العنوان النظام السوري والورقة السوفيتية
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1980
مشاهدات 73
نشر في العدد 493
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 12-أغسطس-1980
- السلاح والمستشارون السوفيات لقمع الحركة الجهادية في سوريا.
- الورقة السوفياتية آخر ورقة يلعبها النظام السوري.
- في ظروف التوازنات السياسية العربية بات النظام السوري معزولا.
- النظام السوري نفذ المخطط الصليبي في لبنان ورأسه سلم الجولان.
- مؤتمر حزب البعث أقر اتخاذ خطوات نوعية في العلاقات مع روسيا.
- أمريكا لن تفرط بالنظام السوري، ولكنها لن تتورط عسكريًّا لحمايته.
- الغرض هو محاولة القضاء على الحركة الجهادية
منذ أن بدأ النظام السوري الطائفي يترنح بفعل الحركة الجهادية المباركة للشعب السوري المسلم، وهو يُلوِّح باستخدام «الورقة السوفياتية» تحت شعار علاقات نوعية جديدة مع الاتحاد السوفياتي، فما هي الدوافع وراء ذلك؟ وهل ينجح النظام وهو كالغريق الذي يتشبث بالقشة في الخروج من العزلة القاتلة التي يعيشها؟!
والورقة السوفياتية هي الورقة الأخيرة التي سيحاول النظام النصيري أن يلعبها، فمنذ اشتعال الحرب اللبنانية في عام ١٩٧٥، والنظام السوري يستخدم الورقة اللبنانية عربيًّا ودوليًّا، وقد ظلت هذه الورقة رابحة منذ ذلك الحين إلي الوقت الحاضر، فقد ظهر للأطراف العربية المختلفة أن سوريا من خلال قوات الردع تستطيع الحفاظ على الأمن في لبنان، ووضع حد لتجدُّد الانفجار والاشتباكات ولكن مع انفجار الوضع من جديد، ورجحان كفة الكتائب في لبنان من جهة، وإصرار سور يا على أن يكون دور الدول العربية الأخرى في لبنان، خاصةً دول الدعم دورًا ثانويًّا، من جهة ثانية فقد سقطت فاعلية الورقة اللبنانية من أيدي النظام السوري، ولم يعد قادرًا على استثمارها من جديد، ومن الناحية الدولية فقد كانت مهمة النظام السوري في لبنان هو الحفاظ على المعادلة التي تكفل الغلبة للأقلية الطائفية المارونية، وتمكينها من السيطرة على جميع لبنان، وهذا المخطط قد شارف هو الآخر على النجاح.
الورقة الإيرانية
ومنذ نجاح الثورة في إيران بقيادة الخميني وانتصارها في فبراير ۱۹۷۹، حاول النظام السوري أن يُقيم علاقات مع بعض الرموز الإيرانية، المتهمة من قبل الثورة الإيرانية، كوزير الخارجية صادق قطب زادة، الصديق الحميم لرفعت الأسد، والتلويح بهذه العلاقات في أجواء التوازنات العربية، وتهديد المجاهدين في سوريا من طبيعة هذه العلاقة، ولكن هذه الورقة قد سقطت على الأقل في جانبها الموجه للمجاهدين من الشعب السوري، فقد ذكرت مجلة النذير الناطقة بلسان المجاهدين أن وفدًا يُمثَّل الحركة الجهادية، قام بزيارة الإيران، والتقى بمختلف قيادات الثورة فيها، وقد تأكَّد لهم أن الثورة الإيرانية تنظر للنظام السوري كأي نظام طاغوتي آخر، وأنها مع المجاهدين في سوريا، وقد اتضح للنظام السوري أن الأشخاص الذين راهن عليهم لقيام حلف إيراني سوري، قد أصبحوا غير مرغوبين في إيران، كما ارتسمت عليهم علامات استفهام كثيرة.
توازنات عربية:
وعلى المستوى العربي فقد برزت توازنات أخرى، والتي يصر النظام السوري أنها قامت ضد سياسته، كاللقاء العراقي الأردني، الذي يحظى بتأييد السعودية والكويت، وبالتالي دول الخليج الأخرى.
وفي ظل هذه الظروف السياسية، بدأ النظام السوري يشعر أنه يعيش في عزلة قاتلة، وأن الحركة الجهادية المباركة التي راهن على القضاء عليها خلال فترة وجيزة، أخذت تنتشر؛ حتى شملت جميع قطاعات الشعب السوري، ووجهت للنظام ضربات قاتلة، بات يشعر معها أنه قاب قوسين أو أدنى من الموت. ولذلك راح يتصرف بعصبية وحقد دفين على الإسلام والمسلمين في سوريا، وأعلن عن عزمه على حرب الإخوان المسلمين، لأنهم يشكلون قيادة الحركة الجهادية المباركة، مهما كلفه ذلك من ثمن!
غريق يتعلق بأذيال الدب
ولكن عزْم المجاهدين ظلَّ يزداد يومًا بعد يوم، حتى إذا تعرَّض رأس النظام للخطر في محاولة لاغتياله، أدرك أنه غريق لا أمل له بالنجاة، وفي هذا الوقت بالذات، أخذ النظام السوري يتعلق بأذيال الدب الروسي، وبدأت تعلو موجة البديل النوعي عسكريًّا.. وتصعيد العلاقات وتعزيزها مع الاتحاد السوفياتي!
والمعروف أن التقارب السوري مع موسكو ليس جديدًا، فالعلاقات بين الطرفين تُوصف عادة بأنها جيدة، فالاتحاد السوفياتي هو مصدر معظم الأسلحة والمعدات العسكرية للجيش السوري، بما في ذلك طائرات الميغ ۲۱، ويوجد حاليًا في سوريا أعداد كبيرة من الفنيين والخبراء الروس، وتُشير مجلة النذير إلى أن أعدادًا كبيرة من الخبراء الروس قد وصلوا دمشق في الآونة الأخيرة، وذلك لإعانة النظام في محاولته لقمع الحركة الجهادية للشعب السوري المسلم، وكان المجاهدون قد قتلوا بعض الخبراء السوفيات في دمشق، مما يثبت بأن الاتحاد السوفياتي متورط مع النظام السوري.
ومع ذلك فالنظام السوري كان حتى الوقت الحاضر يرفض أن يوقع معاهدة «للصداقة والتعاون» مع الاتحاد السوفياتي، على غرار المعاهدة السوفياتية العدنية، فهل عبارة «النوعية الجديدة» التي يطلقها أكثر من رمز من رموز النظام السوري، إشارة إلى أن سوريا قد تُوقِّع معاهدة مع الاتحاد السوفياتي؟!
القصة من بدايتها
تفيد بعض المعلومات أن مؤتمر قمة الصمود والتصدي الأخير، كان يزمع اتخاذ قرار بتوقيع معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفياتي، ولكن «اعتدال» الجزائر حال دون ذلك، واكتفى المؤتمر بقرار يدعو لتعزيز التعاون مع الاتحاد السوفياتي، بشكل جماعي أو أفرادي.
وعلى إثر ذلك سربت السلطات السورية معلومات إلى الصحافة اللبنانية، مفادها بأن الرئيس حافظ أسد سيتوجه إلى موسكو في نهاية شهر أغسطس، لتوقيع معاهدة مع الاتحاد السوفياتي، ولكن المسؤولين السوربين، ظلوا صامتين.
وكان معلومًا أن الأمر يتوقف على النتائج التي سيتوصل إليها المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث، والذي عقد في دمشق في أوائل هذا الشهر.
وقد عُقد هذا المؤتمر في جو من السرية والتكتم الشديد، ومع أن بيانًا رسميًّا لم يصدر عن المؤتمر، إلا أن بعض الأوساط اللصيقة بالنظام السوري، نقلت عن مصادر دبلوماسية أن المؤتمر أقر إجراء خطوات نوعية في العلاقات مع الاتحاد السوفياتي.
وفي أوائل أغسطس صرَّح وزير الدفاع مصطفى طلاس إلى الصحف السورية بأن الاتحاد السوفياتي ملتزم بالتصدي لإسرائيل نوويًّا؛ في حال استخدامها السلاح النووي ضد سوريا!!
والملاحظ أن النظام السوري يُحيط هذا الأمر بالسرية والتكتم ويكتفي بالتلميح، وذلك لعدم إثارة الدول العربية المناهضة للاتحاد السوفياتي، وبعض القوى الدولية، لكن المعلومات التي نقلتها مجلة الحوادث عن ياسر عرفات بأن هناك توجهًّا سوريًّا فلسطينيًّا لطلب أسلحة روسية، وزيارة مصطفى طلاس لبولونيا؛ تُرجِّح أن النظام بات يُفكِّر بتعزيز العلاقات مع الاتحاد السوفياتي.
ولكن المراقبون يُرجِّحون بأن هذه العلاقات المنتظرة لن تصل إلى الخط الأحمر، الذي يُعرِّض السياسة الأمريكية للخطر، فهم يُورِّدون أن علاقات النظام السوري مع أمريكا؛ ظلت ممتازة إلى أن قام الرئيس السادات بتوقيع معاهدات كامب ديفيد، وتتلقى سوریا مساعدات أمريكية منذ عام ١٩٧٤ قدرها ٩٠ مليون دولار.
وأُلغي هذا المبلغ في منتصف الشهر الماضي، وذلك كمحاولة لاستكشاف نوايا النظام السوري
بشأن التوجه نحو موسكو.
وعندما التقى حافظ أسد بالرئيس كارتر في جنيف في شهر مايو ۱۹۷۷ سماه کارتر برئيس سور يا العظيم! وصرَّح ناطق باسم البيت الأبيض، منذ شهرين تقريبًا، أنه بالرغم من سوء العلاقات السورية الأمريكية في الوقت الحاضر، إلا أن النظام السوري مهم جدًّا جدًّا جدًّا، لحل أزمة الشرق الأوسط، ولمعرفة طبيعة هذه العلاقة مع أمريكا لابد من التذكر أن أمريكا اعتمدت على النظام السوري اعتمادًا كليًّا في تنفيذ المخطط الصليبي في لبنان، والإبقاء على معادلة تضمن التفوق للفئات النصرانية الصليبية على المسلمين، وتصفية الوجود الفلسطيني الفاعل في لبنان، ويضيف مراقبون مسلمون إلى أن أميكيا التي حقق لها رأس النظام السوري في لبنان هذا المخطط، والذي سبق له أن سلَّم الجولان لإسرائيل، لا يمكن أن تفرط به بسهولة، وبالتالي فإن التوجُّه نحو موسكو مُوافقٌ عليه أمريكيًّا، ما دام يهدف إلى جلب المستشارين والسلاح الروسي، لقمع الحركة الجهادية في سوريا، والتي تُشكِّل خطرًا على مصالح أمريكا وإسرائيل، إذا قُدِّر لها الانتصار، واستلام مقاليد السلطة:
والدور السوفياتي في الشرق الأوسط، ظل هامشيًّا وثانويًّا ضمن سياسة الوفاق الدولي، لم يتعد تزويد بعض الدول العربية بالأسلحة الدفاعية، كبرهان على أنها «تقدمية»، وأنها لا تسير في الفلك الأمريكي. وليست هنالك إشارة إلى أن هذه السياسة قد تبدَّلت، بالرغم مما يقال عن نفوذ سوفياتي محتمل على إثر غزوه أفغانستان.
أفغانستان أخرى
ومع ذلك فإن احتمال ارتماء سوريا في أحضان الاتحاد السوفياتي وارد، وذلك بسبب استماتة هذا النظام الطائفي من أجل السلطة، فالمعارضة الشعبية في ازدياد مستمر، والمجاهدون رفعوا شعار الإطاحة بنظام حافظ أسد الطائفي، وإزاء هذه النقمة الشعبية العارمة، بسبب السياسة الإجرامية التي اتَّبعها نظام أسد، فإنه من غير المحتمل أن يجرؤ نظام عربي على مساندته، وبالنسبة لأمريكا، فإنه طالما أن الوضع في لبنان قد استقر تقريبًا لصالح المخطط الصليبي الحاقد، وطالما أن إسرائيل بصدد الاستقرار، وقادرة عسكريًّا على مواجهة الأمور، فلن تجد أمريكا نفسها متشجعة لدعم النظام السوري بصورة مكشوفة، خاصةً وأنها تحاول الآن أن تنقل الصراع إلى الخليج.
وإذا ارتمت سوريا في أحضان الاتحاد السوفياتي، فستكون أفغانستان أخرى، ولكن في قلب العالم الإسلامي هذه المرة، وعلى مشارف آبار النفط، وعلى الذين يخافون على آبارهم وثرواتهم أن يدركوا أن النظام السوري بات خطرًا؛ يُهدِّدهم ويهدد أمن بلادهم، فلا أقلّ من أن يوقفوا المساعدات المالية عنه، إن لم يتدخلوا فيوقفوا المجزرة الرهيبة التي يُنفذها ضد الشعب السوري المسلم.
خطورة عظيمة
والاتحاد السوفياتي يحاول إثارة القلاقل في بلوشستان، وإيصال الشيوعيين إلى الحكم في إيران، في محاولة للاقتراب من منابع النفط، وفي رأي السيد ميشال جوبير، وزير الخارجية الفرنسي السابق، أن هناك يالطا جديدة ستنجز بين أمريكا وروسيا في شهر نوفمبر القادم، سيكون من نتائجها أن تكون إيران منطقة نفوذ
سوفياتي.
فإذا صحَّت معلومات السيد جوبير، وأصبحت سوريا أفغانستان أخرى، فإن أحداثًا خطيرة ومستقبلًا غامضًا؛ ينتظر الخليج والشرق الأوسط.
ولا يسع المراقب المسلم إلا أن يحذر من ذلك، كما يحذر من الارتماء في أحضان أمريكا، وعلى الذين بيدهم مقاليد الأمور في العالم الإسلامي، أن يعلموا أن عزهم ونصرهم بالتوبة النصوح إلى الله، ونبذ كل شكل من أشكال التبعية والهامشية، وأن يعملوا جاهدين للحكم بما أنزل الله، وتوحيد المسلمين، وما لم يفعلوا ذلك فالجزاء من جنس العمل، ولهم أن يقرؤوا قول الله – تعالى – ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى:30).