حركتها على الصعيد الشعبي.
ولهذا فقد أدت هذه الممارسات إلى جعل الأحزاب المعارضة مجرد أشكال تنظيمية ورقية هشة تحاول بها الأنظمة استكمال الشكل الديمقراطي المزيف هذا في الأحزاب التي يعلم أنها لا تملك رصيدًا شعبيًا البتة، أما القوى الأخرى التي تملك رصيدًا شعبيًا فاعلًا يؤهلها للقيام بدور فاعل في الحياة السياسية والاجتماعية، فإنه لا يسمح لها أصلًا بتكوين أحزاب ورقية أو حتى دخانية أو سرابية، كل ذلك خوفًا من أن يخترق الشعب الحكومات أو الأنظمة، أو يتدخل الشعب أو القاعدة الجماهيرية في شؤون الدولة أو السلطة، ولا يملك الإنسان المراقب إلا أن يقول :
حرام على بلابله الدوح
حلال للطير من كل جنس
إن التدخل الشعبي والجماهيري في الأمة هو التدخل المشروع لأنهم أصحاب الحق والمصلحة والتدخل الأجنبي هو المحور والممنوع، فكيف يصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وهل هذا يكون إلا عند انقلاب الحال وفساد العصر والأوان، نسأل الله أن يردنا إلى الحق ردًا جميلًا، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه آمين آمین.