; النظام الرأسمالي.. الوجه القبيح | مجلة المجتمع

العنوان النظام الرأسمالي.. الوجه القبيح

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1998

مشاهدات 75

نشر في العدد 1325

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 10-نوفمبر-1998

● ١,٤ مليار لا يحصلون على ماء نقي ومليار لا يجدون سكنًا مناسبًا!

● ٨٤١ مليونًا يعانون سوء التغذية و٨٨٠ مليونا دون رعاية صحية

● الرأسمالية تطحن ۱٫۳ مليار نسمة باحتكار الثروات وسوء توزيعها

أحد انعكاسات تطبيقات العولمة الاقتصادية على حياة الشعوب هي حالة عدم المساواة في الاستهلاك، إذ بدأت الهوة تتسع بين الأغنياء والفقراء في ظاهرة أصبح البعض يطلق عليها اسم عدم المساواة في الخدمات أو الظلم الشرائي، أو اللامساواة الشرائية.

ذلك أن أشكال الاستهلاك المعاصرة أصبحت مدمرة ومؤثرة سلبًا على حياة الإنسان وتقدمه، ومن صور ذلك تدمير البيئة، واستغلال الحقوق الإنسانية لصالح طرف على حساب طرف آخر، مما أدى إلى تضخم مستوى اللامساواة الموجودة أصلًا في المجتمعات المعاصرة.

فبينما تفتخر زوجة رجل غني بأنها فرشت بيتها بالسجاد الباكستاني الأحمر يستمر الطفل بنتًا أو ولدًا- في حياكة سجادة أخرى وهو يعاني ضياع مستقبله. وقد أشارت الأمم المتحدة في تقريرها للتنمية البشرية عن العام الجاري- والصادر عن برنامج التنمية البشرية التابع لها- إلى مظاهر هذه الحالة.

وتقول إنه بالرغم من التوقعات بأن حجم الاستهلاك العالمي للسلع والخدمات قد يتعدى الـ ٢٤ تريليون دولار هذا العام، فإن أكثر من مليار شخص لن يكونوا قادرين على الحصول على أقل متطلبات الاستهلاك البشرية.

وفي الوقت نفسه فإن أساليب وفنون الإنتاج غير المسؤولة تلوث البيئة المحلية لكل دولة، وكذلك البيئة العالمية من خلال العديد من صور التلوث العابرة للحدود، مما سيشكل ضغطًا أقسى على الثروات الطبيعية للأرض وسيزيد من تدهور المستوى المعيشي للغالبية الفقيرة.

وبهذا يمكن القول إن الاستهلاك البشري اليوم أصبح ذا مضار كثيرة، ولا يمكن تحمل استمراره بهذه الصورة، فقد كان نمو الاستهلاك في القرن العشرين سريعًا في حجمه وتنوعه وتسببه في اضطراب التوازن بين ما يحصل عليه الإنسان من مكان لآخر.

وبالطبع لا يمكن إنكار أن هناك ملايين من الناس ازدادوا غنى من خلال مشاركتهم في بيع وإنتاج، وتوزيع هذه السلع والخدمات، وأن هناك تزايدًا في عددهم من وقت لآخر، ومن بلد لآخر كما لا يمكن إنكار أن عدد الذين تحسنت أحوالهم في بعض بقاع العالم قد زاد، وكذلك عدد الذين تحسن مستوى ما يحصلون عليه من أغذية ولذلك نجد الملايين اليوم متنعمين على الأقل بأبسط الاحتياجات من طعام، وماء متوافر في منازلهم، وأماكن عملهم، وكهرباء، واتصالات إلكترونية، ورعاية صحية خاصة أو حكومية وتعليم خاص، أو حكومي إلخ لكن في مقابل كل واحد من الذين يتنعمون بصورة مترفة هناك الآلاف يتدحرجون في وادي الفقر السحيق في القرى، وأطراف المدن. وأبسط مثال على ذلك تلك البيوت الصغيرة المصنوعة من الخشب على حواف الأحياء السكنية لكثير من العواصم، وبجانبها يمكن أن ترى الفيلات وناطحات السحاب، ومجمعات التسوق الكبيرة.

