; سورة البقرة (8) النص القرآني الخامس القرآن العظيم آية عظيمة دالة على صدق نفسه | مجلة المجتمع

العنوان سورة البقرة (8) النص القرآني الخامس القرآن العظيم آية عظيمة دالة على صدق نفسه

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر السبت 04-سبتمبر-2010

مشاهدات 56

نشر في العدد 1918

نشر في الصفحة 42

السبت 04-سبتمبر-2010

  • تحدي القرآن الكريم موجه إلى الجن والإنس على مر الأزمان ومع كثرة خصوم الإسلام لم يستطع أحد أن يأتي بمثل سورة من سوره
  • على الدعاة إلى الله استعمال الأسلوب القرآني في الإنذار والتبشير والترغيب والترهيب

أخبرنا ربنا - تبارك وتعالى - في مطلع هذه السورة العظيمة، أن هذا الكتاب لا ريب فيه على وجه الحقيقة، فهو منزل من عند الله يقينًا، والمنزل من عند الله لا باطل فيه بحال، والريب إنما هو في قلوب المرتابين من الكفرة والمنافقين، وخاطب الله في آيات هذا النص هؤلاء المرتابين المتشككين مدللا على صدق هذا الكتاب، طالبًا منهم أن يأتوا بمثل سورة من سور هذا الكتاب إن كانوا صادقين فيما يزعمونه من بطلانه، فإن لم يستطيعوا فعل ذلك، فعليهم الإيمان بالله ومخافته واتقاء ناره.

آيات هذا النص من القرآن الكريم

﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:25).

المعاني الحسان في تفسير هذه الآيات

1- القرآن هو الآية العظيمة الدالة على صدق نفسه:

نادى رب العزة الناس في آية سابقة، أمرًا إياهم بعبادته وحده لا شريك له، ثم نهاهم عن أن يتخذوا له الأنداد، ثم خاطب الله المرتابين في آيات هذا النص متحديا إياهم بالإتيان بسورة من مثله: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾

يقول لهم: إن كنتم متشككين فيما أنزلناه على رسولنا من هذا القرآن، فأتوا بسورة من مثله، وهذا يقضي بأن يكون القرآن كذبا مفترى إن جاؤوا بمثل سورة واحدة قصيرة لأنه لم يفرق بين القصير والطويل، بل جاء التحدي عامًا مطلقًا، وإن عجزوا عن ذلك فيكون حقا وصدقا، وأذن لهم في مجال التحدي أن يستعينوا بمن يريدون من الأعوان والأنصار ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.

ومعنى «شهداءكم» كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أعوانكم»، وقال مجاهد: الذين يشهدون لكم، وقال بعض أهل العلم: معناه من يعتد بحضوره (عمدة الحفاظ ٣٤٤/٢)، وهذه معان بعضها قريب من بعض. ولم ينتظر محاولتهم الإتيان بما تحداهم به بل سارع إلى الإعلان عن أنهم عاجزون عن ذلك في الحاضر والمستقبل، كما عجزوا عنه في الماضي ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، والحكم عليهم بالعجز فيه استثارة الحفيظتهم، إذ لو كان فيهم قدرة على تحقيق التحدي لسارعوا إلى الرد عليه، ليثبتوا بذلك ريبهم وشكهم.

وإذ كانوا عن المتحدى به عاجزين، فعليهم أن يبادروا إلى الإيمان، اتقاء لغضب الرحمن وناره التي وقودها الناس والحجارة، والوقود هو المادة التي تشعل بها النار كالحطب ونحوها من المواد القابلة للاشتعال، وقد أخبرنا الحق أن وقود النار الناس والحجارة، ومن هؤلاء الناس الذين يعبدون من دون الله آلهة أخرى ومعبوداتهم من دون الله ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (الأنبياء:98).

مراحل التحدي بالقرآن

تحدى القرآن الكفار بالإتيان بمثل القرآن كله في قوله: ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء:88).

ثم نزل التحدي إلى عشر سور من مثل هذا القرآن لا فرق بين الطويل منها والقصير: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (هود:13).

وأخيرا تحداهم في هذه الآية ونظيراتها بالإتيان بمثل سورة واحدة منه، ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (يونس:38).

وها هو التحدي قائم إلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة، وهو موجه للجن والإنس على مر الأزمان، ومع كثرة خصوم الإسلام في القديم والحديث لم يستطع أحد أن يأتي بمثل سورة من سور هذا القرآن، وعلى المسلم أن يواجه من يدعوهم بهذه الحجة، فإن أبي الناس الإيمان بعد إقامة هذا البرهان عليهم فهم معاندون مستكبرون يستحقون النار وغضب الجبار.

