; (طاجيكستان) النظام الشيوعي في طاجيكستان يخضع لشروط المعارضة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان (طاجيكستان) النظام الشيوعي في طاجيكستان يخضع لشروط المعارضة الإسلامية

الكاتب رأفت يحيى العزب

تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1994

مشاهدات 85

نشر في العدد 1118

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 27-سبتمبر-1994

روسيا تخشى من أن تصبح طاجيكستان مصيدة لقواتها كما كانت أفغانستان

دخلت الأزمة الطاجيكية منعطفًا هامًا هذا الأسبوع، بعد أن قبل نظام دوشنبيه بجانب من الطروحات المبدئية التي تقدمت بها المعارضة الطاجيكية خلال الجولة الثالثة من المحادثات، التي جرت في طهران الأسبوع الماضي، وهذه الطروحات تقف عند نقطتين أساسيتين هما: تأجيل الانتخابات الرئاسية التي كان مقررًا لها 25 سبتمبر المقبل، وإشراف مراقبين من الأمم المتحدة على عملية وقف إطلاق النار، مع الأخذ في الاعتبار إخضاع القوات الروسية المتمركزة في البلاد، وعددها 30 ألفًا لمراقبة الأمم المتحدة أيضًا.

هذه الطروحات المبدئية التي تقدمت بها المعارضة - وقبل بها النظام في دوشنبيه - ظلت مرفوضة من جانب الأخير في الجولتين السابقتين من المحادثات التي جرت إحداهما بموسكو، والأخرى بطهران في النصف الأول من هذا العام، والأكثر من ذلك أن نظام دوشنبيه نفسه كان يرفض في البداية مجرد فكرة الجلوس مع المعارضة، باعتبارهم على حد قوله: "قلة من الإرهابيين وقطاع الطرق، ولا يحظون بأي دعم شعبي يذكر".

هذا التحول الحاد في موقف دوشنبيه يطرح علامات استفهام كثيرة حول دواعي هذا التحول، وموقف روسيا وأوزبكستان منه على وجه الخصوص، وهل سيعني بداية سقوط النظام، أم أنه سلوك تكتيكي لاستيعاب المعارضة وتجريدها من قوتها؟ وإذا كان كذلك فهل ستعي المعارضة مثل هذه الأحابيل، خاصة وأنه سبق لها واستدرجت لفخاخ مماثلة؟ وهل يعني أخيرًا استضافة طهران للأطراف الطاجيكية أنها ستلعب في طاجيكستان نفس الدور الذي لعبته إسلام آباد في أفغانستان؟

طاجيكستان مصيدة صعبة للروس

إن تصريحات قائد قوات حرس الحدود الروسية في طاجيكستان - والتي أدلى بها مؤخرًا - تفسر بوضوح تضاريس المعركة في طاجيكستان اليوم، فقد وصف الوضع في طاجيكستان على أنه يمثل "مصيدة أفغانية" جديدة للقوات الروسية، ونصح القيادة العسكرية بإعادة النظر في استراتيجيتها تجاه طاجيكستان.

إن مثل هذا التصريح - الذي يأتي على لسان مسؤول عسكري روسي كبير - يكفي للإجابة عن التحول الذي طرأ على موقف دوشنبيه على طاولة المفاوضات الأسبوع الماضي، فقد نجحت قوات المعارضة خلال الأسابيع الثلاثة الماضية فقط في إحراز انتصارات عسكرية هامة، منها السيطرة على ولاية "طوبل درة" وعدد من الممرات والمواقع الاستراتيجية الهامة التي تتحكم في الطرق التي توصل للعاصمة دوشنبه، كما نجحت قوات المعارضة في الآونة الأخيرة في قتل وأسر العشرات من القوات الروسية، وقد كان لذلك أثره النفسي العميق على معنويات القوات الروسية التي لا تزال تجربة أفغانستان ماثلة في أذهانهم.

وتذكر العديد من التقارير المحايدة أن العديد من القوات الروسية لا تتردد في أن تتخلى عن سلاحها، أو مواقعها، أو السماح لقوات المعارضة بالمرور عبر المناطق التي تسيطر عليها قوات دوشنبيه نظير بعض الأموال أو المواد الغذائية، وقد طورت المعارضة الطاجيكية أسلوبها العسكري من مجرد حرب العصابات إلى المواجهة العسكرية النظامية، مستفيدين بما حصلوا عليه من غنائم عسكرية كبيرة في الفترة الأخيرة، بحيث أصبح بمقدورهم الدخول في مواجهة مكشوفة مع القوات الروسية ونظام دوشنبيه في العديد من الجبهات، يؤكد ذلك حجم الخسائر التي منيت بها القوات المعادية للمعارضة خلال الشهرين الأخيرين على وجه الخصوص.

إن مثل هذا التطور العسكري في أداء المعارضة، والذي يخلو من أي دعم خارجي سواء على المستوى المادي أو السياسي - مثلما كان الحال في أفغانستان - يشكل هاجس الخوف الحقيقي لدى روسيا والأنظمة الحاكمة في جمهوريات آسيا الوسطى، خاصة بعد تسرب فكرة الجهاد لبعض المناطق الإسلامية مثل: وادي فرغانة في جنوب أوزبكستان، والذي يعد منطقة امتداد فكري لحزب النهضة الإسلامي في طاجيكستان، والأكثر من ذلك أن بعض العناصر الإسلامية من جمهوريات آسيا الوسطى بدأت تنضم بالفعل إلى جانب القوى الإسلامية في طاجيكستان في نضالها مع الروس والنظام الشيوعي هناك، هذه التطورات وغيرها حدت بروسيا وأوزبكستان خصوصًا بالتعجيل في التفاوض مع المعارضة، خشية أن يتفاقم الموقف أكثر وأكثر، وتنتقل عدوى الأصولية الإسلامية إلى جمهوريات أخرى.

هل هي بداية سقوط النظام؟

حقيقة الأمر أن روسيا هي التي تحكم طاجيكستان عبر بعض العناصر الشيوعية الموالية لها، وعبر ثلاثين ألفًا من قواتها المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد، ومن خلال التواجد العرقي الروسي الذي يشغل أهم المناصب الحساسة في الدولة، وبواسطة التداخلات الاقتصادية المعقدة التي تربط روسيا بغيرها من الجمهوريات، وتؤكد روسيا دائمًا على أن طاجيكستان - وغيرها من جمهوريات آسيا الوسطى - ستظل جميعًا ضمن دائرة نفوذها، وأنها لن تسمح لأي تطور يمكن أن يسفر عنه تهديدٌ لمصالحها في المنطقة، وبالتالي فإن غياب أو تغيب "إمام علي رحمانوف"، رئيس طاجيكستان الحالي في الانتخابات الرئاسية القادمة لا يعني حدوث تغيير كبير في معادلة القوى داخل البلاد، طالما ظلت روسيا حاضرة من خلال قواتها ونفوذها في الإدارة المدنية بالبلاد خصوصًا.

إن روسيا كان لها دور بارز في إسقاط التحالف الإسلامي الديمقراطي الذي تشكلت منه الحكومة في عام 1992، والمجيء بالقوى الشيوعية على رأس السلطة، ومن غير المستبعد أن يكون موقفها الحالي - الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار، وتأجيل الانتخابات، وإشراف مراقبين من الأمم المتحدة على الأوضاع في البلاد - ليس سوى تحرك تكتيكي لجر المعارضة الطاجيكية نحو مائدة المفاوضات لتبريد الجبهات، وصرف اهتمام مقاتلي المعارضة الطاجيكية لفترة طويلة نحو قضايا أخرى جانبية، خاصة وأن القوى الإسلامية - على الخصوص - رغم التجربة التي مرت بها سواء كانت سياسيًا أو عسكريًا خلال الأربع سنوات الماضية، إلا أنها تظل نسبيًا محدودة في مواجهة خصوم لديهم الوسائل العديدة للمراوغة والمماطلة وإضاعة الوقت.

وإن كانت القوى الإسلامية أوضحت أنها تدرك ذلك جيدًا، وأنها استفادت من تجاربها السابقة، وستعمل على تفويت الفرصة للنيل من المكاسب التي حققتها، وأنها تعتبر الجبهتين السياسية والعسكرية جزأين من كل لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، وأن قبول المفاوضات لا يعني عدم الاستعداد لمواجهة أي مخاطر غير متوقعة.

وتعتقد القوى الإسلامية أيضًا أن الأجواء العسكرية والسياسية اليوم تختلف عما كان عليه الوضع قبل عامين، فهي تحظى بتفوق عسكري واضح على خصومها الذين خسروا أمامها في العديد من الجهات، كما أنها - أي القوى الإسلامية - بات معترفًا بها دوليًا، بعد أن أصبح للأمم المتحدة دور بارز في تسوية القضية الطاجيكية، ومن هنا فإن هذا الحضور على الصعيدين العسكري والسياسي من شأنه أن يمنحها زخمًا كبيرًا في المرحلة المقبلة، ويفرض على الآخرين القبول بها كأمر واقع يجب الإقرار به.

لكن الذي تخشاه المعارضة الطاجيكية فعلًا هو الآثار التي ترتبت على الحرب الحالية، سواء اقتصاديًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا، والخوف من أن توظف روسيا هذه الآثار جميعًا لعرقلة أداء المعارضة لو أنها عادت للسلطة من جديد.

إيران والقضية الطاجيكية

نجحت إيران في تهيئة دور رئيسي لها في الأزمة الطاجيكية رغم الفتور الشعبي الذي تواجه به في طاجيكستان بحكم الاختلاف المذهبي، وقد اعتمدت إيران في تحركها على عدد من الأوراق الهامة، أولها: أن طاجيكستان هي الدولة الوحيدة في آسيا الوسطى التي تتحدث الفارسية مثل إيران، ومنح ذلك إيران الفرصة في سهولة الاتصال بالطاجيك عبر وسائل مختلفة، منها المراكز الثقافية والكتب والمنشورات.. إلخ. وأسهم انشغال أفغانستان بالقتال الدائر على أرضها في ترك الساحة أمام إيران وحدها، خاصة وأن أفغانستان تشترك في حدود طويلة مع طاجيكستان، وهناك جزء كبير من الشعب الأفغاني يتمركز أغلبه في الشمال من الأصول الطاجيكية أيضًا.

أضف إلى ذلك أيضًا أن إيران استثمرت غياب المؤسسات الإغاثية الإسلامية العربية عن الساحة - خاصة بعدما تعرضت له من مضايقات أخيرة - في أن تدخل بثقلها في العمل الإغاثي عبر الصليب الأحمر الإيراني، الذي بدأ يبني مدارس ومستشفيات وغيرها في شمال أفغانستان للمهاجرين الطاجيك.. وما من شك في أن هذا الحضور الإيراني - الذي لم يجد منافسًا له - سوف يمهد لها في تحقيق مكاسب في المدى البعيد داخل طاجيكستان، خاصة وأن هناك جالية شيعية كبيرة تتمركز في إقليم بدخشان الطاجيكي، وهو ما يمكن أن يؤدي بطهران إلى أن تلعب دورًا في طاجيكستان، لا يختلف كثيرًا عن الدور الذي تمارسه إسلام آباد في أفغانستان.

 

الرابط المختصر :