; سورة البقرة (11).. النص القرآني الثامن: قصة الإنسان الأول | مجلة المجتمع

العنوان سورة البقرة (11).. النص القرآني الثامن: قصة الإنسان الأول

الكاتب عمر الأشقر

تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2010

مشاهدات 54

نشر في العدد 1921

نشر في الصفحة 50

السبت 02-أكتوبر-2010

أخبرنا ربنا - تبارك وتعالى - في هذه الآيات عن أصلنا الذي منه خلقنا فالإنسان الأول الذي هو أبو البشر جميعًا آدم عليه السلام خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته وهو أصل كريم، يحق للإنسان أن يفاخر به. وقد نشأت في الماضي أساطير وخرافات تحاول أن تكشف أصل الإنسان وباسم العلم نسب بعض الضالين من البشر الناس إلى أصل معيب، فقد زعموا أن الإنسان قد تطور من قرد أو فأر وصرصور، وهذا النص المنزل من العليم الخبير فيه بيان واضح عن أصلنا الذي منه خلقنا، إنه آدم عليه السلام.

آيات هذا النص من القرآن الكريم
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 30- 39). 

المعاني الحسان في تفسير آيات هذا النص
إعلام الله ملائكته بخلق آدم قبل خلقه أعلم الله ملائكته بأنه سيخلق في مقبل الزمان خليفة في الأرض: ﴿ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
وهذا المخلوق الذي نوه الملائكته بخلقه قبل أن يخلقه هو آدم عليه السلام، وذريته من بعده، ويدل على دخول ذرية آدم في الخليفة الذي سيجعله الله في الأرض أن الإفساد في الأرض وسفك الدماء كانت في ذرية آدم ولم يقع من آدم شيء من الإفساد وسفك للدماء فيها.
تحديد المعنى المراد يكون الإنسان خليفة في الأرض:
خلق الله آدم وبنيه ليكونوا خلفاء الأرض، فالأرض كما أعلمنا الله في آية سابقة مخلوقة كلها لآدم وبنيه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة: ۲۹)، وقد جعل الله الإنسان في الأرض بما أعطاه من خصائص الآمر الناهي فيها، وطلب منه أن يستعمرها وفق المنهج الإلهي الرباني.
وقد دلت نصوص كثيرة وافرة على أن البشر في الأرض هم خلفاء الأرض على مر العصور ابتلاء منه تعالى لبني آدم لينظر كيف يعملون وأرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب وسيجمعهم يوم القيامة ويوقفهم بين يديه، ويحاسبهم على ما قدموا  ومن هذه النصوص المصرحة بذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (الأنعام: ١٦٥)، وقال لداود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: ٢٦)، وقال موسى لقومه: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: ۱۲۹)، وقال هود لقومه: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (هود: ٥٧)، وقال في هذه الأمة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: ٥٥)، فهذه النصوص وغيرها في معناها كثير تدل بوضوح على أن خلق الأرض وما فيها للإنسان، وجعله السيد فيها، الأمر الناهي، وطلب منه أن يستعمرها وفق شرعه ومنهجه، فإن استقام وفق ما أنزله الله إليه أفلح، وإلا كان من الخاسرين، ووعد الذين يقيمون دين الله في الأرض بالعون والتمكين وأوعد المخالفين بالبوار والخسران وهذا هو المعنى المراد يكون الإنسان خليفة في الأرض.
سؤال الملائكة رب العزة عن الحكمة من خلق الإنسان على الوجه الذي أخبرهم عنه:
بعد أن أخبر الله الملائكة بأنه يريد أن يخلق في الأرض خليفة سيكون منه الإفساد في الأرض وسفك للدماء، سأل الملائكة ربهم عن الحكمة من وراء خلق هذا المخلوق المفسد في الأرض السافك للدماء، منوهين في سؤالهم بمكانتهم، وأنه لا يقع منهم تجاه ربهم إلا التسبيح والتقديس له، فأجابهم رب العزة سبحانه وتعالى أنه يعلم أنه سيكون من وراء خلقه هذا الخليفة حكمًا عظيمة لا يعلمونها، ومن هذه الحكم التي ترتبت على خلق هذا المخلوق مما لا يعلمه الملائكة في ذلك الوقت أنه سيكون فيه الأخيار الصالحون من المرسلين والأنبياء والصديقين والشهداء، وسيكون فيهم أهل الجهاد في سبيل الله، والزهاد والعباد والصابرون والمنفقون والمحبون لله الواحد الأحد، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٣٠)، وعلى الملائكة بقولهم: «فسبح بحمدك» أي تقول: سبحان الله وبحمده، ومعنى التسبيح تنزيه الله عما لا يليق به تعالى وتقدس، ومعنى قوله ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ .. أي تظهر الأشياء ارتسامًا لك، وقيل: نصفك بالتقديس المفردات (ص ٣٩٦).
التعريف بالملائكة الذين أخبرهم الله بخلق آدم قبل خلقه: الملائكة الذين أخبرهم الله بخلق آدم قبل أن يخلقه خلق كريم أبرار أطهار، يقومون على عبادة الله وتسبيحه وتقديسه وتنفيذ أمره، وهم أولو قدرات فائقة على فقه ما يطلب منهم. وتنفيذه تنفيذا صحيحا كما يريده رب العزة، وهم أصحاب أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء، وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم لا يأكلون، ولا يشربون، ويقومون على شؤون الكون على النحو الذي كلفهم الله به، ومنهم الذين اختارهم سفراء إلى الذين اختارهم الله من بني آدم أنبياء ورسلا والإيمان بهم أحد أركان الإيمان.

التعريف بأبينا آدم عليه السلام:
وآدم - عليه السلام - أبو البشر جميعًا هو الخليفة الأول الذي خلقه الله لعبادته في الأرض، واسمه مشتق من أدمة الأرض، وهو وجهها الذي خلق منه، وقد ذكر في آيات كثيرة وأحاديث صحيحة أن آدم عليه السلام خلق من قبضة من تراب هذه الأرض، وآدم عليه السلام أبو البشر جميعًا، وقد أخبرنا رسولنا أن البشر في يوم القيادة يأتون آدم فيذكرون فضله، ويطلبون منه أن يشفع لهم عند ربهم، ويقولون: أنت الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء (البخاري: ٤٤٧٦).
تفضيل الله آدم عليه السلام بنوع من العلم لا يعلمه الملائكة:
بعد أن خلق الله آدم عليه السلام، أحب أن يظهر لملائكته شيئًا من خصائصه التي يمتاز بها عليهم، فقد علم الله آدم أسماء المخلوقات التي خلقها، ثم عرض هذه المخلوقات على الملائكة طالبًا منهم أن يضعوا لها الأسماء التي تناسبها ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ٣١)، فاعتذر الملائكة قائلين: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: ٣٢)، لقد وهب الله لآدم خاصية لا توجد عند الملائكة، وهي قدرته على تسمية كل شيء باسمه المختص به المناسب له. وسيكون كهذه الخاصية أثر كبير في حياته في عالم الأرض.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

125

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 37

104

الثلاثاء 24-نوفمبر-1970

هل الصوم عذاب.. يا معلم التاريخ؟!

نشر في العدد 387

87

الثلاثاء 21-فبراير-1978

اعرف عدوك- أهل الباطل