وبينما يعيش البعض على سواحل بحر أو نهر يعيش أخرون على بيوت تغوص في مستنقعات المياه القذرة للمدن، وفي أطرافها دعونا نعد إلى الأرقام، فهناك اليوم ١.٤ مليار نسمة لا يحصلون على ماء نقي سواء للشرب أو للاحتياجات البشرية الأخرى، كما أن هناك مليارًا آخر- على الأقل- لا يملكون سكنًا كافيًا أو مناسبًا لهم، و٨٤١ مليون مواطن يعانون من سوء التغذية، و٨٨٠ مليونًا يعيشون دون أي رعاية صحية.

وفي الجانب التعليمي هناك ۱۰۰ مليون طفل في عمر التعليم الابتدائي دون أي شكل من أشكال التعليم و۸۸۰ مليون أمي من البالغين.

أما في جانب الاستهلاك فإن ٢٠% من سكان العالم الأغنياء مسؤولون عن ٨٦% من مجموع نفقات الاستهلاك الشخصي، بينما يستهلك الـ ٢٠ "الفقراء" ١.٣٪ فقط من السلع والخدمات الشخصية المستهلكة عالميًّا.

وليست قضية الفارق الكبير بين ما يستهلكه الفقير والغني مسألة دول العالم الثالث وحدها، فحتى الدول الصناعية عاجزة عن الوفاء باحتياجات مواطنيها.

الولايات المتحدة على سبيل المثال بالرغم من أنها تمتلك أعلى مستويات الاستهلاك لكل فرد من مواطنيها، لكنها تحتضن ٣٠ مليونًا من الجوعي من بينهم ١٣ مليون طفل تحت سن الـ ١٢ عامًا، وفي بريطانيا مات في عام ١٩٩٤م مليون ونصف المليون مواطن بسبب فقدهم لأهم أساسيات الحياة.

هذه النتائج قد تعود لعوامل كثيرة تؤكد لنا عجز النظام الاقتصادي الرأسمالي عن حل مشكلات ۱٫۳ مليار نسمة بسبب عدم المساواة في توزيع الثروة المتوافرة، ومعدلات النمو المضطربة، وعدم توافر الكثير من السلع بكميات كافية، وذلك لأن الشركات الكبرى تفضل الأسواق ذات القوة الشرائية العالية على أسواق الأحياء والمدن الفقيرة.

وفي مجال الخدمات الاجتماعية فإن كثيرًا منها كالرعاية الصحية، والتعليم والمواصلات تتجه نحو خدمة المستهلك الغني، وهو القادر على توفير أرباح هائلة للجهة الموفرة لتلك الخدمة بينما يقف الفقير عاجزًا عن ذلك إن لم توفر حكومته له خدمة رخيصة أو مجانية.

هذه الظاهرة أصبحت تتزايد من حيث عدد المتأثرين بها وبخاصة بعد موجات الخصخصة التي أصبحت ترجمة لكلمة التنمية، في كثير من الدول التي تعد شعوبها بنسب نمو اقتصادي عالية، لكن ما يحصل هو اتساع الهوة بين طبقات المستهلكين.

هناك مقولة يؤمن بها الكثير من الاقتصاديين ذكرها التقرير هي أنه لا توجد هناك مصادر طبيعية وثروات كافية للبشر وعلى الإنسان أن يسعى نحو حل مشكلة النقص هذه وهذا القول ليس حقيقة اقتصادية بل يختلف مع تصورنا الإسلامي، إذ تعتقد نحن أن الثروات متوافرة، لكن إساءة استثمارها هو الذي أدى إلى عدم المساواة، وازدياد عدد الفقراء يومًا بعد يوم مع ازدياد غنى الأغنياء.

من هنا يجب على الدول- مجتمعة أو متفرقة أن تضع سياسات تتضمن أولويات لسد احتياجات شعوبها.

ولعل أبسط مثال يؤكد إمكان ذلك ما ذكرته إحدى الدراسات عن استطاعة مجموعة من أغنياء العالم لا يزيد عددهم على ما بين ١٠ إلى ٢٠ فردًا توفير الكثير من احتياجات فقراء العالم ولعدة سنوات.

أمر آخر يدخل في دائرة ترتيب الأولويات هو أن ما يمكن اعتباره ضرورة، في بلد قد لا يعتبر ضرورة في بلد آخر أو مجتمع آخر، لكن ما يتفق عليه الجميع هو أن حاجات الإنسان اليوم ليست مجرد طعام وشراب، ولباس ومأوى، بل التعليم واستمراره والرعاية الصحية ونقاء المياه والكهرباء، وأشكال الاتصال الأخرى، وما كان يعتبر من الكماليات قبل سنوات أو عقود أصبح من الضروريات اليوم، ففي الثمانينيات مثلًا كان في البرازيل، وتشيلي، والمكسيك، وماليزيا وجنوب إفريقيا ثلاثة أضعاف عدد السيارات الموجودة في النمسا، وفرنسا، وألمانيا، عندما كانوا في مستوى هذه الدول نفسه قبل ٣٠ عامًا إذ لم تكن السيارة مهمة للحد الذي تعتبره نحن الآن.

الثقافة الاستهلاكية أدت إلى انعكاسات على القيم الاجتماعية، إذ تؤدي اللامساواة الاستهلاكية، إلى عدم تقبل المجتمع لشخص ما إذا لم يكن قادرًا على شراء سلعة من السلع أو خدمة من الخدمات، كما لن يركز الناس على قدرات ذلك الشخص أو سلوكه دينيًّا واجتماعيًّا ولا على ثقافته، ولكنهم سيعتبرونه ناجحًا بالمعيار الاستهلاكي الضيق.

 وإذا صعدت مستويات المعايير الاجتماعية وسبقت نمو دخل الفرد فمظاهر الاستهلاك حينها لن تكون متوازنة.

 اليوم هناك الملايين من الناس ممن يسعون إلى تحقيق الأحلام التي تصورها لهم دعايات السلع والخدمات التي تؤثر على تصورهم لما هو ضروري أو غير ضروري بينما هناك آخرون نراهم يقللون من استهلاكهم، ويهتمون بالادخار لمستقبلهم ومستقبل أبنائهم وأقاربهم، غير أن هذا السلوك أصبح يتناقص في بعض الدول كالولايات المتحدة التي تي: يوفر فيها المواطن ما معدله ٣.٥ من دخله وهو نصف ما كان يوفره المواطن نفسه قبل ١٥ عامًا.

 وفي الوقت ذاته ارتفع حجم المديونيات خلال العقد الحالي لتصل إلى ٥.٥ تريليون دولار عام ۱۹۹۷م.

وكثير من هذه الديون كان بسبب بطاقات الائتمان التي تضاعفت بين عامي ١٩٩٠ و١٩٩٦م. وفي البرازيل مثلًا تتركز ديون المستهلكين بين أصحاب الدخل المنخفض، فمن بين مليون ونصف عائلة برازيلية ذات دخل أقل من ۳۰۰ دولار يعيش ٧٦% منهم مدينًا.

أضرار الاستهلاك

مظاهر الاستهلاك المعاصر ذات آثار جانبية أخرى على المجتمع من خلال عملية إنتاجه وتعتمد درجة الآثار، وانتشارها على من يعمل في هذ الحقل الإنتاجي أو ذاك، وبأي صورة يعمل سواء إنتاجًا أو توزيعًا، ومن يربح ومن يخسر من هذه العملية الإنتاجية؟

الاستهلاك الزائد له آثار سيئة أيضًا على البيئة بتلويثها، مما يؤدي إلى ارتفاع عدد المصابين بمرض معين أو ظهور أمراض جديدة. وأصبح معظم أشكال الإنتاج والتصنيع ذا مضار بيئية يتحمل آثارها- بداية- سكان الجنوب الذي فرض عليه تحمل آثار الإنتاج والاستهلاك، ورمي نفايات وفضلات هذا الاستهلاك، فسكانه هم الضحايا.

أما عن استنزاف المياه فإن ٢٠ بلدًا على الأقل يعاني أزمة مياه حادة والمخزون العالمي للمياه نقص من ١٧ ألف متر مكعب عام ١٩٥٠م إلى 7 آلاف متر مكعب هذا العام.

مظاهر تلوث البيئة هذه ناتجة عن السلوك الاستهلاكي غير العادل وغير السوي، مما يؤدي إلى تلويث ثروات الأرض التي أودعها الله سبحانه وتعالى وسخرها لبني البشر، ولذلك بالطبع آثار خطيرة بدأ بعضها يلوح في الأفق وبعضها الآخر في الظهور المتزايد الكوارث الطبيعية ذات العلاقة بالتلوث البيئي وقبل ذلك الأخلاقي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل