الثلاثاء 03-يونيو-1980
أقصوصة
كان الجو جميلًا في ذلك اليوم من أيام الصيف حین جلست مع صديقيّ محمود وشادي على ربوة مرتفعة تطل على سهل فسيح تكسوه الخضرة، ومنظر الشمس وهي تلقي بأشعتها الذهبية عليه يكسبه رونقا وروعة جذابتين... فسبحان الله العظيم.
رفع محمود رأسه وهو يداعب حصيات في يده ونظر إلى شادي وقال:
لقد كان بإمكانك الاستماع إلى نصيحتي بالمذاكرة من أول العام المنصرم، فلو أخذت بها لما حل بك ما أنت فيه من الندم!
أحسست وأنا أستمع إلى هذه الكلمات التي قالها محمود لشادي بكل الدهشة ولم أشأ التدخل إلا بعد أن أسمع رد شادي... بدأت أنظر إلى شادي وحاله تبعث في النفس الحزن والألم فقد اغرورقت عيناه وطأطأ رأسه محدثًا نفسه بكلمات لا تسمعها... وبعد فترة من الصمت قال شادي بصوت مرتجف خفيض:
نعم يا محمود كان بإمكاني الأخذ بها، ولكنه الكبر فلم أقبل نصحك، فأنا أكبر من أن ينصحني واحد مثلك هذا ما كان في تصوري في تلك الفترة فلو عرفت أن النصيحة مجردة لأخذتها، ولكن لم أنظر إلى عين النصيحة، ولكن نظرت إلى الناصح فسخرت منه وهزئت به كيف أقبل نصيحة هذا الفقير الرث الثياب وأنا ابن ذلك التاجر المشهور لم أكن أعرف أن النصيحة لكونها نصيحة يجب أن أقف عندها وأتدبرها سواء أكانت من فقير أو غني من قصاصة ورق أو من كتاب... لقد كنت أعلو بنفسي على الناس جميعًا...
ثم وقف ومشى خطوات واضعا يديه على وجهه... لقد شعرت بالألم يعتصرني لما يعيش به شادي من حزن وندم فملت على محمود وقلت ما كان يجب أن تسأله هذا السؤال الذي لم أكن أتوقعه منك في هذه النزهة حتى ينسى، ويكفي ما نصحته قبل ذلك.
قال محمود: كلا! لو أننا تركناه حتى يهدأ لكانت النصيحة غير مثمرة كما كانت في السابق فثمارها تقطف في أوقاتها وهذا هو أنسب الأوقات لاقتطافها كما أن كثرة الطرق تحطم الصخر.
وقفنا معا ثم اتجه محمود نحوه قائلًا يا أخي إن الحياة أقدار وعبر من الله وقد حل قدر الله، وما شاء الله فعل، ولا داعي للحزن والندم فقد مر العام، ولكن يجب أن نأخذ العبرة ولا نمر عليها مر الغافلين على آثار ثمود وعاد فلا يتحرك لهم شعور ولا يسعفهم نظر... والعام القادم ابدأ بنشاط وثقة وإيمان.
نعم يا محمود.. قالها شادي... وقد رفع يديه على وجهه... نعم...! ولكن ضاعت سنة ثمينة لا ترجع...!!
أبو صهيب
من المجلات التي وصلتنا:
(العباد) العدد 128و 129 وهي نشرة شهرية تصدرها جماعة عباد الرحمن في لبنان والنشرة على صغر حجمها إلا أنها تقدم للقارئ زادًا فكريًا حقيقيًا، فقد كان فيهما بحوث عن الصدق، وعن الإمام الأوزاعي رحمه الله وعن حلم الرسول صلى الله عليه وسلم وبره، ثم بحث عن نشأة النجوم والمجرات ومقالات بعنوان: رجعة لا رجعية ومقال عن عجائب القرآن الكريم.. والنشرة تستحق الاهتمام والدراسة.
همسة
ما أكثر الذين يكتبون إلينا عاتبين على المجلة أنها لا تلتفت باهتمام إلى الأدب بكل فنونه وهو خضم في الفكر عريض، وتأثيره على الناس جميعًا... عجيب؟ ركب موجته القوم يسارًا ويمينًا، فأظهروا أفكارًا وابتدعوا مذاهب.
فما بال الإسلاميين لم يرودوا هذا المدى بقوة، ولم يأخذوا بأسبابه بجد وأدب؟ ولماذا لا تفتح «المجتمع» صدرها لما هو موجود من إنتاج طيب؟
إخوتنا الأحبة:
عتابكم مقبول، وآراؤكم طيبة، بارك الله فيكم.
ولكن... ها هي الساحة أمامكم، فاعملوا بقدر ما تطلبوا فكل منكم على ثغرته، وهو مسؤول عنها ولا عذر بعد اليوم... وأهلًا بكم دائمًا في هذا المنتدى.
فكرة
والآن... إلى الأدب الإسلامي
مضى على الناس زمن كانت الساحة الأدبية فيه، حكرًا على قلة من الكتبة المرتزقة، همهم ما يدخل جيوبهم من ثمن ما يكتبون، بعد أن يكونوا قد أفسدوا الأذواق والعقائد والأفكار، بما يمجونه على الصفحات الصفر، يستوي في ذلك من كان إلى اليمين، ومن مال مع اليسار!...
ولا أدل على ذلك من مثل بسيط: وهو ما اقترفه المترجمون بحق أمتهم وهي منهم براء- حين نقلوا ذلك الهذر الذي طرحه فيلسوف الوجودية الفرنسي «جان بول سارتر» وماروج له الشعراء اليساريون والكتاب القوميون من نظريات مستحدثة وأفكار دخيلة.
أدب مشبوه، ونماذج مريضة، ظلوا منذ بداية النهضة يرمون بهما وجوه الناس، وفي هذا الخضم المتلاطم كان الأدب الإسلامي نبتة صغيرة تشق الأرض الصلدة وترفع رأسها بحياء، ولكن بقوة خلال العاصفة الهوجاء حتى استوت شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وستستطيل -بإذن الله- حتى تغطي فروعها الدنيا فتستظل بها الأرواح الهائمة والنفوس العطشى إلى الكلمة الندية والنغم الطاهر البليل فإلى الأدب الإسلامي...... كتابًا وقراء، والسلام...
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل