; النشاط التنصيري بين الأطفال في جنوب شرق آسيا | مجلة المجتمع

العنوان النشاط التنصيري بين الأطفال في جنوب شرق آسيا

الكاتب ابتهال قدور

تاريخ النشر الأحد 10-مايو-1992

مشاهدات 83

نشر في العدد 1000

نشر في الصفحة 32

الأحد 10-مايو-1992


·       مسؤول تايلاندي يعترف: 400000 حامل لفيروس الإيدز في تايلاند

لم يكن قصدي وأنا أختار هذا الموضوع للترجمة هو الإثارة الصحفية، كما لم يكن أيضًا بهدف تقديم معلومات جديدة، فالظلم المنتشر في مناطق شرق آسيا، والانحرافات الطاغية هناك أصبحت تتناقلها ألسنة العامة فضلًا عن معظم وسائل الإعلام.

ما شدني في الحقيقة هي هذه المرأة النصرانية التي وهبت نفسها وهي في مقتبل العمر لأداء مهمة إنسانية كالمهمة التي تؤديها، ربما كان المسلمون أحق وأولى بالقيام بها وبأمثالها من الأدوار التي ترد ظلمًا وتنشر عدلًا. وما لفت نظري هو ذلك الإصرار الذي تتحلى به في مواجهة وسائل التعذيب التي تتعرض لها والتهديدات المستمرة التي تتلقاها، لا أريد أن أضع هالة حول امرأة حركتها عقيدتها، إنما أتساءل: إذا كان ما تستطيع المرأة تقديمه إرضاء لنداء إنساني يبلغ حد المخاطرة بالنفس، فإلى أي مدى يمكن أن يصل إصرار المرأة المسلمة التي تملك من الأسباب والأهداف ما يتعدى حدود هذا العالم؟ أوساط كثيرة يتناسى المسلمون حمل الدعوة إليها. هذا الوسط واحد منها.


رحلة الألم ومعرفة الحقيقة

إنها امرأة في ال29 من عمرها، أنهت دراستها في العلوم الاجتماعية، وتخصصت بدراسة علم نفس الطفل. ضاقت بجدران المستشفى التي كانت تعمل فيها، وذهبت لتعد تقريرًا حول الظروف المعيشية التعيسة للطفل في مخيمات اللاجئين في تايلاند، هناك لاحظت اختفاء العديد من الأطفال، لم تستطع ترك الأمر بدون متابعة، قررت أن تبدأ البحث عن سر اختفائهم وتبدأ بذلك رحلة الألم. تسبقها دموعها وهي تقول: «لقد كانت عملية البحث قاسية جدًا، ولكن الأقسى كان معرفة الحقيقة، فقد كان الجنود المشرفون على حراسة المستشفى يقومون بخطف أو شراء الأطفال من أهاليهم، ويبيعونهم بدورهم لتجار الرذيلة». معرفة الحقيقة كانت بالنسبة لهذه السيدة بداية مرحلة جديدة.


محاربة الرذيلة والرق الحديث

تعاونت مع أحد المتطوعين وبدأت بإصرار وثبات مهمتها الإنسانية الصعبة والتي لا تخلو من مخاطرة. تظاهرت بأنها زبونة ورتبت برنامجًا يمكنها من زيارة معظم بيوت الرذيلة، قامت فعلًا بزيارة 60 بيتًا خلال 3 أشهر، قطعت فيها المسافات الطويلة متنقلة بين عدة مدن، ولم تكن ترفض أن تدفع لهم طلبهم من الدولارات مقابل أن تلتقي بهؤلاء الأطفال الذين تم استخدامهم لأغراض دنيئة بدون مراعاة لأدنى حقوق الطفولة والإنسانية، تقول السيدة: «كنا نقضي الليلة مع الطفل نحدثه ونطمئنه ونستمع إليه ثم نغادر مع الفجر. في أحد الأيام اشترينا الطفلة «تول» البالغة 6 سنوات بمبلغ 1000 دولار، وأعدناها إلى أهلها، وهنا تلقيت أول إنذار من إدارة العصابات المختصة بسرقة الأطفال. ثم قبضوا عليّ ليلًا وحرقوا جسمي بالسجائر، تلك العقوبة التي يستخدمونها مع كل طفل يقاوم رغباتهم ويرفض أداء مهامه على أكمل وجه»، إلا أن التعذيب لم يكن ليثني السيدة عن عزمها في مواصلة البحث.

وحين تزوجت اختارت الرجل الذي سيكون لها عونًا في تحقيق آمالها الإنسانية الرامية إلى انتشال هؤلاء الأطفال مما يعانونه ومن ثم الإشراف على تنشئتهم ورعايتهم في أجواء أكثر أمنًا، وعلى الرغم من العوائق الكثيرة، والمراقبات المشددة التي كان يفرضها عليها أعضاء العصابة والمستفيدون من الزبائن، كانت تزداد ثقة وإصرارًا. وكان من الأرقام الواقعية التي حصلت عليها خلال جولاتها في دولة يبلغ عدد سكانها 56 مليون نسمة، وجود 250000 طفل -من الذين تتراوح أعمارهم من 6 إلى 16 سنة- يستخدمون قسرًا في أعمال الرذيلة. 85% منهم مصاب بأمراض جنسية معدية، و28% مصابون بالإيدز أو يحملون الفيروس. هذا ويبلغ عدد السياح سنويًا 83000 سائح أوروبي، كيف لا ومختلف مكاتب السياحة والمكتبات مختصة بالدعاية المغرية عن أماكن بيع اللحوم البشرية بأثمان رخيصة جدًا.

تقول السيدة ماري فرانس: «لقد شهدت أبشع أنواع الرق وهو الذي يسخر الأطفال لإشباع شهوات الكبار الشاذة». وتواصل: «لقد قال لي أحد المسؤولين إنه لا ينبغي أن نحكم على الأمور من منطلق تقاليد متحضرة، فالدعارة هنا ظاهرة ثقافية». وأعجب لظاهرة ثقافية تستخدم التعذيب والحرق والكسر كأسلوب لإرغام الأطفال واستخدامهم في أعمال منافية لأدنى حقوق الإنسانية والطفل». هذه الأساليب من التعذيب ثبت صدقها بعد فحص أجسام الأطفال الذين تم تخليصهم من تلك البؤر والبالغ عددهم 1000 طفل، تبذل السيدة جهودًا كبيرة للحصول على مبالغ مالية بهدف تخليص الأطفال ورعايتهم في القرى الصغيرة التي أشرفت على تكوينها، حيث فتحت مدرسة وأمنت لهم حياة آمنة على ضفاف جزيرة «كواي» كما تبذل جهودًا أكبر في إقناع بعض العائلات الميسورة لإيواء بعض هؤلاء الأطفال.


قصص من الضحايا وجهود الإنقاذ

إحدى الفتيات اللائي تم إنقاذهن توجه نظرة ألم نحو منقذتها وتحكي قصتها: «عمري 14 سنة وأعاني من الزهري، منذ سنتين باعتني أمي لأحد التجار الذي باعني بدوره لتجار الرذيلة، رفضت الاستسلام في البداية، عذبوني بالحرق والخنق إلى أن استسلمت بعد شهرين أقدمت على الهرب، ونجحت في الوصول إلى قريتي رميت بنفسي في أحضان أمي إلا أنها طلبت مني أن أتبعها، أثناء الطريق اكتشفت أنها تقودني إلى المكان المؤذي الذي كنت فيه، آثرت الانتحار وألقيت بنفسي في قناة إلا أنهم أنقذوني وأعادوني حيث كنت، كنت أكره حياتي وأتمنى الموت باستمرار، في أحد الأيام كتبت رسالة وأعطيتها لأحد الزبائن ورجوته أن يوصلها لمعلمتي مع إدراكي الكامل أن الرسالة لو وقعت بيد صاحب المحل لقتلني وكنت أفضل هذا على الاستمرار في ذلك النمط من الحياة. أوصلت المعلمة الرسالة إلى السيدة «ماري فرانس» التي سارعت إلى إنقاذي، ولأنني لا أريد أن تجبر أخواتي الصغيرات على نفس ما أجبرت عليه، رفعت دعوى ضد أمي التي حكم عليها بالسجن لمدة 23 عامًا».


دعوة عالمية لمكافحة الرذيلة

راحت هذه السيدة تنشر الوعي في الأوساط السياسية وتقدم الأدلة إلى أن حصلت أخيرًا على دعم أحد وزراء الدولة الذي أعلن الحرب على تجار الرذيلة والمخدرات، فكان الرجل الأول الذي اعترف بوجود حقائق أنكرها غيره وأعلن بصراحة: «يوجد 400000 حامل لفيروس الإيدز يوجد عندنا»، هذا يعني أن عام 2000 سيحمل معه عدة ملايين من الموتى، ويتوجه الوزير إلى الدول الغربية يرجوهم أن يكفوا عن الترويج لأعمال الرذيلة، ويطلب منهم أن تكون أهدافهم السياحية إنسانية وراقية، وهو لا يخص بندائه هذا الأوروبيين فقط إنما يشمل الأمريكيين والأستراليين وأيضًا اليابانيين، ولكن المؤسف أن لا أحد إلى الآن أجاب فعليًا نداء هذا الرجل فالجميع يشجع تجارة البشر في تايلاند، ربما تكون سويسرا الدولة الغربية الوحيدة التي توزع كتيبات توعية صحيحة لتجنب الأمراض الجنسية ولمقاومة أساليب وعروض تجار الرذيلة في مكاتبها السياحية وفي شركات الطيران، أما ما تبقى من الدول الغربية فلا دور إيجابيًا يذكر.

تعيش السيدة «ماري فرانس» مهددة فهي قد تفقد حياتها بين لحظة وأخرى وتعلم هذا، ولكنها تصر على رؤية البسمة في عيون أطفالها، على الرغم من أنهم قد أحرقوا لها بعض الملاجئ التي أسستها والتي تقوم فيها بإعادة غرس الطمأنينة في نفوس الأطفال، إلا أنها مستمرة في رفع صوتها عاليًا، وبذل جهودها كاملة لتحقيق أهدافها الإنسانية.




 

الرابط المختصر :