العنوان تفسير د. عمر الأشقر للقرآن الكريم- سورة البقرة (26)- النص القرآني التاسع عشر نبذ بني إسرائيل الكتاب وأخذهم السحر
الكاتب عمر الأشقر
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1953
نشر في الصفحة 58
السبت 21-مايو-2011
● مصدر السحر خبيث وله أصلان.. الأول: ما تلته الشياطين على ملك سليمان والثاني : ما أنزل على الملكين ببابل
● ذم الله بني إسرائيل لتركهم ما أنزل الله واتباعهم للسحر الذي جاءتهم به الشياطين
● السحر نوعان : نوع حيل وخزعبلات وخفة يد.. ونوع حقيقي قد يفرق الساحر به بين المرء وزوجه وقد يمرض الذي سحر
لا يزال الحديث في هذا النص مستمرا مع بني إسرائيل الذين كفروا بالشريعة الخاتمة المنزلة، ونقضوا عهودهم مع ربهم التي أخذها عليهم، وكفروا بالرسول الخاتم الذي جاءهم بالقرآن الذي يصدق التوراة، فنبذ اليهود هذا الكتاب الكريم وراء ظهورهم نبذهم للنواة، حالهم في ذلك حال الجهلاء الذين لا يعلمون. واستبدلوا الخير الطيب الذي جاءهم من عند الله باتباع السحر، وعكفوا على دراسة ما كانت تتلوه الشياطين على عهد ملك سليمان، وما أنزل على الملكين بمدينة بابل العراقية، ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لكان خيرا لهم وأفضل من متابعة السحر الذي يعبدهم للشيطان. آيات هذا النص من القرآن الكريم
﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُون﴾ (البقرة).
المعاني الحسان في تفسير هذه الآيات
1 - إنزال الله آياته البينات على عبده ورسوله محمد ﷺ :
خاطب رب العزة تبارك وتعالى عبده ورسوله محمدا . ﷺ ممتنا عليه بما أنزله عليه من آيات بينات، أي واضحات، وبين أنه لا يكفر بهذه الآيات إلا الفاسقون أي الخارجون عن طاعة الله: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) ﴾.
من تلك الآيات ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنون سرائرهم وأخبارهم وأخبار أوائلهم، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم ابن جرير(١ : ٤٤٠).
والفاسقون : الخارجون عن طاعة الله وشرعه في كتابهم الذي أنزله عليهم، وهو التوراة، وفي كتابنا المنزل على نبينا وهو القرآن.
۲ - نقض بني إسرائيل عهودهم التي أبرموها مع الله ومع عباد الله:
ذم الله بني إسرائيل في نقضهم عهودهم التي أبرموها مع الله ومع الناس: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)﴾ وقد شاهدنا في هذه الأيام أن اليهود في فلسطين أسرع الناس نقضا للعهود، فكلما أجروا اتفاقا بادروا إلى نقضه، بحيث أصبح هذا ديدنهم ودأبهم. والواو في قوله: ﴿أَوَكُلَّمَا ﴾ في أول الآية للعطف، دخلت عليها همزة الاستفهام، وقوله : ﴿نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ ، أصل النبذ الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط منبوذا، لأنه مطروح ملقى به، وسمي النبيذ نبيذا، لأنه ترتيب أو تمر کیا مطروح في إناء.
٣- كفر بني إسرائيل بالرسول الخاتم وكفرهم بالكتاب الذي أنزل عليه
أخبرنا الله تعالى أن بني إسرائيل لما جاءهم الرسول الخاتم من عند الله مصدق لما معهم كفروا به، وكفروا بالكتاب الذي أنزل عليه، وهو القرآن: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) ﴾ وفائدة تنكير ﴿رَسُولٌ﴾ في الآية التفخيم والتعظيم؛ أي لما جاءهم رسول عظيم كريم وهو رسولنا محمد ﷺ . وقوله :من عند الله جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لرسول، أي رسول كائن من عند الله، وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ صفة أخرى للرسول. ووجه كونه مصدقاً لما معهم أنه أخبر بصدق التوراة، وأنها منزلة من عند الله وصدق ما فيها من التوحيد وأصول الدين وأخبار الأمم والمواعظ والحكم، وأظهر ما سألوه عن غوامضها .
وقيل: إن تصدقه للتوراة تحقق ببعثته على النعت الذي وصفته التوراة، فقد كان وجوده ونعته مطابقا للأوصاف التي أخبرت التوراة بها، ولو لم يأت الرسول ﷺ على هذا النحو لكانت التوراة كاذبة، والصحيح أن كلا المعنيين صحيح مراد.
والمراد بالنبذ في الآية الإعراض عما أمرهم به كتابهم من متابعة الرسول ﷺ والإيمان به، والعمل بالكتاب الذي جاء به، قال السدي: نبذوا التوراة وأخذوا بكتب أصف وسحر هاروت وماروت. وقال الشعبي: هو بين أيديهم يقرؤونه، ولكن تبدوا العمل به. وقال سفيان بن عيينة : أدرجوه في الحرير والديباج وحلوه بالذهب والفضة ولم يحلو حلاله ولم يحرموا حرامه، فذلك النبذ القرطبي: .(٢/٤١)
وقد شبه الحق تبارك وتعالى تركهم لكتابه وإعراضهم عنه بحال من يرمي الشيء الذي يستخف به وراء ظهره، يقول القرطبي: وهذا مثل يضرب لمن استخف بالشيء. فلا يعمل به تقول العرب اجعل هذا خلف ظهرك ودبرا منك، وتحت قدمك، أي اتركه وأعرض عنه، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ (هود : ۹۲).
وفي هذه الآية ذم لليهود، وتقريع لهم بسبب كفرهم بالرسول الخاتم المرسل من عند الله المصدق لما معهم الذي يجدونه مكتوبا باسمه وصفاته، وكان المأمول أن يسارعوا إلى الإيمان به، ولكن الذي وقع خلاف ذلك، فقد سارعوا إلى التكذيب به.
٤- نبذ بنو إسرائيل القرآن وتعاطوا السحر
أخبرنا ربنا تبارك وتعالى أن بني إسرائيل بعد نبذهم لما جاءهم من عند الله على رسول الله ﷺ واتبعوا السحر الذي كانت الشياطين تقصه على عهد ملك سليمان: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، ومعنى المضارع في الآية ﴿تَتْلُو﴾ المضي، أي ما تلته. وقد برأ الله عبده ونبيه سليمان مما رمته به اليهود، فقد زعم اليهود أن سليمان كان ساحرا، وبالسحر دانت له الجن والإنس والطير، وسخرت له الريح،﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ .
5 - تعريف السحر وبيان أنواعه
والسحر في لغة العرب: كل ما لطف مأخذه ودق القاموس المحيط، ص (٥١٩) وجاء تعريفه في المعجم الوسيط (٤١٩/١) السحر كل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع. والصواب أن السحر في معناه الاصطلاحي يختلف تعريفه باختلاف أنواعه، وهو أربعة أنواع:
الأول: سحر الخداع والتخييلات التي لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعبذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يده المفردات للراغب الأصفهاني، ص (٢٢٦)، وقال القرطبي: السحر أصله التمويه بالحيل والتخاييل (القرطبي: ٤٣٢).
الثاني: استجلاب معاونة الشيطان يضرب من التقرب إليه (المفردات (٢٢٦) لسان العرب (١٠٦/٢)، فالشيطان يحمل الساحر، ويحلق به في الفضاء، ويقضي له حاجات يظنها الناس من المعجزات ويضع في فمه أو يده ما يريده ويطلبه، ويمرض له من يريد إمراضه، ونحو ذلك.
الثالث: اسم لفعل يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع، فيجعل الإنسان حماراً. (المفردات، ص ٢٢٦).
وهذا النوع وهم لا حقيقة له، فالساحر وكذلك الشيطان لا يستطيع الواحد منهما أن يؤثر في الكواكب والنجوم، ولا يستطيع أن يغير طبيعة الإنسان أو الحيوان، فيجعل أحدهما مكان الآخر، وإن وقع مثل ذلك أمام الناس فهو فعل الشيطان فإنه يضع الإنسان بسرعة لا تدركها عين الإنسان في موضع الحيوان أو الحيوان في موضع الإنسان.
الرابع: علم من شأنه أن يكره الزوج إلى زوجه، وقد يمرض الإنسان، وهو يتم من خلال تمتمات الساحر، ونفخه في العقد، واستعانته بالشيطان.
٦- للسحر الذي أخذ به اليهود مصدران
بعد أن برأ الله عبده ونبيه سليمان عليه السلام مما رمته به يهود، قرر أن للسحر الذي اتبعه اليهود مصدران:
الأول: ما تلته الشياطين على عهد ملك سليمان.
والثاني: ما أنزله الله على الملكين هاروت وماروت بمدينة بابل.. ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾، ومدينة «بابل» مدينة لا تزال بقائها وآثارها وقصورها قائمة إلى اليوم بالعراق، قرب نهر الفرات، وكانت قديما على شاطئه، وكانت من أعظم مدن العالم في وقتها، وقد وصفها هيروتس رحالة يوناني عاش ما بين ٤٨٤ - ٤٢٥ ق.م)، شيخ المؤرخين في عصره باتساعها، وكثرة علومها وفنونها ومن هذه العلوم علم السحر والفلك. ولا يزال للسحر وجود واضح في العراق على مر التاريخ، فقد ذكر بدر الدين الشبلي أن الإمام مالك بلغه أن عمر بن الخطاب أراد الخروج إلى العراق، فقال له كعب الاحبار: «لا تخرج يا أمير المؤمنين، فإن بها تسعة أعشار السحر والشر، وعزا بدر الدين هذا الخبر إلى مالك في موطئه، وقد ذكر المؤرخون في بابل حكايات وأساطير وأخبارا مغرقة في الخيال. (معجم البلدان لياقوت: ٣٠٩/١). وماء في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾، موصولة، على ما قرره ابن جرير الطبري، وهي معطوفة على ﴿مَا﴾ في قوله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي اتبع اليهود ما تتلو الشياطين على عهد ملك سليمان، واتبعوا ما أنزل على الملكين.
ويصح أيضاً أن تكون معطوفة على السحر والمعنى الشياطين يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين (راجع ابن جرير، ٤٥٩/١).
وهذا النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾، وفق ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، وكثير من المفسرين يدل صراحة على أن الله أنزل السحر على ملكين بمدينة بابل فتنة وابتلاء واختبارا للناس.
٧- الدليل على أن هاروت وماروت كانا ملكين
والدليل على أن هاروت وماروت كانا ملكين أنهما كانا إذا جاءهم أحد من الناس يريد تعلم السحر ينصحانه بعدم تعلمه، ويخبرانه أن تعلمه كفر، ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾، فلو كانا شيطانين لما نصحا العباد، فالشيطان لا يكون ناصحا أبدا .
٨- الحكمة من وراء تكليف الله الملكين بتعليم الناس السحر لعل الحكمة من وراء تعليم الملكين الناسرالسحر في ذلك الزمان تنبيه الناس إلى أن السحر ليس بالشيء العظيم الذي لا يناله إلا الخاصة وأصحاب العقول، كما كان كثير من الناس يظن، فقد أقام الله الملكين يعلمان الناس السحر ويقولان له: كل واحد يستطيع أن يكون ساحرا، ولكننا نحذركم من السحر، فإن السحر كفر، يجلب غضب الله. فإن قيل : وكيف نزل الكفر على الملكين؟ وهم يفعلون ما يؤمرون ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، فأنى يصح أن يتكلموا بالكفر ويعلموه؟ والجواب: إن الملكين ليسا بعاصيين في حال تعليمهما الناس السحر بل هما مطيعان الله ذلك أنهما مكلفان بهذا من الله تعالى ابتلاء واختبارا من الله لعباده. والفتنة الابتلاء والاختبار، ومنه قولهم: فتنت الذهب بالنار، إذا امتحنتها لتعرف جودتها من رداءتها .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل