; النظام السياسي.. هل سيغيره العسكر في تركيا؟ | مجلة المجتمع

العنوان النظام السياسي.. هل سيغيره العسكر في تركيا؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1980

مشاهدات 75

نشر في العدد 499

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 30-سبتمبر-1980

• الجنرالات علقوا الدستور وحلوا البرلمان والحكومة والنقابات وأعلنوا الأحكام العرفية

• قائد الانقلاب يعلن نفسه رئيسًا للجمهورية لفترة غير محددة!

بالرغم من أن الانقلاب العسكري التركي يوم 12 سبتمبر كان أبيض لم ترق فيه الدماء، وبالرغم من أن الانقلابيين قد أعلنوا أنهم لن يحاكموا الزعماء السياسيين المعتقلين ولم يعذبوهم، إلا أن الأوساط الشعبية التركية تتساءل فيما إذا كان العسكريون «سيقيمون في السلطة» أم سيرحلون عنها ليتركوها لحكومة مدنية والسؤال الأكثر ترددًا وحاجة إلى الإجابة هو هل سيغير الجنرالات نظام الحكم، وإذا غيروه فما هي معالم التغيير؟؟

يرى المراقبون – وإن كانوا لا يؤكدون – أن كل الدلائل تشير إلى نية العسكر بتغيير النظام السياسي بحيث يمكن من خلاله السيطرة على جميع الإتجاهات السياسية والحركات الشعبية المسلحة ووضعها في المكان المناسب!

ماذا يقول العسكر؟

 ولو عدنا إلى ما يقوله العسكر أنفسهم لتبين أنهم إنما تدخلوا في النظام السياسي للحفاظ على الديمقراطية وحفظ الأمن، ففي خطابه الذي وجهه للشعب التركي في اليوم التالي للانقلاب قال كنعان ايفرين «إن الحكم البرلماني سيعود فور القضاء على الإرهاب واستتباب الأمن، وإن أعضاء البرلمان لن يقدموا للمحاكمة باستثناء الذين انتهكوا القوانين في ظل الحصانة البرلمانية، وإنه سيفرج عنهم في الوقت المناسب» ولكن عبارة الوقت المناسب هذه فضفاضة قد تكون شهرًا وقد تكون سنينًا»!

وفي مؤتمره الصحفي يوم 16/9/1980 رفض الجنرال كنعان ايفرين تسمية الاستيلاء العسكري على السلطة الذي قام به بأنه انقلاب وقال: «إن سبب ذلك كان للقضاء على خطر يتهدد الديمقراطية في تركيا».

وعندما وقف أعضاء مجلس الأمن القومي الخمسة في البرلمان التركي أقسموا على «حماية شرف تركيا ومبادئها الديمقراطية وأمنها.. وأنهم سيعملون على إعداد دستور جديد يرتكز إلى مبادئ جمهورية ديمقراطية وعلمانية».

وعندما تشكلت الحكومة برئاسة الأدميرال بولند أولوسو لم يشأ راديو أنقرة إلا أن يقول: «إن المجلس العسكري الحاكم الذي يقوده الجنرال كنعان ايفرين وافق على اختبار الوزراء الذين سيعملون على قيادة البلاد نحو الديمقراطية»

ولكن هل هذا ما سيفعله العسكريون الجدد في تركيا؟ 

وقائع

ربما يصدق العسكريون في وعودهم، فقد تدخلوا من قبل في النظام السياسي مرتين ثم أعادوا السلطة للمدنيين، ولكن الوقائع التي تتابعت منذ اليوم الأول للانقلاب وحتى الوقت الحاضر كلها تشير إلى أن الجنرالات قد يحتفظون بالسلطة لمدة طويلة هذه المرة.

فالانقلاب بالرغم من أنه كان أبيض ولم ترق فيه دماء، إلا أنه قضى على الحكم المدني قضاء مبرمًا وألغى كل مظاهره، فقد علق الانقلابيون الدستور، وحلوا البرلمان، واعتقلوا معظم أعضائه، كما حلوا الحكومة واعتقلوا كبار السياسيين وزعماء الأحزاب السياسية وكالانقلابات العسكرية، فقد أعلنت الأحكام العرفية وفرض حظر التجول لأكثر من أسبوع، انتشر الجيش في المدن والأرياف وسيطر على جميع نقاط التفتيش، بل إن الجيش تولى مهام الشرطة وأقال عددًا كبيرًا من الضباط فيه متهمًا إياهم بالتواطوء مع المنظمات الإرهابية.

وفي المقابل، تم تشكيل مجلس عسكري ضم ستًا من جنرالات الجيش تولى حكم البلاد. وبعد يومين من الانقلاب أعلن قائد الانقلاب الجنرال كنعان ايفرين نفسه رئيسًا للجمهورية وأخذ يمارس صلاحيته. 

وبعد حوالي أسبوع من الانقلاب تم تشكيل حكومة برئاسة الأدميرال المتقاعد بولندا أولوسو ضمت 27 وزيرًا من بينهم سبعة ضباط متقاعدين استلموا الوزارات الهامة.

وبعد تشكيل هذه الوزارة نشطت حركة الاعتقالات من جديد، وبنفس الوقت أعلن المجلس العسكري الحاكم أنه سيتبني موقفًا أكثر شدة في ظل قانون الأحكام العرفية لسحق العنف السياسي الذي خفت حدثه بعد قيام الانقلاب. 

وفي سياق ذلك، منح القادة الإقليميون سلطات مراقبة المراسلات البريدية وحظر أو إغلاق دور المطبوعات، كما منحوا سلطة فصل الموظفين الحكوميين أو نقلهم ومنع عقد الاجتماعات العامة.

وكان قادة الانقلاب قد أغلقوا مكاتب النقابات العمالية والمهنية في جميع أنحاء تركيا بما في ذلك جمعية الصحفيين!

وإذا كانت هذه المظاهر هي ما تصاحب الانقلابات عادة، فإن ما يلفت النظر هو إعلان قائد الانقلاب نفسه رئيسًا للجمهورية، وهذا ما دعا المراقبين للتخمين بأن الحكم العسكري سيطول هذه المرة، بل إن راديو أنقرة فسر ذلك بأن القائد العسكري يعتزم الاحتفاظ بمنصب رئيس الدولة حتى العودة الموعودة إلى الحكم المدني وربما لولاية كاملة مدتها سبع سنوات!

انقلاب سابق

ومع ذلك رصيد التجربة يشير إلى أن جنرالات الجيش التركي تدخلوا مرتين قبل هذه المرة في النظام السياسي، المرة الأولى كانت عام 1960 عندما استولى الجيش على السلطة بقيادة الجنرال جمال غورسيل وأطاح بحكومة عدنان مندريس، وقد استمر حكم العسكر آنذاك ما يزيد على السنة، أقروا بعدها بالشرعية وتم وضع دستور جديد واختيار حكومة مدنية.

أما التجربة الثانية فكانت عام 1971 عندما أطاح العسكر بحكومة سليمان ديميريل وتم تشكيل حكومة مدنية برئاسة نهاد ابريم بعد أسبوعين من الانقلاب، ولكن هذه الحكومة ظلت عمليًا تحت حراسة الجيش لمدة تقارب العامين؛ لذلك فإنه من المحتمل أن يعود الحكم المدني في الوقت المناسب على حد رأي قائد الانقلاب كنعان ايفرين، وهذا الاحتمال واردٌ جدًا، حيث إننا لو دققنا في أسباب الانقلابات السابقة لوجدنا أن الانقلاب الأول كان مشابهًا إلى الانقلاب الأخير، فالانقلاب الأول كان ضد عدنان مندريس، زعيم الحزب الديمقراطي، الذي وجد أن الشعب التركي عميق الجذور في التدين والعادات والتقاليد الإسلامية بشكل يتناقض مع ما يسمى بإصلاحات كمال أتاتورك فاضطر لإجراء إصلاحات بينية، كما أعطى بعض الحريات التي فسرت أنها ضد الكمالية تمامًا، كما حرض زعماء الانقلاب الجديد على التمسح بأذيال الكمالية وإتهام حزب السلامة الوطني بالاعتداء عليها.

انقلاب احتياطي

أما الانقلاب الثاني الذي جاء في ختام عقد الستينات الذي تميز بتوتر العلاقات التركية – الأمريكية، فكان يهدف إلى وضع الأمور في نصابها والحيلولة دون توجه تركيا نحو موسكو أو نحو العرب. 

وتذهب صحيفة «لوماتان» الفرنسية إلى حد القول إن انقلاب 71 كان للحيلولة دون انقلاب مرتقب يقوم به بعض صغار الضباط من المعادين للسياسة الأمريكية.

وعلى أية حال فالصفة المشتركة بين الانقلابات الثلاث هي الحفاظ على الخط العلماني الذي وضعه كمال أتاتورك، والتأكيد على الولاء لحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة. 

وقد تميز الانقلاب الأخير بالتحيز ضد الاتجاه الإسلامي في تركيا الذي يقوده حزب السلامة الوطني بزعامة البروفيسور نجم الدين أربكان.

وكما تقول الصحيفة الفرنسية لوماتان: فإن الجيش التركي لعب دوره تحت وصاية واشنطن في كل مرة رأت فيها الولايات المتحدة أنه يجب إعادة مسك زمام الأمور بحزم في هذه البلاد المضطربة، لكن يجب أن تعترف أن الجيش يعود دائمًا إلى تسليم السلطة إلى المدنيين في نهاية الأمر، والجنرال ايفرين لا يشذ عن هذه القاعدة.. وتضيف الصحيفة: «لكن ذلك لا يمنع أن مبدأ ترومان الذي أعلنه يوم 12 مارس 1947 ما زال صالحًا حتى الآن، فكل الأنظمة التركية المدنية منها والعسكرية وبما فيها نظام تظل تحت وصاية الولايات المتحدة».

والآن ماذا تريد أمريكا؟ 

وهذه الحقيقة ذكرتها الصحيفة الفرنسية تطرح تساؤلًا عن مصالح الولايات المتحدة في تركيا التي دفعتها للتعجيل بالانقلاب العسكري الذي ظل زعيمه مترددًا لستة أشهر تقول صحيفة نيويورك تايمز: «ومصالح الولايات المتحدة في تركيا أكبر من أن يتجاهلها إنسان، فتركيا تقوم في المحل الأول، بدور الفاصل بين أوروبا وبين الشرق الأوسط وهي أيضًا دیدبان حلف الأطلسي على بوابته الجنوبية الشرقية، بحدودها المشتركة مع الاتحاد السوفياتي وبملاصقتها لإيران.. والولايات المتحدة تود أن تكسب السياسية التركية مرونة تسمح بحل مشكلة قبرص حلًا يضمن إعادة اليونان كعضو نشط وفعال في منظمة حلف شمال الأطلسي، وقد ادعى الزعماء السياسيون الديمقراطيون أكثر من مرة أن ضعف الموقف الداخلي وطبيعته المتفجرة تجعل الإقدام على تنازلات في المسألة القبرصية من جانب تركيا، أمرًا مستحيلًا من الناحية السياسية»، ومع أن الصحيفة نوهت بأنه لا يمكن لإنسان ديمقراطي أن يرحب بانقلاب عسكري إلا أنه في حالة تركيا يختلف الأمر خاصة «إذا نجح العسكر في إصلاح النظام السياسي والانتخابي وساعدوا على إنهاء التباعد بين اليونان وحلف شمال الأطلسي، وخلقوا إمكانية التقدم باتجاه حل حضاري لمشكلة قبرص».

تغيير في النظام السياسي 

وإزاء ما ذكرته النيويورك تايمز من حقائق عما تريده الولايات المتحدة في تركيا، يتوقع المراقبون أن النظام العسكري الجديد سيعمل على إصلاح النظام السياسي التركي ليؤدي تلك الأغراض، ولقد أصبح واضحًا أن الإعلام والدبلوماسيين الغربيون إضافة إلى عسكر تركيا هو نظام تعدد الأحزاب والذي لم يقولوه بصراحة إن بروز حزب السلامة الوطني كحزب صغير نسبيًا على مسرح الحياة السياسية التركية بفضل معادلة حكومة الأقلية هو من أهم المشاكل التركية في مفهومهم، وهم يعرفون أن حزب السلامة وبعض الأحزاب الوطنية الصغيرة الأخرى استطاعوا أن يؤثروا في القرار السياسي التركي ضد صالح الولايات المتحدة كما في مشكلة قبرص والموقف من القضية الفلسطينية.

وفي هذا السياق يمكن تفسير إعلان الجنرال إيفرين نفسه رئيسًا للجمهورية لفترة قد تطول الدورة رئاسية كاملة، وإمساكه بزمام الحكم على أنه ينوي إجراء الإصلاح السياسي المطلوب!

وعلى كل حال فقد تواترت أنباء صحفية ودبلوماسية من تركيا مفادها أن الحكم العسكري الجديد ينوي تعديل قانون الانتخاب والعمل بتعدد الأحزاب وتقول هذه الأنباء إنه سيحظر أي نشاط سياسي خارج إطار الحزبين التقليديين العدالة والشعب الجمهوري، كما أن السلطات المعطاة لرأس النظام الجديد ستتسع بحيث يتمكن من اتخاذ القرارات السياسية الحاسمة وما يمكن أن يتوقعه المراقب هو أن يتجه النظام السياسي في تركيا نحو النظام الرئاسي وبالذات النمط الأمريكي.

فالدور الذي تود أمريكا من تركيا أن تلعبه في المنطقة على ضوء المتغيرات السياسية في أفغانستان وإيران ويوغوسلافيا وما هو محتمل في سوريا، يقتضي الإسراع والحزم في تأهيل النظام السياسي الذي يحقق هذا الدور. 

ولكن هل يمض العسكر مع أمريكا إلى حيث تريد، وما هو موقف الشعب التركي المسلم مما يراد له؟! ذلك ما ستكشفه الأيام المحزنة القادمة!النظام السياسي

هل سيغيره العسكر في تركيا

• الجنرالات علقوا الدستور وحلوا البرلمان والحكومة والنقابات وأعلنوا الأحكام العرفية

• قائد الانقلاب يعلن نفسه رئيسًا للجمهورية لفترة غير محددة!

بالرغم من أن الانقلاب العسكري التركي يوم 12 سبتمبر كان أبيض لم ترق فيه الدماء، وبالرغم من أن الانقلابيين قد أعلنوا أنهم لن يحاكموا الزعماء السياسيين المعتقلين ولم يعذبوهم، إلا أن الأوساط الشعبية التركية تتساءل فيما إذا كان العسكريون «سيقيمون في السلطة» أم سيرحلون عنها ليتركوها لحكومة مدنية والسؤال الأكثر ترددًا وحاجة إلى الإجابة هو هل سيغير الجنرالات نظام الحكم، وإذا غيروه فما هي معالم التغيير؟؟

يرى المراقبون – وإن كانوا لا يؤكدون – أن كل الدلائل تشير إلى نية العسكر بتغيير النظام السياسي بحيث يمكن من خلاله السيطرة على جميع الإتجاهات السياسية والحركات الشعبية المسلحة ووضعها في المكان المناسب!

ماذا يقول العسكر؟

 ولو عدنا إلى ما يقوله العسكر أنفسهم لتبين أنهم إنما تدخلوا في النظام السياسي للحفاظ على الديمقراطية وحفظ الأمن، ففي خطابه الذي وجهه للشعب التركي في اليوم التالي للانقلاب قال كنعان ايفرين «إن الحكم البرلماني سيعود فور القضاء على الإرهاب واستتباب الأمن، وإن أعضاء البرلمان لن يقدموا للمحاكمة باستثناء الذين انتهكوا القوانين في ظل الحصانة البرلمانية، وإنه سيفرج عنهم في الوقت المناسب» ولكن عبارة الوقت المناسب هذه فضفاضة قد تكون شهرًا وقد تكون سنينًا»!

وفي مؤتمره الصحفي يوم 16/9/1980 رفض الجنرال كنعان ايفرين تسمية الاستيلاء العسكري على السلطة الذي قام به بأنه انقلاب وقال: «إن سبب ذلك كان للقضاء على خطر يتهدد الديمقراطية في تركيا».

وعندما وقف أعضاء مجلس الأمن القومي الخمسة في البرلمان التركي أقسموا على «حماية شرف تركيا ومبادئها الديمقراطية وأمنها.. وأنهم سيعملون على إعداد دستور جديد يرتكز إلى مبادئ جمهورية ديمقراطية وعلمانية».

وعندما تشكلت الحكومة برئاسة الأدميرال بولند أولوسو لم يشأ راديو أنقرة إلا أن يقول: «إن المجلس العسكري الحاكم الذي يقوده الجنرال كنعان ايفرين وافق على اختبار الوزراء الذين سيعملون على قيادة البلاد نحو الديمقراطية»

ولكن هل هذا ما سيفعله العسكريون الجدد في تركيا؟ 

وقائع

ربما يصدق العسكريون في وعودهم، فقد تدخلوا من قبل في النظام السياسي مرتين ثم أعادوا السلطة للمدنيين، ولكن الوقائع التي تتابعت منذ اليوم الأول للانقلاب وحتى الوقت الحاضر كلها تشير إلى أن الجنرالات قد يحتفظون بالسلطة لمدة طويلة هذه المرة.

فالانقلاب بالرغم من أنه كان أبيض ولم ترق فيه دماء، إلا أنه قضى على الحكم المدني قضاء مبرمًا وألغى كل مظاهره، فقد علق الانقلابيون الدستور، وحلوا البرلمان، واعتقلوا معظم أعضائه، كما حلوا الحكومة واعتقلوا كبار السياسيين وزعماء الأحزاب السياسية وكالانقلابات العسكرية، فقد أعلنت الأحكام العرفية وفرض حظر التجول لأكثر من أسبوع، انتشر الجيش في المدن والأرياف وسيطر على جميع نقاط التفتيش، بل إن الجيش تولى مهام الشرطة وأقال عددًا كبيرًا من الضباط فيه متهمًا إياهم بالتواطوء مع المنظمات الإرهابية.

وفي المقابل، تم تشكيل مجلس عسكري ضم ستًا من جنرالات الجيش تولى حكم البلاد. وبعد يومين من الانقلاب أعلن قائد الانقلاب الجنرال كنعان ايفرين نفسه رئيسًا للجمهورية وأخذ يمارس صلاحيته. 

وبعد حوالي أسبوع من الانقلاب تم تشكيل حكومة برئاسة الأدميرال المتقاعد بولندا أولوسو ضمت 27 وزيرًا من بينهم سبعة ضباط متقاعدين استلموا الوزارات الهامة.

وبعد تشكيل هذه الوزارة نشطت حركة الاعتقالات من جديد، وبنفس الوقت أعلن المجلس العسكري الحاكم أنه سيتبني موقفًا أكثر شدة في ظل قانون الأحكام العرفية لسحق العنف السياسي الذي خفت حدثه بعد قيام الانقلاب. 

وفي سياق ذلك، منح القادة الإقليميون سلطات مراقبة المراسلات البريدية وحظر أو إغلاق دور المطبوعات، كما منحوا سلطة فصل الموظفين الحكوميين أو نقلهم ومنع عقد الاجتماعات العامة.

وكان قادة الانقلاب قد أغلقوا مكاتب النقابات العمالية والمهنية في جميع أنحاء تركيا بما في ذلك جمعية الصحفيين!

وإذا كانت هذه المظاهر هي ما تصاحب الانقلابات عادة، فإن ما يلفت النظر هو إعلان قائد الانقلاب نفسه رئيسًا للجمهورية، وهذا ما دعا المراقبين للتخمين بأن الحكم العسكري سيطول هذه المرة، بل إن راديو أنقرة فسر ذلك بأن القائد العسكري يعتزم الاحتفاظ بمنصب رئيس الدولة حتى العودة الموعودة إلى الحكم المدني وربما لولاية كاملة مدتها سبع سنوات!

انقلاب سابق

ومع ذلك رصيد التجربة يشير إلى أن جنرالات الجيش التركي تدخلوا مرتين قبل هذه المرة في النظام السياسي، المرة الأولى كانت عام 1960 عندما استولى الجيش على السلطة بقيادة الجنرال جمال غورسيل وأطاح بحكومة عدنان مندريس، وقد استمر حكم العسكر آنذاك ما يزيد على السنة، أقروا بعدها بالشرعية وتم وضع دستور جديد واختيار حكومة مدنية.

أما التجربة الثانية فكانت عام 1971 عندما أطاح العسكر بحكومة سليمان ديميريل وتم تشكيل حكومة مدنية برئاسة نهاد ابريم بعد أسبوعين من الانقلاب، ولكن هذه الحكومة ظلت عمليًا تحت حراسة الجيش لمدة تقارب العامين؛ لذلك فإنه من المحتمل أن يعود الحكم المدني في الوقت المناسب على حد رأي قائد الانقلاب كنعان ايفرين، وهذا الاحتمال واردٌ جدًا، حيث إننا لو دققنا في أسباب الانقلابات السابقة لوجدنا أن الانقلاب الأول كان مشابهًا إلى الانقلاب الأخير، فالانقلاب الأول كان ضد عدنان مندريس، زعيم الحزب الديمقراطي، الذي وجد أن الشعب التركي عميق الجذور في التدين والعادات والتقاليد الإسلامية بشكل يتناقض مع ما يسمى بإصلاحات كمال أتاتورك فاضطر لإجراء إصلاحات بينية، كما أعطى بعض الحريات التي فسرت أنها ضد الكمالية تمامًا، كما حرض زعماء الانقلاب الجديد على التمسح بأذيال الكمالية وإتهام حزب السلامة الوطني بالاعتداء عليها.

انقلاب احتياطي

أما الانقلاب الثاني الذي جاء في ختام عقد الستينات الذي تميز بتوتر العلاقات التركية – الأمريكية، فكان يهدف إلى وضع الأمور في نصابها والحيلولة دون توجه تركيا نحو موسكو أو نحو العرب. 

وتذهب صحيفة «لوماتان» الفرنسية إلى حد القول إن انقلاب 71 كان للحيلولة دون انقلاب مرتقب يقوم به بعض صغار الضباط من المعادين للسياسة الأمريكية.

وعلى أية حال فالصفة المشتركة بين الانقلابات الثلاث هي الحفاظ على الخط العلماني الذي وضعه كمال أتاتورك، والتأكيد على الولاء لحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة. 

وقد تميز الانقلاب الأخير بالتحيز ضد الاتجاه الإسلامي في تركيا الذي يقوده حزب السلامة الوطني بزعامة البروفيسور نجم الدين أربكان.

وكما تقول الصحيفة الفرنسية لوماتان: فإن الجيش التركي لعب دوره تحت وصاية واشنطن في كل مرة رأت فيها الولايات المتحدة أنه يجب إعادة مسك زمام الأمور بحزم في هذه البلاد المضطربة، لكن يجب أن تعترف أن الجيش يعود دائمًا إلى تسليم السلطة إلى المدنيين في نهاية الأمر، والجنرال ايفرين لا يشذ عن هذه القاعدة.. وتضيف الصحيفة: «لكن ذلك لا يمنع أن مبدأ ترومان الذي أعلنه يوم 12 مارس 1947 ما زال صالحًا حتى الآن، فكل الأنظمة التركية المدنية منها والعسكرية وبما فيها نظام تظل تحت وصاية الولايات المتحدة».

والآن ماذا تريد أمريكا؟ 

وهذه الحقيقة ذكرتها الصحيفة الفرنسية تطرح تساؤلًا عن مصالح الولايات المتحدة في تركيا التي دفعتها للتعجيل بالانقلاب العسكري الذي ظل زعيمه مترددًا لستة أشهر تقول صحيفة نيويورك تايمز: «ومصالح الولايات المتحدة في تركيا أكبر من أن يتجاهلها إنسان، فتركيا تقوم في المحل الأول، بدور الفاصل بين أوروبا وبين الشرق الأوسط وهي أيضًا دیدبان حلف الأطلسي على بوابته الجنوبية الشرقية، بحدودها المشتركة مع الاتحاد السوفياتي وبملاصقتها لإيران.. والولايات المتحدة تود أن تكسب السياسية التركية مرونة تسمح بحل مشكلة قبرص حلًا يضمن إعادة اليونان كعضو نشط وفعال في منظمة حلف شمال الأطلسي، وقد ادعى الزعماء السياسيون الديمقراطيون أكثر من مرة أن ضعف الموقف الداخلي وطبيعته المتفجرة تجعل الإقدام على تنازلات في المسألة القبرصية من جانب تركيا، أمرًا مستحيلًا من الناحية السياسية»، ومع أن الصحيفة نوهت بأنه لا يمكن لإنسان ديمقراطي أن يرحب بانقلاب عسكري إلا أنه في حالة تركيا يختلف الأمر خاصة «إذا نجح العسكر في إصلاح النظام السياسي والانتخابي وساعدوا على إنهاء التباعد بين اليونان وحلف شمال الأطلسي، وخلقوا إمكانية التقدم باتجاه حل حضاري لمشكلة قبرص».

تغيير في النظام السياسي 

وإزاء ما ذكرته النيويورك تايمز من حقائق عما تريده الولايات المتحدة في تركيا، يتوقع المراقبون أن النظام العسكري الجديد سيعمل على إصلاح النظام السياسي التركي ليؤدي تلك الأغراض، ولقد أصبح واضحًا أن الإعلام والدبلوماسيين الغربيون إضافة إلى عسكر تركيا هو نظام تعدد الأحزاب والذي لم يقولوه بصراحة إن بروز حزب السلامة الوطني كحزب صغير نسبيًا على مسرح الحياة السياسية التركية بفضل معادلة حكومة الأقلية هو من أهم المشاكل التركية في مفهومهم، وهم يعرفون أن حزب السلامة وبعض الأحزاب الوطنية الصغيرة الأخرى استطاعوا أن يؤثروا في القرار السياسي التركي ضد صالح الولايات المتحدة كما في مشكلة قبرص والموقف من القضية الفلسطينية.

وفي هذا السياق يمكن تفسير إعلان الجنرال إيفرين نفسه رئيسًا للجمهورية لفترة قد تطول الدورة رئاسية كاملة، وإمساكه بزمام الحكم على أنه ينوي إجراء الإصلاح السياسي المطلوب!

وعلى كل حال فقد تواترت أنباء صحفية ودبلوماسية من تركيا مفادها أن الحكم العسكري الجديد ينوي تعديل قانون الانتخاب والعمل بتعدد الأحزاب وتقول هذه الأنباء إنه سيحظر أي نشاط سياسي خارج إطار الحزبين التقليديين العدالة والشعب الجمهوري، كما أن السلطات المعطاة لرأس النظام الجديد ستتسع بحيث يتمكن من اتخاذ القرارات السياسية الحاسمة وما يمكن أن يتوقعه المراقب هو أن يتجه النظام السياسي في تركيا نحو النظام الرئاسي وبالذات النمط الأمريكي.

فالدور الذي تود أمريكا من تركيا أن تلعبه في المنطقة على ضوء المتغيرات السياسية في أفغانستان وإيران ويوغوسلافيا وما هو محتمل في سوريا، يقتضي الإسراع والحزم في تأهيل النظام السياسي الذي يحقق هذا الدور. 

ولكن هل يمض العسكر مع أمريكا إلى حيث تريد، وما هو موقف الشعب التركي المسلم مما يراد له؟! ذلك ما ستكشفه الأيام المحزنة القادمة!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان

نشر في العدد 9

133

الثلاثاء 12-مايو-1970

حذار من لعنة الأجيال