العنوان نقوش على جدار الدعوة.. النظافة المالية شرط في الاستمرارية
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1252
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 03-يونيو-1997
حب المال طبيعة في الإنسان: عبر القرآن الكريم عن طبيعة النفس البشرية النزاعة لحب المال والتملك والسيطرة على الأشياء فقال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: 20)، وجاءت السنة كذلك مبينة هذا الميل البشري في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كان لا ابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيًا، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» «ص ج ص رقم 5164» غير أن الإسلام هذب هذه الطبيعة بحيث لا يتحول الإنسان في سبيلها إلى وحش كاسر، همه كسب المال من أي سبيل، وبأي طريقة، فوضع ضوابط وأصولًا للكسب الحلال، بحيث لا يتجاوزها الإنسان، ويحاول ما استطاع أن يكفكف نهمه وطمعه بالتمسك بالأصول التي أقرها الشرع الحنيف للكسب النظيف، وكذلك حاولت القوانين البشرية أن تفعل ذلك منذ عرف الإنسان القوانين، ولسنا في مجال المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية في هذه الناحية، ولكنا نود أن نقول: إن هناك اتفاقًا بين البشر أجمعين على وجوب حفظ المال، وعدم الوصول إليه من طريق غير شريف مع اختلاف دلالة كلمة الشرف عند المسلمين، وعند غير المسلمين.
بيت السياسة والمال: ولا تظهر طبيعة النفس البشرية إلا حين يمتلك الإنسان الوسائل الموصلة إلى جمع المال وتكديسه، وأقرب المسالك إلى ذلك عند البعض الاشتغال بالسياسة وما يقرب منها ويؤدي إليها، فذلك باب فسيح لبعض السياسيين يروي منه- حين يلجه- طبيعته التي لا تشبع بواد من مال ولا واديين، في الوقت الذي تجد فيه البعض الآخر يقاوم طبيعته، ويكف يده عن أن تمتد إلى المال العام، الذي يحاسبه الله عنه، وتحاسبه الأمة إن كانت واعية بحقها على ما أنفقه منه.
وأقرب مثال على سير البعض وراء طبيعته في الجمع والتحصيل والتكديس ما ذكرته الصحف عن ثروة «موبوتو» التي تتراوح ما بين مائة مليون وبين 20 بليون دولار أمريكي في الوقت الذي يتقاضى فيه المواطن الطبيب الزائيري 24 دولارًا في السنة و2400 دولار في مائة سنة «الشرق الأوسط 5/ 5/ 1997م»، وما ذكرته الصحف عن ثروة رئيس الوزراء الروسي «فيكتور تشرنومردين» التي قفزت من 28 مليونًا إلى 5 مليارات دولار في أربع سنوات في نفس الوقت الذي لم يتقاض فيه أصحاب المعاشات- في روسيا- مستحقاتهم منذ أربعة أشهر، ولعل هذا أهم الأسباب التي دفعت الجياع إلى الثورة على موبوتو، والإصرار على هذه الثورة وعدم التراجع عنها أكثر من سبعة أشهر، حتى سقط حكمه دون أن تنفعه ثروته التي اغتصبها من أقوات الجائعين.
الحب يحمي المخلصين: إن المخلصين من السياسيين الذين يعمرون بلادهم ويحافظون على ثروات بلادهم وينفقون في خدمة شعوبهم المال والجهد يحوطهم الناس بالحب، ويلقونهم بالمودة، ويعدون لهم بالخير، فيعرف لهم المسؤولون ذلك فيزداد عملهم، ويزداد كفاحهم من أجل رفعة بلادهم وازدهار أوطانهم، فيصدق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم» «ص. ج. ص قم 904».
وليس بين الحاكم ومئات الألوف أو عشرات الملايين من أبناء بلدة صلة شخصية، حتى يكون الحب بينهما متبادلًا، وإنما بينهما حقوق تؤدى، وواجبات تنفذ، وعدل يعم البلاد، وحق يتساوى فيه الجميع في المكتسبات والجزاءات، وهذا ما يجعل آصرة الحب تحمي هذا المسؤول، وتدفع عنه أي مكروه، وتجعل أناسًا تفتديه من الخطر الذي قد يعرض له، وتدفع عنه كل أذى قد يسئ إليه، ولا تتبع غيره من الثائرين أو الداعين إلى الفتنة، المجترئين على حقوق العامة، ولذلك يستمرون في حكمهم، لأن النظافة صاحبتهم، والعفة عن المال العام لازمتهم، فمن يرضى بهؤلاء بديلًا؟ أو يرضى عن سياستهم تغييرًا أو تحويلًا؟ إنهم بذلك يكتسبون الثناء ويستحقون من الناس الدعاء.
أما غير هؤلاء ممن تجرأ فجمع الملايين أو البلايين، ولم يراع في بلده إلًا ولا ذمة، فماذا تنتظر لهم والبغضاء بينهم وبين شعوبهم موجودة، واللعنة بينهم متبادلة؟
إن شعوبهم ما تكاد تلمح بصيصًا من ضوء يوحي بتغييرهم واستبدالهم إلا وتتبعه، ولو أدى ذلك إلى فتنة، لأن حق هذه الشعوب مهدور، وظلمها موفور، ومالها مقطوع ممنوع، فلماذا لا تتبع كل ثائر، وتساعد كل خارج؟
إن النظافة المالية والعدالة شرط في استمرارية الحكم، والرضا به، ودفع الناس إلى العمل المخلص من الأمناء الأوفياء، وهذه النظافة والعدالة يتحقق من ورائها الحب والعون، وتزول بها كل بغضاء، وتؤمن معها الثورة أو الفتنة، وتستقر الأمور ويأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، وبغير ذلك فلا أمان ولا اطمئنان.