; النص الثابت والواقع المتغيّر : كيف نوفّق بينهما؟ | مجلة المجتمع

العنوان النص الثابت والواقع المتغيّر : كيف نوفّق بينهما؟

الكاتب غازي التوبة

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998

مشاهدات 62

نشر في العدد 1310

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 28-يوليو-1998

يتساءل كثير من الكتاب والمفكرين المعاصرين الذين يتعاملون مع القضايا الإسلامية بصورة مباشرة أو غير مباشرة ومنهم: محمد سعيد العشماوي محمد شحرور، محمد أركون... إلخ، عن كيفية التوفيق بين نصوص ثابتة القرآن والسنة، وواقع متغير، وهم من أجل حل هذه الإشكالية يُصدرون أحكامًا جديدة مخالفة للأحكام الإسلامية السابقة، ويتعللون أن تلك الأحكام كانت نتاج واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي معين، لذلك ومع تغير هذا الواقع يجب أن يتغير الحكم، فهل هذه المشكلة حقًا مشكلة جديدة؟ وهل يجوز أن نصدر أحكامًا مجردة من أي ضوابط من أجل حل هذه المشكلة؟

 المشكلة ليست جديدة بل قديمة قدم النص القرآني، ونحن من أجل تسهيل مناقشتها يمكن أن نُجزئها إلى قسمين:

1 - النصوص المتعلقة بالعقيدة وبالأسرة وبالحدود .... إلخ.

2 - النصوص المتعلقة بالاجتهاد بشكل عام.

أما بالنسبة للنصوص المتعلقة بالعقيدة وبالأسرة وبالحدود فقد جاء ثبات أحكامها من ارتباطها بالجانب الثابت من كيان الإنسان الذي أطلق عليه القرآن مصطلح «الفطرة» فقال تعالي: ﴿فِطرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِی فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَیهَا لَا تَبدِیلَ لِخَلقِ ٱللَّهِ ﴾(الروم :۳۰). ومن مظاهر الفطرة الثابتة على مدار التاريخ: التعبد ،حب المال، حب التملك. التجاذب بين الذكر والأنثى، الخوف... إلخ؛ لذلك وجدت نصوص عالجت هذه الجوانب الفطرية. 

ففي مجال التعبُّد بيّنت النصوص صفات الله الذي يجب أن يتجه المسلم إليه بالعبادة، وبيّنت أنواع العبادة من: صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، ووضحت كيفيتها وأوقاتها، وبيّنت أجر المتعبد وعقوبة غير المتعبد.

وفي مجال التملك والمال، فقد أباحت النصوص التملك وحللت بعض طرق الكسب وحرمت بعضها الآخر، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلبَیعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰا﴾ (البقرة: ۲۷۵)، ووضحت أوجه إنفاق المال، فحرمت الإسراف والتبذير، ووضعت حد السرقة لمن يدفعه الطمع إلى التعدي على مال غيره، ووضعت الضوابط المتعددة لهذا الحد.

وفي مجال التجاذب بين الذكر والأنثى، دعت النصوص إلى الزواج وتكوين الأسرة، واعتبرت الزواج هو الطريق المشروع للعلاقة بين الاثنين، وحرمت ما عدا ذلك، لذلك بينت نصوص كثيرة الحقوق والواجبات لكل من الزوجيين والأولاد. وبينت أحكام الطلاق والميراث، ووضحت عقوبة الزني والقذف.

وفي مجال الخوف بيّنت النصوص أن هناك خوفًا فطريًا لا إثم فيه فقد وقع فيه الأنبياء، فقد خاف إبراهيم عليه السلام من الملائكة عندما وجد أن أيديهم لا تصل إلى الطعام الذي قدمه إليهم، وخاف موسى وهارون عليهما السلام المواجهة مع فرعون، لكن هناك خوفًا محرمًا هو الذي يحول دون قول الحق أو الوقوف إلى جانبه، ودعت النصوص المسلم أن يوجه خوفه إلى مقام الله وعذاب الآخرة لكي يستطيع أن يكون في مستوى الصدع بالحق والجهر به.

 أما بالنسبة للآيات الأخرى المتعلقة بالاجتهاد فقد حكمها بشكل عام علم أصول الفقه الذي جاء استجابة لآيات متعددة في القرآن الكريم تُبين للمسلمين طبيعة القرآن الكريم وصفاته، فقد جاء في تلك الآيات أنه قرآن عربي، قال تعالى ﴿إِنَّاۤ أَنزَلنَـٰهُ قُرءَ  نًا عَرَبِیّا لَّعَلَّكُم تَعقِلُونَ﴾ (يوسف:2)

وأن فيه نسخًا، قال تعالى: ﴿ مَا نَنسَخ مِن آیَةٍ أَو نُنسِهَا نَأتِ بِخَیر مِّنهَاۤ أَو مِثلِهَاۤ أَلَم تَعلَم أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیء قَدِیرٌ ﴾ (البقرة:106)، وأن فيه مُحكمًا ومتشابهًا، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَیكَ ٱلكِتَـاٰبَ مِنهُ آیَـٰات  مُّحكَمَـاٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلكِتَـاٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـاٰبِهَـٰات﴾(آل عمران :۷)، وأن فيه المجمل والمفصل، قال تعالى:﴿الركِتَـاٰبٌ أُحكِمَت آیَـٰاتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَت مِن لَّدُن حَكِیمٍ خَبِیرٍ﴾ (هود: ١)... إلخ.

كانت هذه الآيات محور علوم متعددة: المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفصل..... إلخ، وقد تكون علم أصول الفقه من العلوم السابقة بالإضافة إلى قواعد أخرى مثل: الاستحسان، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والاستصحاب ..... إلخ. وقد مر علم أصول الفقه بمرحلتين مهمتين هما

الأولى : إقراره بتعليل الأحكام في وجه  الاتجاه الظاهري الذي يرفض مثل هذا الإقرار بحجة أن الله لا يُسأل عما يفعل، وأنه لا حكمة ولا علة وراء أي أمر من الأوامر، وأن البحث عن الحكمة والعلة تنطع في الدين وبُعد عن الصواب 

وافتراء على الله، ولكن هذه المدرسة في الفقه التي مثلها داود الظاهري في المشرق وابن حزم في المغرب انحسرت لصالح المدرسة الثانية التي وضحت أن الله بين لنا الحكمة من بعض الأعمال. حيث قال: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَیكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ﴾ (البقرة :١٨٣)وكان ابن القيم الجوزية من العلماء الذين قبلوا تعليل الأحكام والبحث عن الحكمة من ورائها، وأقر بالعجز عن إحصاء الآيات والأحاديث لكثرتها، وقد سمح  لنفسه أن ذهب في البحث عن الحكمة شوطًا بعيدًا، فتساءل عن الحكمة في أداء صلاة الفجر ركعتين في حين أن الظهر أربع ركعات... إلخ.

الثانية : أخذه بمقاصد الشريعة واعتباره أن الله أرسل الأنبياء وأنزل الشرائع لتحقيق مصالح العباد، وقد جاء هذا التطور على يد أبي إسحاق الشاطبي تتويجًا للمرحلة السابقة، واعتبر الشاطبي أن استقراء آيات الشريعة تبين أن القصد من إنزال الأديان السماوية هو تحقيق خمسة أمور: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ النسل، حفظ العقل، حفظ المال، واعتبرها من الضروريات التي لا تستقيم حياة الناس بدونها، واعتبر أن هناك أمورًا حاجية تأتي بعد الضروريات في المرتبة، لترفع الحرج عن الناس وتُيسر سُبل العيش كالرخص في العبادات واعتبر كذلك أن هناك أمورًا تحسينية تأتي بعد الحاجية ترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، فلما ندب إلى الإنفاق ندب أن يكون الإنفاق من طيب الكسب، ودعا الشاطبي ضرورة تسلح المجتهد بعلمين

الأول: العلم باللغة العربية.

والثاني: العلم بمقاصد الشريعة، كي يستطيع أن يربط بين الجزئي والكلي، فيما يُستفتى فيه.

 وبعد هذا التوضيح تستطيع أن نقول لقد كانت العلاقة بين النص الثابت والواقع المتغير محلولة فيما سبق من تاريخ الاجتهاد الإسلامي، وإذا ادعى بعض الباحثين الآن أن هناك مشكلة بين النص الثابت والواقع المتغير دون دخول في النوايا أو الانتماءات الأيديولوجية فإننا نقول: عليهم أن يُثبتوا أحد أمرين أو كليهما.

الأول: أنه ليس هناك فطرة، وليس هناك جانب ثابت في كيان الإنسان، بل داخل الإنسان في تغيُّر وتحوُّل مستمرين كالمحيط الخارجي.

الثاني: أن يُثبتوا عدم ملاءمة علم أصول الفقه للاجتهاد في وقتنا الحاضر، وعجزه عن التوفيق بين النص الثابت والواقع المتغير.

إن أبرز من قام بجهد في الحقل الثاني الدكتور عادل ضاهر في دراسته التي تناولت النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة، والتي جاءت في ملحق «آفاق» من جريدة «الحياة»، بدءًا من العدد (۱۲۰۳۵) بتاريخ 5 فبراير ١٩٩٦م، والتي رددت عليها في عدد تالٍ، وإلى أن توجد مثل هذه الدراسات التي تسد هذه الثغرة بشكل علمي وموضوعي فإنه يجب الاستمرار في اعتماد علم أصول الفقه، مع الانتباه إلى وجود فرصة جيدة لتنميته وبالذات في مجال المقاصد، بحيث تتسع قدرة المجتهدين على المواءمة بين النص الثابت والواقع المتغير .

الرابط المختصر :