العنوان النسب اليهودي وحقوقه بين الزيف والحقيقة
الكاتب الدكتور عمارة نجيب
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1980
مشاهدات 73
نشر في العدد 483
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 03-يونيو-1980
بلغ الزيف في هذا العصر حدا لم يصل إليه في أي عصر آخر غيره إذ أصبحت له من المؤسسات والهيئات والدول والأشخاص والوسائل، ما لا يكاد يعد أو يحصر، ولقد كان من أثر هذا الزيف أن أصبحنا نسمع في كل يوم إن لم يكن في كل لحظة شيئا يدعم زيف اليهود ويؤكد ما ضللوا به العالم من ادعاءات شتى وعلى رأسها ادعاؤهم بأنهم ينتسبون إلى إبراهيم كما ينتسب العرب وأنهم من سلالة داود وسليمان الذين ملكا فلسطين فأصبح من حقهم أن يعودوا إليها وأن يقيموا فيها إقامة الوارث لملك الأجداد العائد إلى حقه الشرعي وأن يعقوب «إسرائيل» الذي نزح منها مع أسرته إلى مصر قد عاد أبناؤه إليها بنفس المنطق ودخلوها فاتحين على يد يوشع حتى أقام سليمان الهيكل في القدس فدمره تيطس ثم حرثه هارديان ولم يزل كومة من تراب حتى عهد عمر بن الخطاب فأقام عليه المسجد الأقصى وها هم جاؤوا إليه ليعيدوه إلى مناطحة السحاب كما يظنون أنه قد كان في أيام داود وسليمان إلى غير ذلك من أوهام وأحلام.
ومن الغريب العجيب أن الواقع التاريخي وكتاب اليهود المقدس نفسه والقرآن الكريم كلهم يكذبون هذا الزيف وينفون حق اليهود في شيء مما يفترون ويزيفون ومع ذلك يذيع زيف اليهود وينتشر ويروج الباطل ويعلو صوته.
ولعل هذا يرجع إلى تسلط اليهود على أجهزة ووسائل الاتصال الجماهيري مع تخصصهم في صنع الإشاعات وترويجها من خلال الاتصال الشخصي ثم تخصصهم في تجنيد العملاء واصطناع الصنائع للعمل معهم بواسطة منظمتهم الخفية المسماة «بالماسونية».
لكن الذي يثير الدهشة حقا هو الجدار السميك الذي يحول بين الناس وبين استعمال عقولهم حتى على وجه التقييم والتقويم وفي بلاد المسلمين بوجه خاص.
نظرية التقدم والتأخر:
الأمة العاقلة هي التي تستفيد من التجارب وتتعظ بالأحداث والوقائع وتقدر النتائج قبل وقوعها استنادا إلى سنن الله وقوانينه في خلقه ثم تجند طاقات شبابها وإمكانات بيئتها لتحقيق الخير والرخاء في ضوء التجارب والأحداث والنتائج والسنن الإلهية في الكون.
وإذا كان اليهود قد نجحوا في تطبيق جزء من النظرية وهو تجنيد طاقات وقدرات شبابهم وشيوخهم في خدمة قضية إفساد الشعوب ونهب خيراتهم وأموالهم فقد فشلوا في تقدير النتائج وستكون ضدهم وسببًا في تشريدهم مرة أخرى وإذا كان المسلمون اليوم قد فشلوا في تطبيق النظرية بكاملها وراحوا يشجعون كل ما يبدد طاقات وقدرات أبنائهم كالرقص والغناء والموسيقى والتمثيل وصنع التماثيل والصراع والحقد دون أن يقدروا النتائج فلا عجب أن تجدهم على هذا الحال وأن ينتصر من طبق جزءا من النظرية وهم اليهود على من لم يطبقوا شيئًا منها وهم مسلمو هذا العصر.
ولكن لا يعني هذا أن الحال سيدوم وأن الواقع المر سيستمر بل لا بُد أن يفيق المسلمون يومًا وعندها يتغير كل شيء كما تغير على يد سلفهم الصالح.
أين الزيف في نسب اليهود؟
ولعلنا لم ننس أننا لا زلنا نعالج قضية الزيف وأن ادعاء ذكاء اليهود جزء من هذا الزيف ومثله أو أشد منه تبرير هذا الزيف عندما يأتي بالنتائج التعسة ومثله أيضًا أو أشد منه قضية حقوق اليهود المترتبة على الانتساب العرقي أو الاتصال في نسب الدم إلى أنبياء الله ورسله.
فتبرير اليهود للتشريد والعذاب الذي وقع عليهم كنتيجة طبيعية لكفرهم وإصرارهم على أسلوب الشيطان في الإفساد والتخريب تبرير هذا بحسد الشعوب لهم وحقدهم عليهم من شدة ذكائهم وعبقريتهم زيف واضح يشبهه في كثير من الوجوه تبرير الأوربيين لما هم فيه من تعاسة روحية مع التقدم المادي وتبرير المسلمين لما هم عليه من تبعية وتأخر مع ما يملكون من أسباب الرقي والتحضر بأشياء تخرج عن إرادة هؤلاء وهؤلاء مما هو زيف محض في الحقيقة.
إلا أن المدى الذي وصل إليه خداع النفوس وتزييف الحقائق لدى الشعوب لطول ما أغرقت فيه واستمرأته لا يكاد يضاهي تزييف اليهود لقصة نسبهم وما يتصل بها من حقوق حتى وجدنا بعض حكامنا يرددون زيف اليهود وكأنه حقيقة تربعت على عرشها وتزيت بزيها.
النسب العرقي والنسب الديني
وفي غمار هذا الزيف والمحاولات التي تجري لإلباسه ثياب الحقيقة وإجلاسه على عرشها ننسى الرابطة الحقيقية بين النسب الديني كشرط للحصول على حقوق الإرث والتملك وبين عدم كفاية النسب العرقي لنوال أي حق من حقوق الإرث والتملك أيضًا سواء كان الإرث ماديًا أو معنويًا وسواء كان التملك تملكًا شخصيًا أو جماعيًا.. وهذه المسألة تحتاج إلى أن يتنبه المسلمون إليها قبل غيرهم.
فللإسلام في شأن النسب موقف خاص حيث يصل الإنسانية كلها من الناحية العرقية بآدم -عليه السلام- ويأبى أن يرتب على هذا النوع من النسب العرقي أي حق من الحقوق المادية أو المعنوية سوى الشركة في الأصل الواحد والحقوق العامة لهذه الشركة من مساواة أمام القانون وعموم الجزاء الدنيوي ثوابه وعقابه وعموم التكليف بالإيمان وشمول الدعوة وإقامة البرهان لهم والحجة عليهم فأوجب الإسلام على المسلمين دعوتهم إلى الله ولم يمنع من بر الذين لم يقاتلونا من غير المسلمين ولم يخرجونا من ديارنا ولم يظاهروا على إخراجنا.
أما حقوق التوارث للممتلكات أو المعاملة الخاصة القائمة على الحب والتكافل والموالاة أو الجزاء الخاص بالنظام وإدارة الحياة والمواقع الاجتماعية فلا يكفي بشأنها النسب العرقي بل لا بُد من الإسلام للوصول إلى هذه الحقوق إذ لا يرث الكافر مسلمًا وكذلك التملك الابتدائي لبقعة الأرض في ديار الإسلام لا يكفي بشأنها مجرد الانتساب إلى العروبة أو الجد «فلان» المسلم بل لا بُد من إسلام الشخص أو الجماعة التي تملك هذه البقعة فردًا أو مجتمعًا.
وإذا فتح الإسلام بلدا ما فإنه يقر الناس على عقاراتهم وأملاكهم لكنه لا يسمح بإقطاع أرض جديدة لهم ولا يجيز لهم التصرف في الأرض بالبيع لأجنبي غير مسلم... بل إن للأرض في نظام الشرع الإسلامي وضعًا خاصًا حيث لا تملك الأرض بذاتها ولو كان مسلمًا إنما تملك وتورث منفعة الأرض فقط وتبقى الأرض لله يورثها من يشاء من عباده وسنته في هذا الشأن أنه يورثها عباده الصالحين لعمارتها وكشف نعم الله فيها.
المهم هنا أن النسب العرقي يشمل البشرية في أب واحد ولا صحة لما زيفه اليهود وعملاؤهم من أنهم ينتسبون إلى أب غير الأب الذي ينتسب إليه العرب لأن من العرب من تهود ومن اليهود من أسلم ولا صحة أيضًا لانفصال سارة في النسب العرقي عن هاجر لأن الأب الواحد هو آدم ثم نوح من بعده ولا يعقل أن يفصل الدين اليهودي جميع أبناء سام عن جميع أبناء حام فهذه أيضًا مغالطات وتزييفات لا تثبت أمام العلم ولا يسلم بها العقل السليم إنما الجدير بالذكر أن الدين يصل المنفصلين عرقيًا بنسب أرقى وأولى وأهم في شرع الله الموحى به إلى جميع الرسل والأمم.
كما أن انفصال الرابطة في الدين يقطع فائدة الصلة العرقية وينهي أهميتها ويلغي أية قيمة لها بالمرة هذا ما يسلم به اليهود ويسلم به المسلمون.
اليهود ينتسبون إلى إبليس
وبهذا النسب الديني لليهود المعاصرين جميعًا وكل من حرف شرع الله ممن قبلهم إلى إبليس كما قال لهم المسيح -عليه السلام- إنكم من ذرية إبليس وشهوات أبيكم تفعلون أما الذين أسلموا من بني إسرائيل سواء مع يعقوب أو يوسف أو موسى أو هارون أو داود أو سليمان فهؤلاء جميعًا أبناء الإسلام ونسبهم الديني ينتهي إليه وهذا التقسيم هو الذي يوجب الله العمل به والسير على منواله.
ألم يعلمنا هذا حين قال الله لنوح عن ابنه من صلبه ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (هود: 46)
وحين قال عن الذين أسلموا مع نوح ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (الصافات: 77)
وحين قال الله لإبراهيم ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124) ردًا على طلب إبراهيم لما قال له المولى ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: 124) فطلب لذريته الإمامة قائلًا ومن ذريتي قال الله جل شأنه ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124).
وقد أكد الإنجيل هذا المعنى فيما بقي منه بعد التحريف يقول الزعبي «١» :
لقد صرح الإنجيل بقطع صلة اليهود بالنسب الإبراهيمي وأرانا قومًا ليسوا من ذريته يتكئون في حضنه وقومًا من ذريته يطرحون خارجًا، إنجيل «متى ۲ و ۱۸ و٢٥» ذلك لأن الله أعطاهم كرمًا، كرم الوحدانية والإسلام، فتركوه وعملوا في كرم آخر«كرم الكفر والإفساد والأنانية» إنجيل لوقا «۲۰،۱٤ ومرقس ۱۲»
وهذا ما فعله إبراهيم مع أبيه كما يصوره القرآن في قول الله تعالى ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ﴾ (التوبة: ١١٤) وهو معنى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان الأنبياء والرسل كما جاء في قول الله تعالى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (المائدة: 78).
ومعنى قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: 67).
فالانتساب إلى الإسلام وهو نسب جميع الأنبياء هو الذي يعطي المسلمين حقوق توريث وتوارث بعضهم بعضًا ويقطع صلة غير المسلمين بالمسلمين قطعًا بائنًا لا يستحقون معه أي حق تجاههم.
أرض فلسطين إسلامية
وبما أن أرض فلسطين لم تكن في يوم من الايام مقرًا مملوكًا للإسرائيليين باسم كفار بني إسرائيل لا في القديم ولا في الحديث فإن ادعاءهم بشأنها باطل وزيف لا أصل له لأن الأنبياء الذين عاشوا فيها وصارت لهم فيها سلطة كداود وسليمان لم ينالوا هذه السلطة باسم الكافرين من بني إسرائيل بل قامت سلطاتهم باسم الإسلام فمن أسلم استحق ميراث المسلمين ومن لم يسلم كيف يطالب بحق الصلة بالذين لعنوه وتبرأوا منه وعليه فاليهود أبناء إبليس في العقيدة وعمومتهم من الشياطين لا من المسلمين ولهذا جاء النهي عن موالاتهم كما جاء البيان من الله بشأنهم ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: ٨٢) ﴿يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (الأنفال: ٥٦) وما على المسلمين إلا أن يقرأوا القرآن ليجدوا فيه حقيقة اليهود الواضحة وحقوقهم إن كانت لهم حقوق وبراءة الأنبياء منهم وجميع المسلمين، فاللهم إنا براء منهم وممن والأهم إنك لا تهدي القوم الظالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل