; النصف الآخر | مجلة المجتمع

العنوان النصف الآخر

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1993

مشاهدات 92

نشر في العدد 1048

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 04-مايو-1993

لقد هزم المسلمون في واقعنا المعاصر في ميدان المرأة، وأشعل الاستعمار الفتنة بها، واستعملوها سلاحا لمحاربة الإسلام، واستغلالها أبشع استغلال لوأد الفضيلة ونشر الرذيلة وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. ولولا أن بدأنا نستعيد دورها الحقيقي للإبقاء على دين وخلق الجيل المسلم، وإن كان الإسلاميون لا يزالون مختلفين في هذا الدور، والضرورة تدعو إلى توضيحه وتأصيله؛ لقناعتنا بأنها أكثر من نصف المجتمع عدديا وتأثيرا.

لقد كان أول أمر إلهي للبشرية ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (البقرة:35)، فهما سواء في وحدة الأصل من طبيعة إنسانية تنوع فيها الذكر والأنثى (بعضكم من بعض) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات:13) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء:1). من هذا نعلم أن النساء شقائق الرجال.

وسواء أيضا في حق الحياة لا كما يظنون غير الحق ظن الجاهلية ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ (النحل:58- 59)، فتوأد المرأة وأدا ماديا أو معنويا بجعلها حبيسة البيت كاللاتي يأتين الفاحشة ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء:15)، وإن كانت هذه الآية منسوخة ولكن ذكرناها لعبرة. وفي المخاطبة والتكليف ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب:36)، وفي الجزاء الدنيوي والأخروي ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا...﴾ (النور:2) ﴿فاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (آل عمران: 195). وفي وجوب الدعوة وتبليغ الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (التوبة:71).

وفي حق العلم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:9)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وهذا يعم كل مسلمة أيضا. وقوله: «أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها...» الحديث، وقول الله تعالى لنساء النبي: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب: 4). وقال نفر من النسوة للرسول: اجعل لنا من نفسك يوما، فوعدهن بقوله: «موعدكن بيت فلانة»، أي خصص لهن يوما لتعليمهن.

وكان في النساء معلمات كثيرات، منهن عائشة وحفصة؛ قال عروة بن الزبير: ما رأيت أحدا أعلم بطب ولا فقه ولا بشعر من عائشة. وعن أبي موسى الأشعري قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها علما.

وفي الأهلية المالية ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (النساء:32)، فهي ليست كالسفيه يحجر عليها ويمنع تصرفها حتى في مالها، بل لا يملك زوجها أو وليها حق التصرف بمالها دون إذنها.

وللمرأة دور بارز وملحوظ في مراحل الدعوة الإسلامية؛ فأول صوت ارتفع في الإسلام صوت امرأة، وهي خديجة، نعم المعين المؤازر للرسول صلى الله عليه وسلم. وأول شهيدة سمية أم عمار بن ياسر، عذبت حتى الموت. وأول المهاجرات إلى الحبشة أم سلمة هند بنت أبي أمية، وسهلة بنت سهل، ورقية بنت رسول الله، وليلى بنت أبي حثمة. وفي الهجرة الثانية تسع نسوة، منهن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان أم المؤمنين. وفي بيعة العقبة ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان: نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو بن عدي. وفي الهجرة إلى المدينة ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر، ودورها في الهجرة لا ينكر، وتحملها ضرب أبي جهل ومشاق الطريق.

وفي القتال أبلت بلاء حسنا أم عمارة نسيبة بنت كعب، باشرت القتال بنفسها وذادت عن رسول الله بالسيف ورمت بالقوس حتى أثخنت بالجراح. وأم سليم بنت قيس بن عمرو كانت تغزو وتتخذ خنجرا. وصفية بنت عبدالمطلب قامت بما عجز عنه حسان الشاعر؛ ضربت يهوديا وقطعت رأسه ورمت به عليهم. وكن يخرجن في الغزوات يقمن بالسقاية ويداوين الجرحى ويقمن على المرضى ويصنعن الطعام.

وكانت فاطمة بنت سهل بن سعد طبيبة ماهرة، ورفيدة تداوي جرحى المسلمين وتحتسب بنفسها، وأم عطية الأنصارية غزت سبع غزوات تخلفهم في رحالهم وتصنع لهم الطعام وتضيف الضيفان.

وفي الحياة السياسية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (الممتحنة:12) الآية. وعن أميمة بنت رقيقة قالت: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة فقال لنا: «فيما استطعتن وأطعتن الله ورسوله»، وذلك بالإشارة بالأيدي دون المصافحة. ولها المشاركة في الاحتساب والقضاء في قضايا النساء دون مناصب الولاية العامة، وإجارة الأسرى والمحاماة: «لقد أجرنا من أجرت يا أم هانئ»، وإعلان الصلح والعهد، كما فعلت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان من اللواتي حرضن على القتال واستأجرت وحشيا لقتل حمزة، إذ أعلنت توبتها ومحبتها للنبي صلى الله عليه وسلم وسخرت طاقتها في خدمة الإسلام.

وفي الفتيا والجدل، وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت الآية ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ...﴾ (الأحزاب: 35). وخولة بنت ثعلبة قالت: يا رسول الله أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك؛ فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ (المجادلة:1).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحل مشاكلهن الخاصة «كالتي تصرع وتتكشف فدعا لها»، وامرأة لها مشكلة خاصة جلس معها في الطريق ليسمع حاجتها. وليس في مخاطبتها للرجال للحاجة، دون الخضوع بالقول أو ما فيه مدعاة للافتتان، من حرج.. «إنما قولي لامرأة منكن قول لمائة امرأة». وفي حديث المرأة سعفاء الخدين التي قالت: «سبقنا إليك الرجال فاجعل لنا يوما». ولها أن تبيع وتشتري وتدلي بشهادتها أمام الحكام والقضاة والتدريس ورواية الأخبار؛ فهناك سبعمائة امرأة روين عن رسول الله سننا. وعيادة المرضى «عادت أم الدرداء رجلا من أهل المسجد من الأنصار»، «ووعك أبو بكر وبلال فدخلت عائشة فقالت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟» رواه البخاري.

وحضور الحفلات الهادفة والمشاهد الهادفة إن عرضت في دور مخصوصة كجمعيات النفع العام والبر الخيرية ممن يقوم عليها أناس يؤمنون بالله واليوم الآخر ويراعون شروط حضورها «قالت عائشة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه (بعد ما ضرب على نساء النبي الحجاب) وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأم». فاقدروا قدر الجارية حديثة السن الحريصة على اللهو وعمرها إذ ذاك خمسة عشر عاما.

ولها الخروج لحاجتها التي لابد منها، لزيارة مشروعة أو لقضاء حاجة دينية أو معاشية أو علمية أو تدبير غير ذلك من مصالح المجتمع الأساسية مادام ذلك في نطاق الآداب الإسلامية؛ كما في الحديث: «قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن» متفق عليه. ولها زيارة أهلها وللمعالجة.

وليس المقصود بالقرار في البيوت ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (الأحزاب:33) عدم الخروج مطلقا؛ ألا يرى أن المرأة تخرج للحج ولأداء الصلاة في المسجد «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، وكان نسوة النبي والصحابة يحضرن الفجر والعشاء متلفعات بمروطهن لا يعرفن من شدة الغلس. ولها أن تحضر دروس النساء والرجال وخطب الجمعة وتشهد العيدين في المصلى ولو كانت حائضا، إنما المرأة تقر في بيتها ولا تخرج بلا غرض مشروع أو سبب معقول ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ* فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ﴾ (القصص:23- 24).

فخروجهن للعمل كان للحاجة أو الضرورة، حين لا تجد من يعولها من زوج أو أقرباء أو لم يقم بيت المال بواجبه نحوها يجوز لها أن تخرج وتعمل لتكسب قوتها، وذلك في ميدانها الخاص بلا مزاحمة أو اختلاط بالرجال؛ لأن وظيفة المرأة الأساسية القيام بالبيت وأداء دور الزوجية والأمومة. وإذا خرجت لا تخرج إلا بإذن وليها، محافظة على لباسها الشرعي بلا إغراء في الأشكال والألوان وتخفي من زينتها إلا ما ظهر منها، وليخرجن تفلات بلا عطور مع التزام الآداب الإسلامية، في مجال الأعمال المناسبة لطبيعتها الأنثوية.

ولا تسافر من غير محرم أكثر من مسيرة يوم وليلة، ولا تختلي بأجنبي إبعادًا لسوء الظن ولو كانت متحجبة، والحمو من الأقارب للزوج موت لها، ولا تصافح أحدا، ولا تزاحم الرجال بمناكبها حفاظا لسمعتها وإبعادا لسوء الظن عنها وصيانة لها مما قد تتعرض له من مشاكل وأخطار.

ويتبع إن شاء الله.


اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2123

182

السبت 01-سبتمبر-2018

متفرقات.. حول المرأة

نشر في العدد 213

120

الثلاثاء 13-أغسطس-1974

الأسرة (213)