; «الدين والسياسة في نيجريا».. النشأة الاستعمارية ساهمت في تعميق الخلاف بين المسلمين والمسيحيين | مجلة المجتمع

العنوان «الدين والسياسة في نيجريا».. النشأة الاستعمارية ساهمت في تعميق الخلاف بين المسلمين والمسيحيين

الكاتب صبحي علي قنصوة

تاريخ النشر السبت 14-مايو-2005

مشاهدات 68

نشر في العدد 1651

نشر في الصفحة 44

السبت 14-مايو-2005

  •    مسيحيو نيجريا يرغبون في تطبيع العلاقات مع الصهاينة مقابل رفض توطيد علاقة البلاد مع العالم العربي والإسلامي

تسعى هذه الدراسة إلى بحث إشكاليات العلاقة بين الدين والسياسة في نيجيريا - أكبر بلد إسلامي في إفريقيا - وذلك منذ استقلالها عام 1960م، في ظل واقع اجتماعي يتسم بالتعددية والانقسام، ليس فقط على أسس دينية، ولكن أيضًا على أسس إقليمية.

ولقد برز الدين كعامل فاعل في السياسة النيجيرية، منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي، حيث يمكن رصد ذلك من خلال عدة مؤشرات أهمها:

- ظهور العديد من الحركات والتنظيمات الدينية كان لبعضها دور سياسي ملموس خاصة في الجدل حول قضايا الخلاف السياسي الديني، وفي زعزعة الاستقرار السياسي نتيجة التوتر والعنف الجماعي ذي الطابع الديني.

- تصاعد الخلاف والجدل العلني - من منطلق ديني – حول العديد من القضايا، ومن بينها شكل وطبيعة العلاقة بين الدين والدولة «علمانية أم إسلامية بحكم عدد السكان»، وعضوية نيجيريا في منظمة المؤتمر الإسلامي، ومكانة الشريعة في النظام القانوني النيجيري.

- تكرار العنف والتوتر الديني في مواقف كثيرة - ليس فقط بين المسلمين والمسيحيين - ولكن أيضًا بين أتباع الديانة الواحدة.

وترى الدراسة أن مشكلة المجتمعات التعددية - كالمجتمع النيجيري الذي يضم أكثر من مائتي مجموعة - ليست فقط في الانقسام الديني «50% مسلمون، 40% مسيحيون، 10% ديانات تقليدية» وما يعنيه من تباين نظم القيم السياسية الدينية، ولكن أيضًا في الطبيعة الرمزية للقضايا الدينية، وما تحمله من دلالات تعطيها قدرًا أكبر من الأهمية، وتجعل من السهل على النخب السياسية توظيف هذه القضايا على المستوى الإقليمي، خاصة في ظل سوء الفهم المتبادل والصور الذهنية السلبية بين أتباع الديانات المختلفة..

وفي هذا الإطار تنطلق الدراسة من ثلاث فرضيات أساسية:

الأولى: أن تصاعد دور الدين في السياسة النيجيرية يرجع – ضمن عوامل أخرى - إلى تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في نيجيريا بعد الاستقلال، خاصة أزمات الهوية والاندماج الوطني والفساد السياسي والاجتماعي وسوء الأداء الاقتصادي.

 الثانية: أن دور العامل الديني في عدم الاستقرار السياسي في نيجيريا يرجع – ضمن عوامل أخرى - إلى سوء الإدراك وسوء الفهم المتبادل بين أتباع الديانات المختلفة هناك، وتحديدًا بين المسلمين والمسيحيين.

الثالثة: أنه في المجتمعات المنقسمة دينيًا - كالمجتمع النيجيري - يتوقف الاستقرار السياسي على مدى تعبير المؤسسات والممارسات السياسية عن هذا التباين في نظم القيم السياسية الدينية، ومن ثم فإن الترتيبات المؤسسة التي تعتمد على الاتحادية «الفيدرالية» وغيرها من أشكال الحكم الذاتي «الإقليمي وغير الإقليمي» تعتبر أكثر تحقيقًا للاستقرار السياسي بالمقارنة بغيرها من الترتيبات المؤسسية.

ومن هنا فقد تم تقسيم الدراسة إلى ثلاثة فصول رئيسة: الأول يركز على تحديد طبيعة الواقع الديني المعاصر في نيجيريا، والثاني يتناول إشكاليات العلاقة بين هذا الواقع والنظام السياسي على المستوى النظري «القانوني والدستوري»، حيث يلاحظ وجود تعارض في الرؤى العسكرية بين المسلمين والمسيحيين فيما يتعلق بطبيعة الدولة «علمانية أو غير علمانية» ودور الدين - الشريعة الإسلامية تحديدًا - في النظام القانوني النيجيري.

أما الفصل الثالث فيركز على المستوى التطبيقي «الممارسات»، حيث يتضمن إشكاليات العلاقة بين الدين والممارسة السياسية في البلاد سواء ما يتعلق بدور الدين في الصراع على السلطة السياسية أو دوره في التأثير على الاستقرار السياسي من خلال التوتر والعنف الجماعي ذي الطابع الديني.

وتشير الدراسة إلى أن من أهم القضايا التي كانت محل خلاف بين المسلمين والمسيحيين ما يلي:

1-   قضية الاعتراف بالكيان الصهيوني، إذ رفض المسلمون الاعتراف به علی عکس المسيحيين الذين كانوا يرغبون في ذلك لما يتلقونه من مساعدات فنية ومالية منه، وانتهى الأمر إلى الاعتراف بالصهاينة بالرغم من معارضة المسلمين.

2-    قضية العلاقة مع العالم العربي والإسلامي، إذ يعارض المسيحيون توثيق العلاقة مع هذه الدول، في حين يرى المسلمون عكس ذلك، إذ يرغبون في توطيد هذه العلاقة خاصة مع مصر، بسبب وجود الأزهر بها.

3-   الخلاف بين الجانبين بشأن انضمام نيجيريا لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والتي تمت عام 1986م، إذ خشي النصارى من أن يكون ذلك مقدمة لتحويل البلاد إلى دولة إسلامية، وكذلك فقد ثارت الخلافات على إنشاء محكمة استئناف شرعية اتحادية وعلى تطبيق الشريعة في الولايات الشمالية.

4-   العلاقة بين الدين والدولة، وهو يرجع بالأساس إلى النشأة المصطنعة للدولة، فالإمارات التي ضمتها بريطانيا لتشكيل شمال البلاد مثل إمارة جواندو وخلافة سكوتو وسلطة برونو هي إمارات إسلامية يتداخل فيها الدين بالسياسة، في حين أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للولايات الجنوبية والشرقية، حيث كان هناك فصل بين الدين والسياسة، وهو ما انعكس على مواقف الجانبين بعد ذلك.

ست مراحل للعلاقة

لقد شهدت العلاقة بين الدين والسياسة في نيجيريا فترات من الشد والجذب، والهدوء والتناغم، حسب القضايا المثارة من ناحية، ونمط تعامل نظم الحكم معها من ناحية ثانية، وفي هذا الإطار يمكن التمييز بين ست مراحل أساسية منذ استقلال البلاد عام 1960م.

 المرحلة الأولى: ويطلق عليها اسم مرحلة الدولة المدنية «الديمقراطية أو الجمهورية» الأولى «1960 – 1966م» وتميزت بعدم وجود حساسيات دينية في العملية السياسية، بل شهدت حالة من الاندماج والتحالفات السياسية بين المسلمين والنصارى.

المرحلة الثانية: مرحلة الحكم العسكري الأول «1966 – 1975م»، والتي بدأت بانقلاب يناير 1966م الذي قام به بعض ضباط الإيبو - النصارى - على الحكم وأدى إلى وصول الجنرال أجوبي إيروتس إلى الحكم، حيث بدأت التوترات الدينية في الظهور خلالها نظرًا لتقلص نصيب المسلمين من المراكز القيادية بعد استيلاء جنرالات مسيحيين على السلطة.

المرحلة الثالثة: ويطلق عليها اسم مرحلة حكم مرتضی الله محمد «مسلم»، والرئيس الحالي أوليسجون أوباسانجو وتمتد من 1975 – 1979م، وشهدت هذه المرحلة تصعيدًا ملموسًا لدور الدين في الحياة السياسية في البلاد.

المرحلة الرابعة: مرحلة الحكم المدني «1979 – 1983»، وتميزت بمحاولة احتواء الخلافات الدينية من خلال توزيع السلطة على أتباع الديانتين المختلفتين بشكل متوازن، إلا أن محاولات استغلال الدين في السياسة ظلت مستمرة.

المرحلة الخامسة: الحكم العسكري الثاني «1983  – 1999م»، وتميزت بظهور الصراع بين المسلمين والمسيحيين على المناصب السياسية.

المرحلة السادسة: المرحلة الراهنة، والتي بدأت عام 1999م منذ تولي أوباسانجو – مسيحي من قبائل اليوروبا – الحكم، وتشهد حالة من التوازن الديني بين المسلمين والمسيحيين، إلا أن مخاوف المسلمين تزايدت في تلك الفترة من احتمال انحياز الرئيس أوباسانجو للمسيحيين لأنه يشاع أنه سبق أن انضم لحركة «المولود من جديد» المسيحية المتطرفة.

السيناريوهات المستقبلية لعلاقة الدين بالدولة في نيجيريا:

 وفي نهاية الدراسة، يطرح الكاتب مجموعة من السيناريوهات المستقبلية لعلاقة الدولة بالدين في نيجيريا، وهي كالتالي:

السيناريو الأول: احتمال انفصال بعض الأقاليم عن الدولة المركزية، وهو ما تدعمه الخبرة التاريخية، حيث سبق أن حاول العديد من الأقاليم الانفصال عن الدولة الاتحادية، مثل محاولة انفصال إقليم بيافرا شرق البلاد عام 1967م، والذي تقطنه أغلبية مسيحية تنتمي إلى قبيلة الإيبو.

السيناريو الثاني: فرض الوحدة الاندماجية بشكل قسري في ظل الحكم العسكري.

السيناريو الثالث: استمرار الدولة في شكلها الحالي مع تعديل دستورها ليكون دستورًا علمانيًا، وليس معنى العلمانية ألا تتدخل الدولة في الأمور الدينية مطلقًا، ولكن تتدخل لتوفير الحرية الدينية لكل الجماعات النيجيرية.

السيناريو الرابع: اعتماد مبدأ الوحدة من خلال التعدد، وذلك من خلال الترتيبات المؤسسية التي تكفل اقتسام السلطة وحماية حقوق الأقليات، وهو السيناريو الذي يؤيده الكاتب.

(*) برنامج الدراسات المصرية - الإفريقية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة 2004م.

الرابط المختصر :