العنوان النسر الأمريكي في الخليج: هل تحمي أمريكا الخليج حقًا؟
الكاتب صالح إبراهيم البليهي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1988
مشاهدات 69
نشر في العدد 869
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 07-يونيو-1988
بريطانيا هي
الدولة الوحيدة المستعدة لمجاراة الولايات المتحدة في مغامراتها الخليجية.
هذا المهرجان
الأمريكي للسفن والطائرات الأمريكية في الخليج العربي، وهذا التواجد العسكري
المكثف، والطلبات الأمريكية التي لا تنتهي من دول المنطقة لإيجاد قواعد دائمة لها
في المنطقة أو على الأقل تسهيلات غير مشروطة، مع التنسيق السياسي والعسكري مع دول
المنطقة، هل هو لحماية الخليج فعلًا؟ وهل هو لصالح دول المنطقة وحسب، كما تدعي
الولايات المتحدة، وأنها لا تجني من ذلك أي نفع مادي سوى الانزلاق في الخطر كما
تنفخ بذلك أبواق الدعاية الأمريكية؟ تعالوا بنا نستعرض بعض الحقائق ونستجلي الأمر
حول هذه الادعاءات الغامضة.
بعض هذه الحقائق
تفرض نفسها كما يقولون، وهي التي تتحدث عن نفسها رغم التصريحات الأمريكية،
فالولايات المتحدة التي بدأت فجأة تقلق من استمرار حرب الخليج بعد نشوبها بسبع
سنوات ونصف، موقف غريب بحاجة إلى شرح وتعليل للأسباب التالية:
1. القوات البحرية الأمريكية موجودة في الخليج
منذ عام 1980 وتشرف على دخول البواخر والسفن من وإلى مضيق هرمز، كما أن الفرقاطات
والطائرات الأمريكية كانت تستوقف العديد من السفن للسؤال عن اسمها وجنسيتها ومصدر
بضاعتها وخط سيرها في الخليج في داخل الخليج العربي.
كما أن حاملات
الطائرات الأمريكية كانت تتناوب المراقبة على المنطقة من المحيط الهندي منذ عام
1978، مع إنشاء قوة التدخل السريع ثم إعلان مبدأ كارتر الذي جعل من الخليج منطقة
حيوية للمصالح الأمريكية في عام 1980، فهذا الوجود ليس جديدًا. فلماذا لم تتدخل
الولايات المتحدة في ذلك الوقت المبكر لحماية مصالح الدول الخليجية من خطر الحرب
التي كانت في بدايتها آنذاك؟
إن الإجابة على
ذلك نجدها في السياسة الأمريكية التي تقضي بأن يكسر الفخار بعضه أولًا، ثم التدخل
في النهاية لفرض النفوذ الأمريكي على الفرق المتصارعة، بعد أن تكون تلك القوى قد
استنفدت معظم قواها.
وقد انتظرت
الولايات المتحدة حتى استنفدت دول الخليج معظم مواردها البشرية والمادية، ثم جاءت
في نهاية الحفلة لتعلن وجودها وتفرض نفوذها المرفوض.
والجواب نجده في
قول مورفي في تصريح له نشرته القبس الكويتية في 17/6/1987 عندما قال: "إنني
لا أتقاضى راتبي للدفاع عن مصالح الكويت!"
وهذا بالضبط هو
سلوك الإدارة الأمريكية الذي عبر عنه قول مورفي أصدق تعبير، فالمصلحة الأولى هي
للإدارة الأمريكية وليس لدول المنطقة كما تتباهى بذلك الولايات المتحدة عبر جولات
موفديها أمثال "جورج بي كريست" قائد القيادات المركزية والأمريكية
وغيرهم.
وقد عبر عن ذلك
أحد القادة العسكريين الأمريكيين بقوله: "إن الكويت بيئة صحراوية مكشوفة دون
أي موارد مائية أو زراعية ولا يمكن القتال فيها، إن قتالنا فيها بمثابة
انتحار".
وقال بأن أمريكا
تفضل أن تترك مهمة الدفاع عن الكويت للقوات الخليجية المرابطة في حفر الباطن، دون
أن يكون لقوات التدخل السريع الأمريكية أي دور! إذن فلو مات أبناء المنطقة في
الدفاع عنها فلا بأس، لكن ليس الأمريكيين.
ألم تترك
الولايات المتحدة الحرب العراقية الإيرانية لتحصد فوق المليون قتيل قبل أن تعلن أن
هذه الحرب قد طالت!
2. أن أمريكا مهتمة بالحصول على قواعد عسكرية
وتسهيلات لبسط نفوذها أكثر من اهتمامها بالدفاع عن المنطقة، ويبرز ذلك انصباب
اهتمامها وطلباتها أثناء المفاوضات والمناقشات عن أمن الخليج على هذه النقاط،
بالرغم من وجود تسهيلات للطائرات والسفن الأمريكية في جزيرة مصيرة جنوبي عمان في
بحر العرب، وميناء قابوس البحري، وفي ميناء سلمان في البحرين، وبالرغم من تواجد
السفن العسكرية الأمريكية وسفن التنصت "لاسال 1 و 2" باستمرار في
المنطقة منذ عام 1978 وحتى الآن "حوالي 10 سنوات"!
والجواب نجده في
حرص الولايات المتحدة على الحصول على المزيد من النفوذ العسكري والسياسي في جزيرة
العرب الذي تعتبره مكسبًا استراتيجيًا، فبإتمام ذلك يكون للولايات المتحدة وجود
بحري قوي في الخليج والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وتشرف على كافة مضائق
العالم الإسلامي البحرية التي تسيطر على طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب
"هرمز - المندب - قناة السويس - البسفور - جبل طارق" بصورة مباشرة أو
حضور قوي مؤثر.
وحول الخليج
الآن يوجد للولايات المتحدة تسهيلات في كراتشي في باكستان وعمان والبحرين وقاعدة
في المحيط الهندي في دييغو غارسيا، بالإضافة إلى قاعدة في سيناء، وعدة مطارات غرب
القاهرة وتسهيلات في قناة السويس. فلماذا إذن المزيد من القواعد والمزيد من الوجود
الأمريكي في الخليج؟
3. أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تقول في
السابق إن تدخلها في الخليج يعني حماية مصالحها في النفط الذي كانت تعتمد عليه
بنسبة 20% من الخليج، ويوم كانت السعودية هي المصدر الأول للنفط المستورد في
أمريكا. لكنها قللت من الاعتماد على النفط العربي حتى صارت المكسيك هي المصدر
الأول للنفط الأمريكي المستورد، وتراجعت السعودية إلى المرتبة السابعة.
وإذا بالولايات
المتحدة الآن تقول بأنها تتدخل في الخليج لحماية المصادر النفطية للدول الحليفة
لها مثل أوروبا واليابان، والتي تعتمد على الخليج في إمداداتها النفطية بنسب 23%
و50% على التوالي.
إن أمريكا تحارب
أوروبا واليابان تجاريًا في واقع الأمر، ولو أتيحت لها الفرصة الحقيقية لاقتصت من
الاقتصاد الياباني أيما قصاص الذي ينافس التجارة الأمريكية عالميًا، فكيف تحرص على
حمايته؟ ولماذا تدخلت أمريكا في الخليج أولًا لحماية مصالحها، ثم تبرر ذلك الآن بحماية
مصالح الحلفاء؟!
والإجابة
الأكيدة لمثل هذا التساؤل أن مثل هذه التبريرات التي تستخدمها الولايات المتحدة
غير مقنعة، وأن الأسباب الأكيدة غير تلك التي تبديها الولايات المتحدة الأمريكية
في العلن.
إنها بصراحة
تريد أن تحصل على البطة النفطية التي تبيض ذهبًا. وإن بريطانيا هي الدولة الوحيدة
التي على استعدادات تامة لمجاراة الولايات المتحدة في مغامرتها الخليجية، لعلها
تستعيد بعض ذكرياتها الغابرة في المنطقة، فبقية الحلفاء ينظرون إلى الأمر نظرة شك
في نجاحه، وخاصة اليابان التي لا تريد المشاركة في مغامرة عسكرية تحصد أمريكا
نتائجها السياسية والعسكرية وحدها. ويبدو أن لدى اليابان معلومات خاصة بها عن
إيران والحرب.
4. حتى لو لم يحدث أي خطر مباشر على الكويت
وشقيقاتها الخليجيات من جراء استمرار الحرب في منطقة الخليج وبقيت آمنة بإذن الله،
فإن أكبر خطر نجم عن التحركات الأمريكية الكثيرة في المنطقة هو تخوف أوروبا
واليابان من عدم استمرارية الإمدادات النفطية لها، نتيجة الأوضاع المتردية في
الخليج والتدخلات الأمريكية التي تزيد الأمر سوءًا وتعقيدًا، مما سيعني بالنسبة
لهذه الدول البحث عن مصادر نفطية بديلة في دول أخرى ومناطق أخرى من العالم،
وبالتالي خسارة دول الخليج للأسواق الأوروبية واليابانية، مما يشكل ضربة خطيرة
لاقتصاد دول المنطقة التي عانت سلفًا من الآثار السلبية لهذه الحرب بشكل حاد.
وهذا يعني أن
التدخل الأمريكي العلني الفاضح والمقصود بهذه الطريقة قد أثر سلبًا على اقتصاد
المنطقة وحتى سنوات طويلة مقبلة، وحتى تنتهي الحرب بشكل حاسم. فبالإضافة إلى
إمكانية فقد أهميتها كسوق معتمدة للنفط، ربما اضطرت دول المنطقة لبيع نفطها بأسعار
منخفضة للغاية لجذب المشترين، مما سيؤثر كذلك على مدخولاتها النفطية واقتصادها،
وهو ما حاولته أمريكا من قبل حين حاولت شق صف الأوبك والإضعاف من قدرتها على تحديد
الأسعار عالميًا.
وفي النتيجة
والمحصلة النهائية لتساؤلنا الأول حول الحماية الأمريكية التي تفرضها أمريكا على
الخليج، وهل هي لصالح الخليج حقًا؟ إن هذه الحماية هي حماية للمصالح الأمريكية
وأطماعها في المنطقة، وإنها أولًا وأخيرًا قد أضرت بالخليج أكثر مما أفادته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل