; النظام العالمي الجديد بين الاستمرار والسقوط(1 من2) | مجلة المجتمع

العنوان النظام العالمي الجديد بين الاستمرار والسقوط(1 من2)

الكاتب د. عبدالله الشيخ

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1994

مشاهدات 106

نشر في العدد 1107

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 12-يوليو-1994

    ·  الولايات المتحدة تسخر الأمم المتحدة لخدمة أهدافها وفق مفهوم النظام العالمي الجديد

    ·  البروفيسور روبرت كوهين يقول: إن المركز القيادي للولايات المتحدة بدأ يتدهور لكن استمرار التعاون الدولي مازال ممكنًا

أدبيات التنبؤ بانهيار الرأسمالية الغربية ليست جديدة، فقد قال بذلك الفكر الماركسي الذي بشر بنظام شيوعي يقوم على أنقاض الرأسمالية(1)، وكذلك ذهب بعض المفكرين الإسلاميين إلى التنبؤ بانهيار المعسكرين الغربيين: المعسكر الشيوعي تحت زعامة الاتحاد السوفيتي، والمعسكر الرأسمالي تحت زعامة الولايات المتحدة الأمريكية(2).

أما الكُتاب الغربيون وخاصة الأمريكيين فقد بدأوا الكتابة عن تدهور المركز القيادي للولايات المتحدة منذ السبعينيات(3)، وذلك بعد النجاح الاقتصادي الذي حققه حلفاء أمريكا في غرب أوروبا واليابان. فقد لعب مشروع مارشال دورًا إيجابيًا في المساعدة في النهضة الاقتصادية الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، كما لعبت ترتيبات تلك الحرب في المساعدة في نهضة اليابان الاقتصادية الحديثة، وذلك بتأمين الحماية الأمنية لهذا البلد، الأمر الذي جعله يوجه كل إمكاناته نحو النمو الاقتصادي، فحقق بذلك معجزة فاقت كل التوقعات.

وهذه الورقة تهدف إلى إبراز دور الولايات المتحدة كمركز مهيمن في النظام العالمي الدولي الجديد، ودرجة قوة ومستقبل هذه الهيمنة، وذلك عن طريق عرض الإمكانات الداخلية للولايات المتحدة، وهل تؤشر هذه الإمكانات إلى قدوم انهيار لهذا البلد الذي تشير كل الدلائل إلى أنه ظهر كأقوى دولة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي 1991م.

النظام العالمي الجديد.. نظرة تاريخية

النظام الدولي الذي أخذ يتبلور بعد نهاية الحرب الباردة (1945 - 1991) ليس النظام الدولي الوحيد في التاريخ الحديث، فالنظم الدولية تجيء للوجود بعد حدوث هزة كبيرة في العالم يحدث بعدها تغيير هيكلي في توزيع القوة والثروة(4).

وبناءً على توزيع القوة والثروة يأخذ نظام العالم السياسي شكله، من حيث عدد الدول الأكثر قوة وثروة فيه. هذا ويعرف علماء العلاقات الدولية أربعة نظم في هيكل العالم السياسي:

1- نظام القطب الواحد.

2- نظام القطبين.

3- نظام الأقطاب الثلاثة.

4- نظام تعدد القطبية(5).

أما على الصعيد العملي فإن تجربة العالم في نظام الدولة الحديثة لم تعرف إلا نظامين: نظام تعدد الأقطاب، وهو النظام الأوروبي الذي سبق نظام القطبين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. أما النظام الذي ظهر بعد الحرب الباردة فهو نظام القطب الواحد وهي لحظة سريعة لم تحدث من قبل، ويقول عنها علماء العلوم السياسية إنها في طريقها إلى بلورة نظام تعدد القطبين، هذا هو تحليل النظرية الواقعية، والواقعية الجديدة في العلاقات الدولية المبنية على مبدأ توازن القوى أو نظرية توازن القوى.

أما النظرية المثالية في العلاقات الدولية التي تقول بالأخذ بنظام الأمن الجماعي وتقوم على أساس القانون الدولي، والدبلوماسية والمعاهدات، فقد عرفت نظامين دوليين حتى الآن، نظام عصبة الأمم في أعقاب الحرب العالمية الأولى 1919م ومعاهدة فرساي، ونظام هيئة الأمم المتحدة الحالية الذي تبلور في أعقاب الحرب العالمية الثانية ومعاهدة يالطا. والملاحظ في هذين النظامين أنهما لم يتجاهلا أبدًا مسألة القوة والثروة بسبب أنهما قاما بناء على جهود الدول الأقوى المنتصرة في الحربين.

لقد فشل نظام عصبة الأمم، بسبب عدم قدرته على حل مشكلة امتلاك اليابان لمنشوريا 1931م والاحتلال الإيطالي لإثيوبيا 1935م، والاعتداءات النازية في نهاية الثلاثينيات على أوروبا. وطبعًا، يقع السبب الجوهري وراء ذلك في عدم التزام الدول الأقوى بمبادئ العصبة، وعدم مشاركة الولايات المتحدة في العصبة منذ البداية بسبب رفض الكونجرس الأمريكي لمشاركة الولايات المتحدة، رغم أن العصبة قامت على أفكار ومبادئ الرئيس الأمريكي آنذاك ودرو ويلسون. وكان أن صوتت عصبة الأمم لإنهاء مهمتها 1946م، وحولت ممتلكاتها للنظام الذي خلفها وهو نظام هيئة الأمم المتحدة(6).

نظام الأمم المتحدة والحرب الباردة

قام نظام الأمم المتحدة 1945م، مهتديًا بنظام عصبة الأمم، مؤسسًا على الافتراض القائل: إنه لن يكون في وسع دولة أو مجموعة دول أن تقف متحدية للمجتمع الدولي. وقد وُكل أمر حفظ الأمن والسلام العالمي في هذا النظام إلى مجلس الأمن الدولي، ويتكون من خمسة أعضاء دائمين هم: (الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد السوفيتي، وفرنسا، وبريطانيا).

وبسبب حق الفيتو الذي أعطته الدول المذكورة لنفسها، عطلت الحرب الباردة عمل هذا النظام بعد انقسام نظام توازن القوى إلى نظام ثنائي القطبية، الأمر الذي جعل الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وغيرهما يتبادلون تعطيل القرارات التي يرون أنها في غير مصلحتهم، وهكذا طوال الأربعين سنة الماضية فشلت الأمم المتحدة في قضايا السلام والأمن، وخير مثال لهذا الفشل قضية فلسطين، وكشمير.

نظام الأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد

هذا وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي 1991م، ظهرت الولايات المتحدة كأقوى دولة في العالم من الناحية الاقتصادية والعسكرية، وصار بإمكانها العمل كقوة عظمى وحيدة مع نظام الأمن الجماعي ممثلًا في الأمم المتحدة بتسخيره لخدمة أهداف النظام العالمي الجديد. إن النظام العالمي وفق تعريف النظرية الواقعية هو نظام الدول الأكثر قوة وثروة في العالم(7).

وبما أن الدول الأكثر قوة وثروة في العالم هي الدول التي تنتج أغلب إنتاج العالم، وتملك أغلب القوة في العالم، فإن مصلحة العالم هي مصلحتها، وسلام العالم هو سلامها. فالولايات المتحدة والدول الحليفة لها ممثلة في غرب أوروبا واليابان مثلًا، تنتج 80% من إنتاج العالم، ويدخل عليها بالتالي 80% من دخل العالم، في حين أن كل الدول الأخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا، بعدد سكان يقارب 4 بلايين نسمة كلهم لا يتجاوز إنتاجهم في هذا العالم 20 - 30%، وبالتالي لا يزيد دخلهم على نفس النسبة أي في حدود 20 - 30% من الدخل العالمي.

إذن النظام العالمي الجديد -نظام الدولة العظمى الواحدة- له الحق في استعمال الأمم المتحدة -أداة الأمن الجماعي- لخدمة مصالح هذا النظام وترسيخ قيمه، وتأسيس السلم والأمن العالمي بصورة لا تنال من أمن وسلام هذا النظام. لا بد أن نفهم هذه النقطة فهمًا جيدًا؛ لأنها تكشف لنا فهم القوى الغربية للنظام العالمي الذي نعيش فيه. إذ بينما نظن نحن -أعني الدول التي لا تقع في الغرب- أن لنا وزنًا كبيرًا في النظام العالمي بناء على اعتبارات كثيرة منها أننا بلاد ذات حضارات عريقة أو مساحات كبيرة من الأرض، أو عدد كبير من السكان، ورغم أن هذه تشكل بعض عناصر القوة والثروة، إلا أن التعريف الغربي للثروة والقوة تعريف ضيق يحصر القوة في القوة العسكرية، والثروة في الصناعة المتقدمة وما تتيحه للدولة من غنى ورفاهية مكتسبة تمكنها من حمل الآخرين على فعل ما تريد(8). هذا التباين في فهم أسس النظام العالمي بين الغرب وغيره، جعل تصرفات الغرب التي يراها أمرًا طبيعيًا ومنطقيًا وفق تصوره، محل استياء ورفض الآخرين واستنكارهم.

الأسس المنطقية للنظام العالمي وفق الرؤية الغربية

هذا ولنتعرف على التباين في الفهم بين الغرب وبيننا لمنطق الأفعال التي يقوم بها النظام الغربي الراهن في العالم، ويراها سليمة جدًا، وذات مصلحة، بينما نراها نحن غير منطقية، ولا تحقق المصلحة، نأخذ مثال الأمم المتحدة نفسها. ففي نظام الأمم المتحدة، أعطت الدول الخمس الكبرى نفسها الحق في إجازة أو تعطيل أي مشروع، بل يمكن لدولة واحدة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي أن تقوم بقفل الباب أمام أي مشروع إذا ما رأت أنه يتعارض مع مصالحها بموجب حق الفيتو.

يقول المنطق الغربي إن ذلك أمر طبيعي بسبب مساهمة هذه الدول في دفع أغلب الكلفة المالية لتسيير أعمال الأمم المتحدة، إذ إن ميزانية الأمم المتحدة تقع في غالبها على الولايات المتحدة والدول الغربية الغنية الأخرى مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا. فإذا سحبت هذه الدول مساهمتها المالية في ميزانية هذه المنظمة فإنها سوف تنهار، وتتعطل أعمالها بالكلية. ولنرى مصداق ذلك لا بد أن نلقي نظرة على مصدر ميزانية الأمم المتحدة خلال ثلاثة عقود سابقة.

مصادر ميزانية الأمم المتحدة والنسبة المئوية:

الدولة

1954م

1968م

1982م

كندا

3.30

3.02

3.28

الصين

5.62

4.00

1.26

ألمانيا

-

-

8.21

الهند

3.40

1.74

0.60

اليابان

-

3.78

9.85

إيطاليا

-

3.24

3.45

الاتحاد السوفيتي

16.53

17.05

12.95

بريطانيا

9.80

6.62

4.46

الولايات المتحدة

33.33

31.57

25.00

فرنسا

5.75

6.00

6.26

المجموع

77.73%

77.00%

75.51%

  • المصدر: شركات الاعتماد المتبادل، المنظمات الدولية والنظام السياسي العالمي، هارولد ماكيسون 1984م الفرد نوبوف ص 104.

من الجدول يتضح أن الولايات المتحدة الأمريكية تدفع وحدها ثلث ميزانية الأمم المتحدة منذ قيامها وحتى 1968م، ومنذ ذلك الوقت حتى 1982م تدفع الولايات المتحدة ربع ميزانية هذه المنظمة الدولية. لابد إذن وفق المنطق الغربي أن تحقق هذه المنظمة مصالح هذه الدولة أولًا، باعتبارها الممول الأكبر.

أما إذا أضفنا الدول الغربية الأخرى مثل بريطانيا، وفرنسا، وكندا، وإيطاليا، واليابان، فإن هذه الدول تساهم بأكثر من 50% أي نصف ميزانية الأمم المتحدة. وإذا أضفنا الاتحاد السوفيتي، فإن الدول الغربية والاتحاد السوفيتي يساهمان بأكثر من 75% من ميزانية الأمم المتحدة أي أكثر من ثلاثة أرباع الميزانية، وذلك يعني أن كل دول العالم الثالث تساهم بالباقي أي بأقل من 25% من ميزانية الأمم المتحدة. ووفق هذه الحسابات فإن ثلاثة أرباع البشرية وهم سكان العالم الثالث يدفعون أقل من ربع نفقات الأمم المتحدة.

هذا هو الأساس المنطقي للمفهوم الغربي للنظام العالمي للأمن الجماعي. هذا النظام نظام غربي يخدم النظام العالمي الذي هو نظام غربي، فالثروة الغربية والقوة الغربية يحميها نظام يساهم الغرب في ميزانيته العامة بأكثر من النصف. وبعد زوال الخلاف مع الاتحاد السوفيتي فإن الغرب يساهم حقيقة بأكثر من ثلاثة أرباع ميزانية نظام الأمن الجماعي (الأمم المتحدة)، والذين يريدون أن يخدم هذا النظام مصالحهم أولًا فليدفعوا نسبة أكبر في ميزانيته ونفقات تسييره.

إن الأمم المتحدة مطلوب منها أن تخدم مصالح النظام العالمي، وبالذات مصالح النظام العالمي الجديد الذي قام بعد انهيار الكتلة الشيوعية. لماذا؟ لأن النظام العالمي الجديد هو الذي يملك أكثر الثروة في العالم، وأكثر القوة في العالم، وهو النظام الذي يدفع ميزانية الأمم المتحدة -أكثر من 75% منها- وهو بهذا المنطق جدير بأن تحمي الأمم المتحدة مصالحه، وتحافظ عليها ضد الأخطار.

النظام العالمي الجديد.. دور الأمم المتحدة.. وإسرائيل

إن مصالح النظام العالمي الجديد تقتضي الحفاظ على أمن وسلامة إسرائيل، كما كان الحال بالنسبة للنظام العالمي السابق (نظام القطبين)، ولذلك كان مما فعل هذا النظام الجديد هو إلغاء قرار الأمم المتحدة الذي صنف الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية. وهكذا خضعت الأمم المتحدة لإرادة الولايات المتحدة التي تبنت هذا القرار الجديد بإلغاء القرار السابق المذكور للأمم المتحدة، فأظهر النظام العالمي الجديد انحيازًا واضحًا لإسرائيل من أول وهلة.

ولأن المواقف تقاس أو تبنى على المصالح في المفهوم السياسي الغربي كان من المنطقي أن ينحاز النظام العالمي الجديد لإسرائيل. وبما أن الأمم المتحدة في النظام العالمي السابق كانت قد اتخذت عشرات القرارات القاضية بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، كان من المفترض أن يساهم النظام العالمي الجديد في تنفيذ هذه القرارات، ولكن تنفيذ هذه القرارات ليس في مصلحة النظام العالمي الجديد، وعليه ليس هناك داعٍ أصلًا للقيام بخطوة مثل هذه. ليس ذلك فحسب، بل إن النظام العالمي رأى استبعاد الأمم المتحدة بالكلية من جهود السلام في الشرق الأوسط، ورأت الولايات المتحدة أن تقوم هي بدور المشرف على عملية السلام بين العرب وإسرائيل التي تمخضت عن إعلان المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي وُقع عليه في البيت الأبيض في 13/11/1993م تأكيدًا لدور الولايات المتحدة، وقد كان الأمين العام للأمم المتحدة يجلس ضمن الضيوف المدعوين لذلك الاحتفال.

الولايات المتحدة.. مظاهر القوة والضعف

إذا كان هذا هو الدور الظاهر للولايات المتحدة في النظام العالمي الجديد الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال الحرب الباردة، فما يا ترى أسس الآراء التي تقول باحتمال تدهور وزوال قوة الولايات المتحدة؟

لقد بدأت أدبيات التدهور الأمريكي مقارنة بالحلفاء التقليديين لها تظهر في السبعينيات، ففي مصنفه المشهور "بعد الهيمنة"، توصل البروفيسور روبرت كوهين الأستاذ بجامعة هارفارد إلى أن مركز الولايات المتحدة القيادي بدأ يتدهور، ولكن مع تدهور مركز الدولة المهيمنة، فإن التعاون الدولي ممكن، وذلك ردًا على تلاميذ النظرية الواقعية الذين يقولون إن التعاون المبني على المعاهدات يقوم على قوة الدولة المسيطرة: «لقد تدهور مركز الولايات المتحدة القيادي في الاقتصاد السياسي العالمي بعد منتصف الستينيات، وذلك بسبب النمو الاقتصادي واتجاهات الوحدة المتزايدة في أوروبا، والنمو السريع للاقتصاد الياباني، ولكن تزايد الاعتماد المتبادل في المجال الاقتصادي ظل مستمرًا»(9).

ومن الذين شاركوا في هذا الاتجاه الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان وذلك في تقريره الذي قدمه حول إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة في شهر يناير 1988م حيث قال: «نحن نعيش في فترة من الفترات في مجال الأمن العالمي سوف يصنفها المؤرخون بأنها فترة انتقالية في هذا الصدد، وكما قلت في تقريري الأول عن إستراتيجية الأمن القومي إن هذه الفترة الانتقالية بدأت في السبعينيات عندما نجحت سياستنا في بناء اقتصاد حلفائنا، إذ لم تعد الولايات المتحدة تحتل المرتبة الاقتصادية مقابل غرب أوروبا وآسيا. هذا وسوف يستمر هذا الاتجاه بالنسبة للقوة الاقتصادية إلى العقد المقبل مع التطور المستمر لاقتصاديات شرق آسيا الصناعية والصين»(10).

وهكذا يشهد عالم أكاديمي مشهور مثل روبرت كوهين ورئيس أمريكي مشهور مثل رونالد ريجان بتدهور مركز الولايات المتحدة القيادي في المجال الاقتصادي.

اليابان المارد الجديد في التكنولوجيا والتكنولوجيا المتقدمة

لقد تسلمت اليابان بجدارة مركز القيادة في الاقتصاد العالمي، فهي الآن تتمتع بفائض تجاري مع الولايات المتحدة يصل إلى 50 بليون دولار، كما تتمتع بفائض يصل إلى 30 بليون دولار مع غرب أوروبا. ولكن ليس ذلك هو مربط الفرس، إذ إن مربط الفرس في العلاقات الاقتصادية الدولية الجديدة التي تسلمت فيها اليابان مركز القيادة هي التكنولوجيا والتكنولوجيا العليا. فقد كشف خبيران في هذا المجال -وهما أمريكيان- أن اليابان استبعدت الولايات المتحدة من مركز القيادة في مجالات في الإنتاج كانت هي -أي الولايات المتحدة- الرائدة فيها..

فقد كتب المهندس ب. إثمان الذي رشح مؤخرًا بواسطة الرئيس الأمريكي لتولي مهام وزير الدفاع ولكنه رفض العرض، ودانيال بورتون حول سيطرة اليابان على صناعة التكنولوجيا في دورية الشؤون الخارجية مقالًا تحت عنوان "التكنولوجيا والتنافسية: الآفاق الجديدة للسياسات" قالا فيه: «لقد أضعفت المنافسة الخارجية مركز القيادة والسبق الزمني الذي كان يومًا في يد الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا»(11). هذا التدهور في الموقع القيادي للولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا يشمل الإلكترونيات شبه الموصلات والموصلات الممتازة في محيط التكنولوجيا العليا، وفي مجالات أخرى مثل التلفزيون الملون ذي الصورة الممتازة، وغيرها...

هذا وقد كان تدهور مركز الولايات المتحدة القيادي في مجال تكنولوجيا الإلكترونيات أول العلامات التي تقول إن الولايات المتحدة تواجه تحديًا في قيادتها الإلكترونية: «فعلى مدى أغلب القرن الماضي تمتعت الولايات المتحدة بموقع في سوق الإلكترونيات، ولكن في الخمس عشرة سنة الأخيرة تنازلت الشركات الأمريكية في السوق للمنافسين الأجانب»(12).

فقد بدأت الفترة الأمريكية في صناعة الإلكترونيات 1887م مع اختراع توماس أديسون للهاتف، تبع ذلك سلسلة من الاختراعات التي تشمل انتقال الصوت دون سلك 1900م، الإرسال الإذاعي 1920م، ثم الإرسال التلفزيوني 1923م، التسجيل المغناطيسي 1946م، الترانزستور 1947م، تبع ذلك التلفزيون الملون 1954م، والراديو المتحرك 1954م، ثم أجهزة الفيديو 1963م. «لقد سيطرت الصناعة الأمريكية على الأسواق في المجالات المذكورة حتى 1970م»، ولكن منذ ذلك الوقت فقدت السوق بالكامل. وفي الوقت الحالي لا تملك الصناعة الأمريكية إلا أقل من 5% من سوق الإلكترونيات، رغم أنها ضاعفت من مبيعاتها ثلاث مرات إلى 25 بليون دولار.

هناك بعض الصناعات الظاهرة مثل أجهزة الأستريو والتلفزيون تدل على هذا الاتجاه، ففي 1970م سيطرت الصناعة الأمريكية على 90% من سوق التلفزيون الملون، وعلى 65% من سوق التلفزيون غير الملون، أما اليوم فلا تزيد حصة أمريكا في سوق التلفزيون الملون عن 10% والتلفزيون غير الملون عن 1% في الأسواق الأمريكية(13)، وهذا يعني أن السوق في أغلبه ذهب إلى اليابان وغيرها.

هذا وقد عزى بعض الاقتصاديين تدهور مركز القيادة للولايات المتحدة في مجال الإلكترونيات للقانون الاقتصادي المسمى الميزة المقارنة، وقالوا إن هذه الصناعة سوف تذهب في نفس طريق صناعة الملابس والأحذية التي سيطرت عليها الشركات الآسيوية، بسبب عدم مقدرة أمريكا على منافسة الأيدي العاملة الرخيصة في آسيا مثل اليابان وكوريا وغيرها بسبب هذه الميزة في التكنولوجيا الدنيا، والإنتاج الكبير.

وقد نصح هؤلاء أن تنزل الولايات المتحدة سوق الإلكترونيات كما تركت من قبل سوق الملابس والأحذية، وتتقدم إلى التكنولوجيا الأكثر تعقيدًا، حيث لا تكون تلك الشروط أساسية للنجاح فيها. وقد فشل أصحاب هذا التحليل في إدراك الترابط الوثيق بين التكنولوجيا الدنيا والإلكترونيات العليا.

هذا وتذهب ورقة أو مقالة إثمان إلى القول: إن الانحدار الأمريكي لا ينحصر فقط في عالم التكنولوجيا الدنيا، بل يمتد ليشمل كذلك مجالات التكنولوجيا العليا في مجال المعدات شبه الموصلة، والمعدات الموصلة الممتازة: «إذ بينما من السهل التحدث عن مشكلات الصناعات الأمريكية باعتبارها نتاج وضحية للقانون الاقتصادي للميزات المقارنة، لكن من الصعوبة تطبيق ذلك على صناعات التكنولوجيا العليا التي بدأت تتساقط هي الأخرى في مواجهة المنافسة الخارجية. فقد ظهر هذا الدرس في الثمانينيات في صناعة المعدات شبه الموصلة، وهذه الصناعة بدأت في الولايات المتحدة 1959م في مجالات الشبكات الإلكترونية المتكاملة، سيطرت بعدها الولايات المتحدة على السوق في الستينيات والسبعينيات. ومع بداية الثمانينيات استطاعت الشركات اليابانية أن تتفوق على وصيفاتها الأمريكية عندما صممت وأنتجت آخر الأجيال من المعدات شبه الموصلة مثل منتجات رقائق الذاكرة التي تستخدم في أجهزة الكمبيوتر وغيرها من التكنولوجيا العليا. هذا وبحلول 1986م اكتسحت اليابان 65% من سوق منتجات الذاكرة بينما تدهورت حصة الولايات المتحدة من السوق إلى 30%. وقد شهد العام 1988م سيطرة اليابان على 85% من سوق الذاكرة بينما تدهورت حصة الولايات المتحدة إلى 12%»(14).

أما في مجال أعلى أنواع التكنولوجيا المتمثلة في الموصَّلات الممتازة فقد فاقت اليابان الولايات المتحدة، إذ استطاعت أن تطور نوعًا متواضعًا من هذه الأجهزة وشكلت مؤسسة لمتابعة البحوث في مجال الموصلات الممتازة بينما ما زالت الولايات المتحدة في بداية المشوار.

وهكذا تخسر الولايات المتحدة الرهان في مجال التكنولوجيا والتكنولوجيا العليا لمنافسين جدد مثل اليابان وكوريا، وغيرها من أقطار آسيا الشابة. هذا الانحدار الاقتصادي هو نفسه الانحدار الذي أودى بالاتحاد السوفيتي، وأنهى بذلك فترة في تاريخ الإنسانية تعد من أخطر الفترات، وذلك بسبب امتلاك الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي للسلاح النووي لأول مرة في تاريخ مسار الإنسانية.

الهوامش:

1- لينين فلاديمير، الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية 1916 / 1939 الناشرون العالميون، نيويورك.

2- سيد قطب، معالم في الطريق.

3- روبرت كوهين، جوزيف فاي، الاعتماد المتبادل المعقد والقوة، سكوت وفورسمان، 1989 بوسطن.

4- كينيث ولتز، نظرية السياسة الدولية، 1979م، شركة ماغرو هيل للنشر، 1979م، نيويورك.

5- كينيث ولتز، نظرية السياسة الدولية، 1979م، شركة ماغرو هيل للنشر، 1979م، نيويورك.

6- القاموس السياسي الأمريكي، الطبعة الرابعة 1976م ص 396.

7- كينيث ولتز، نظرية السياسة الدولية، 1979م، شركة ماغرو هيل للنشر، نيويورك.

8- روبرت تكر، عدم مساواة الدول 1974م، نيويورك.

9- روبرت كوهين، بعد الهيمنة، 1984م، مطبعة جامعة برنستون ولاية نيوجيرسي ص 9.

10- رونالد ريجان، إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، يناير 1988م، واشنطن ص 8.

11، 12، 13، 14- إثمان ب. ودانيال بورتون، التكنولوجيا والتنافسية، مجلة الشؤون الخارجية بربيع 1990م ص 116 - 134.

(*) باحث بالمؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8