2- تبشير المؤمنين الذين آمنوا بالقرآن وعملوا به بجنات تجري من تحتها الأنهار:

بعد أن أنذر الله الكفرة بما أنذرهم به، أمر رسوله ﷺ أن يبشر المؤمنين بقوله: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

والبشارة الإخبار بما يسر، كما أن الإنذار والتخويف مما يخاف منه ويضر، وقد بشر الله المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الطاعات من الواجبات والمستحبات بجنات تجري من تحتها الأنهار والجنة في الأصل البستان ذو الشجر الساتر بأشجاره الأرض وقد يطلق على الأشجار نفسها جنة، سمي بذلك لستره الأرض ومن يدخل فيها (عمدة الحفاظ: ٤٠٠/١).

وقد حدثنا - تبارك وتعالى - أن أنهار الجنة ليست قصرًا على الماء ﴿فيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ ( محمد: ١٥).

والمراد بجريان الأنهار من تحتهم، أي من تحت قصورهم وحدائقهم وأشجارهم كما قال فرعون: ﴿وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ (الزخرف: ٥١)، أي من تحت قصوره وبساتينه.

3- ثمار الجنة متشابهة في المنظر مختلفة في الطعم والمخبر:

يساق إلى أهل الجنة من ثمار الجنة رزق متصل متشابه في المنظر، مختلف في الطعم والمخبر: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾.

أي أن الثمار اللاحقة تشبه الثمار السابقة في الشكل والمنظر، ولذلك قال: وأتوا به متشابها ، أي يشبه بعضه بعضا في منظره ولكن الطعوم مختلفة متنوعة.

4- لأهل الجنة في الجنة أزواج من الحور العين المطهرات:

من نعيم الجنة الذي بشر الله به الذين آمنوا وعملوا الصالحات قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وقد أطال الكتاب والسنة في وصف أزواج المؤمنين في جنات النعيم ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ۖ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (الطور:20). ﴿ وَحُورٌ عِينٌ(22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ (الواقعة:23).

ووصف نساء أهل الجنة هنا بالطهارة ولهم فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ..

أي مطهرات من النجاسات الحسية والمعنوية، وليس هذا قصرا عليهن بل كل أهل الجنة كذلك، فهم فيها لا يتبولون، ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يبصقون وليس في نساء أهل الجنة حسد، ولا كذب، ولا سباب، ولا شتائم، ومع أن أهل الجنة يأكلون ويشربون إلا أن طعامهم لا يبقى منه بول ولا غائط، بل جشاء ورشح كرشح المسك، وقد حدثنا الرسول ﷺ عن أهل الجنة وأزواجهم وطعامهم وشرابهم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا ( البخاري: ٣٢٤٥، وانظره في مسلم: ٢٨٣٤)، وورد في رواية أخرى عند البخاري أنهم لا يسقمون.

وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: « إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون ولا يتمخطون»، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس (مسلم: ٢٨٣٥).

رابعًا: ما تهدي إليه هذه الآيات من علم وعمل بتدبر آيات هذا النص نجدها تهدينا إلى ما يأتي من علم وعمل:

1 - القرآن آية تدل على صدق الرسالة والرسول ، فقد تحدى الله به الجن والإنس فعجزوا ، وهذا التحدي باق ومستمر إلى يوم الدين.

2- من أنباء الغيب التي أعلمنا الله بها أن البشر لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل القرآن ولا بمثل سورة من سوره.

3- الكفار الذين تحداهم القرآن فلم يؤمنوا مكابرون ،معاندون ولذلك يستحقون النار وغضب الجبار

4- على الدعاة إلى الله استعمال الأسلوب القرآني في الإنذار والتبشير والترغيب والترهيب، والكتاب والسنة يفيضان بهذا النوع في مخاطبة الناس، وليحذر الداعية الإكثار من الترهيب وحده، فإنه بيئس الناس من رحمة الله، كما عليه أن يحذر من التبشير وحده، فإنه يطمعهم في المعاصي اعتمادا على رحمة الله وعفوه، ويجعلهم يتواكلون ويتكاسلون.

5- الجنات التي بشر بها رب العالمين المؤمنين جنات حقيقية، وما فيها من أشجار وأنهار وثمار كله حقيقة، وهم فيها يأكلون ويشربون وينكحون حقيقة، لا كما يقول أهل الضلال: إن كل ذلك تمثيل وتخييل وأمثلة المقصود منها إصلاح الناس وتوجيههم لما يصلح أخلاقهم وأعمالهم، ولكن لا يوجد جنة ولا نار على الحقيقة، وأقوالهم هذه كذب وافتراء وبهتان، وتكذيب للرحمن، وطعن في القرآن

6- قوة النار وشدتها، فإنها تشتعل في الناس كما تشتعل في الحجارة على حد سواء وقد صح في بعض الأحاديث أن نارنا هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم نعوذ بالله منها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 216

86

الثلاثاء 03-سبتمبر-1974

الأسرة (216)

نشر في العدد 292

78

الثلاثاء 23-مارس-1976

إخلاص النية وصواب العمل

نشر في العدد 472

94

الثلاثاء 04-مارس-1980

المذاهب والخلاف الفقهي