العنوان من «المسألة الشرقية» إلى «المسألة البربرية».. النزعة الأمازيغية في المغرب العربي بين الثقافي والسياسي
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-2000
مشاهدات 77
نشر في العدد 1392
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 14-مارس-2000
قبل الاستعمار الفرنسي لكل من الجزائر والمغرب لم تكن هناك مشكلات للبربر، فقد اختفت التمايزات العرقية تمامًا منذ الفتح الإسلامي لإفريقية، وتمازج العرب الفاتحون مع الأمازيغيين.
دراسات فرنسية تشوه التاريخ، وتنسب البربر عرقًا وتاريخًا إلى الغرب.
أدركت فرنسا أن الاحتلال العسكري لم يؤت ثماره في إخضاع الجزائر، فوجدت في القضية البربرية الوسيلة الوحيدة لتفكيك الوحدة الوطنية، ووضع البربر في مواجهة مع العرب بعد إلحاقهم باللغة الفرنسية، ومن ثم الديانة النصرانية.
مبادرات غربية لتوحيد الناطقين بالأمازيغية عبر العالم «كونجرس» أمازيغي تحتضنه فرنسا لتوحيد الأمازيغ في وطن واحد.. مساندة من الأمم المتحدة يمكن أن تتطور إلى تدخل عسكري تحت ستار إنساني.
المستشرق بيكيه اللغة العربية والكتاتيب لعبت دورًا مهمًا في الاستعراب؛ ولذلك فإن مجهوداتنا يجب أن تنصب على تعليم البرابرة الفرنسية.
ولهذا السبب أغلق الاستعمار الفرنسي الكتاتيب، وهدم المساجد، وأخذت الكنائس والمدارس الفرنسية فرصتها.
المسألة الأمازيغية تكرار لما سمي بالمسألة الشرقية، تفكيك وحدة المسلمين ليسهل تفتيت الأراضي الإسلامية وإلحاق الأمة بالمشروع الغربي.
تشبه المسألة البربرية -كما تطرح في دول المغرب العربي- إلى حد بعيد ما كان يسمى في المشرق العربي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بـ «المسألة الشرقية»، وحماية الأقليات في الحالتين تظل الأهداف واحدة، وهي إعمال معول الهدم والتفكيك في وحدة العرب والمسلمين؛ ليسهل على قوى الاستعمار والهيمنة الغربية اختراق جسم الأمة الإسلامية وفقًا للمبدأ الثابت لدى الاستعمار، وهو مبدأ «فرق تسد» وفي الحالتين معًا تبقى دعاوى حماية الأقليات المضطهدة وحقوق الإنسان مجرد تغطية للسياسة الاستعمارية التي تهدف إلى تغريب الأمة، وفصلها عن أصرتها العقائدية في أفق علمنتها، وبعد ذلك تمسيحها.
وتاريخ ما أصبح ينعت اليوم بالبربرية أو المسألة الأمازيغية هو تجسيد حي لهذه السياسة الغربية التي لم تتبدل إلا في عناوينها وأشكالها، بينما ظل جوهر السياسة واحدًا وهو التجزئة والإلحاق، لقد ولدت هذه السياسة في الجزائر أول الأمر في النصف الأول من القرن التاسع عشر على يد الاحتلال الفرنسي، وتم تطويرها في المغرب في النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن تأخذ أبعادًا دولية تحت عناوين مختلفة في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات بعد جلاء الاحتلال الفرنسي عن البلدين، وذلك لأداء الأدوار السابقة نفسها التي لم تنجح فرنسا في أدائها، وأوكلتها إلى وكلائها في الداخل، والملاحظ أن ما يدعى بالمسألة البربرية لم يكن معروفًا قبل تاريخ الاستعمار الفرنسي للمغرب والجزائر؛ إذ منذ الفتح الإسلامي لإفريقيا شمال إفريقيا، أو المغرب العربي حاليًا حتى مصر، اختفت التمايزات العرقية بين العرب الفاتحين والوافدين من الشرق وأهل البلاد أي البربر، بفضل الدين الإسلامي الذي قضى على هذه الفروق والنعرات القومية الضيقة، كما أحدث الإسلام في هذه المنطقة من العالم الإسلامي تداخلًا عميقًا بين العرب والبربر لم يعد معه التمييز بين الجانبين ممكنًا، وذلك بسبب عوامل كثيرة أهمها الزواج والمصاهرة، فاختلطت الأنساب بفضل التجارة والمعاملات الاجتماعية بين العرب والبربر، وخرجت كلتا الجماعتين من الانتماء المنغلق إلى الانفتاح والتمازج، فأصبحوا أحد اثنين إما عربًا تبربروا، أو بربرًا تعربوا.
من هم البربر؟
تذكر معظم كتب التاريخ العربية الموثوق بها كتاريخ عبد الرحمن بن خلدون والطبري، أن البربر عرب ساميون جاؤوا من فلسطين أو اليمن، وتتفق كتب حديثة عدة للتاريخ العربي حول هذا الأصل للبربر وفي هذا يقول عمرو بن معد يكرب:
ومنا بأرض المغرب جند تعلقوا *** إلى بربر أتوا أرض بربر
وفي كتابه «البربر عرب قدامي» الصادر عام ۱۹۹۳م، يؤكد محمد المختار العرباوي أن البربر قوم شرقيو النسب، هاجروا من الشرق، وهم ليسوا أفارقة أو أوروبيين لا جنسًا ولا لغة، بل أسيويين كانوا يقيمون في شبه الجزيرة العربية، ونظرًا لموجات القحط والجفاف التي كانت تضرب الجزيرة بين الحين والآخر، فقد هاجر الكثيرون من سكان الجزيرة من مراحل ما قبل التاريخ، سواء إلى منطقة الهلال الخصيب أو مصر عن طريق شبه جزيرة سيناء، أو إلى الشرق الإفريقي عبر طريق باب المندب، واعتمادًا على مجموعة من المعطيات التاريخية والأثرية يؤكد العرباوي أن الجماعات البربرية الأولى الرعوية الشاوية وصلت إلى الصحراء الليبية، وانتشرت فيها في حدود الألف الخامسة قبل الميلاد، ثم انتقلت إلى المناطق الواقعة شمال الصحراء، ويختلف المؤرخون في نسب البربر، فمنهم من يجعلهم من سلالة حام، أو من سلالة سام ابني نوح عليه السلام، ومنهم من يرجعهم إلى جالوت ملك البربر بفلسطين، وهناك من ينسبهم إلى الجبارين، ومن يرى أنهم خليط من أقوام شرقية مختلفة، وهناك من يربط بينهم وبين أفريقش اليمن، غير أن المؤرخين والإخباريين يجمعون على أن منازل البربر الأولى كانت بفلسطين وما جاورها بأراضي الشام بما فيها الساحل، وأنهم شعوب رحل مهاجرة، وكلمة البربر هي تسمية أطلقها الرومان على سكان المغرب الأصليين أثناء احتلالهم لهذه المناطق، أما البربر فيفضلون تسمية «أمازيغ أو أمازيغن»، وتعني الحر أو الأحرار، كما في لسان العرب لابن منظور، وأمازيغ هو أحد أسماء أو ألقاب أحد أبناء سام بن نوح -عليه السلام- وهي الكلمة التي تطلق على المنتمين للبيت البربري في المغرب، بينما كلمة «قبايلي» هي التي تطلق عليهم في الجزائر، وفي ذلك يقول العلامة علال الفاسي في أثناء وضع الاحتلال الفرنسي لما يسمى بالظهير البربري عام ١٩٣٠م.
صوت ينادي المغربي *** من مازغ ويعرب
غير أن الأمازيغيين سواء في المغرب أو في الجزائر لم يكونوا يعرفون أنفسهم على أساس عرقي قبل الاستعمار أو بعده، ولا على أساس الانتماء القبلي أو الجهوي، وهي ظاهرة كانت تعم العرب والأمازيغيين معًا، وهكذا فهم في المغرب ريفيون في الريف «شمال شرق»، وسوسيون في سوس «جنوب»، وشلوح في الأطلس «وسط» وصحراويون في الصحراء «الجنوب»، وفي الجزائر هم زواوة أو قبايل في جبال الأطلس، وشاوية في الأوراس، وشلوح في غرب الجزائر، وطوارق في الصحراء، وهكذا.
وبعد الفتح الإسلامي لمنطقة الغرب الإسلامي أو إفريقية، شهدت هذه المنطقة ظهور دويلات وقف على رأسها زعماء مسلمون من البربر لم يتنكروا للإسلام أو اللغة العربية، بل أقاموا دويلاتهم على أساسهما كالموحدين والمرابطين بمثل ما كان الفتح الإسلامي للأندلس في عهد طارق بن زياد، قد قاده جنود مسلمون من العرب والبربر معًا، وطارق بن زياد نفسه بربري النسب.
ظهور القضية البربرية:
حينما احتلت فرنسا الجزائر سنة ١٨٣٠م في إطار اقتسام القوى الاستعمارية الأوروبية للنفوذ على دول العالم الإسلامي والإمبراطورية العثمانية- عملت على البحث عن كل ما يمكن أن يحقق لها دوام مشروعيتها الاستعمارية هناك، وربط الجزائر نهائيًا بفرنسا «الأم»، وكان من بين الوسائل التي اعتمدتها في ذلك تفكيك الجزائر إلى ولايات، والنفخ في النعرات القومية والإقليمية، ومسخ الشخصية الجزائرية ثقافيًا ودينيًا من خلال إحلال اللغة الفرنسية محل اللغة العربية، ومحاربة الإسلام، وتكثيف حملات التنصير.
ومع أن مقولة القضية البربرية لم تظهر في وقت مبكر في أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر نتيجة أسباب متعددة، إلا أن بوادرها الأولى بدأت تظهر للوجود على خلفية ما كان يجري في الشرق الإسلامي تحت اسم «المسألة الشرقية»، لكنها ستأخذ فيما بعد أبعادها الكبرى بسبب الأصداء التي تركها نجاح «المسألة الشرقية» فكأنما العالم الإسلامي كان مرشحًا كله لنفس السيناريو التفكيكي في كل جهة من جهاته باتفاق القوى الاستعمارية الأوروبية على سياسة واحدة تنتهجها، فقد ظهرت النزعة الطورانية التي حركتها الدول الأوروبية في قلب الإمبراطورية العثمانية ضد الجنس العربي، وحمل النصارى العرب مدعومين من هذه الدول شعار القومية العربية لضرب الإمبراطورية العثمانية، وبين هذه وتلك كانت القوى الاستعمارية تتحرك بشكل مباشر تحت ستار حماية الأقليات النصرانية في الشرق الإسلامي، وبدأ العالم الإسلامي كله مثل القصعة التي تداعت عليها الأكلة من كل جانب للسيطرة؛ فقد اعتبرت فرنسا أن الجزائر بوابة إفريقيا، كما صرح وزير الثقافة الفرنسي في ذلك الوقت، لذلك عملت على تطبيق سياستها الاستعمارية أول الأمر بها قبل أن تعممها في حالة نجاحها على باقي مستعمراتها، ولعل مما يفسر أهمية الجزائر بالنسبة لفرنسا أن الدول الأخرى في إفريقيا والمغرب العربي تم احتلالها بعد الجزائر، بينما نالت استقلالها قبل الجزائر، وقد أدركت فرنسا أن الاحتلال العسكري لا يمكن أن يؤتي النتائج التي تسعى إليها، لذلك وجهت اهتمامها إلى الجوانب الثقافية والروحية للجزائريين، ووجدت في القضية البربرية الوسيلة الوحيدة لتحقيق هدفين رئيسين للكولنيالية الفرنسية في الجزائر وشمال إفريقيا عامة تفكيك الوحدة الوطنية للبلاد، ووضع البربر في مواجهة ما يسمى بالعرق العربي من جهة، وإلحاق البرير باللغة والثقافة الفرنسيتين، ومن ثم بالديانة النصرانية، وهكذا ولدت المسألة البربرية؛ إذ وجهت فرنسا علماء الأنثروبولوجيا والأتنوجرافيا الفرنسيين إلى دراسة أنماط عيش سكان منطقة البربر بالجزائر وتاريخهم ولغتهم، وكان لهذه الدراسات التي أنجزها كل من « لوتورنو» و«هانوتو» وغيرهما، أثر كبير في توجيه السياسة الفرنسية في الجزائر، ورسم ما أصبح يدعى بالسياسة البربرية لفرنسا، ونظرًا لامتداد الأصول البربرية إلى المغرب فإن السياسة الفرنسية وجهت أنظارها نحو هذا الأخير لتطبيق سياستها بالجزائر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث أسقطت نتائج دراستها السابقة حول بربر الجزائر على بربر المغرب الذين كانت تجهل عنهم كل شيء حتى عام ۱۹۰۰م، وكان سكان جبال الأطلس المختبر الأول لتطبيق النتائج المذكورة، وبعد عقد الحماية في ۱۹۱۲م مع السلطان المغربي عبد الحفيظ بدأ تنفيذ هذه السياسة بشكل مباشر على الأمازيغيين المغاربة، لتتوج بظهير ١٦ مايو ۱۹۳۰ المعروف بالظهير البربري.
البحث عن أصول للبربر:
خلصت الدراسة التي قامت بها السوسيولوجيا الاستعمارية الفرنسية بكل من الجزائر والمغرب إلى الزعم بأن البربر ذوو أصول جرمانية رومانية وسلتية، وينحدرون من بلاد الغال، أما عاداتهم وتقاليدهم فهي مستمدة من الثقافة الفرنسية خاصة فيما يتعلق بموقفهم من المرأة «يرفضون تعدد الزوجات»، والبربري شخص متمرد شرس وعاص، لا ينقاد لحكم، ولا يقدم ولاء لدولة، لذلك فهو دائم الصراع مع أي دولة؛ لأنه يفتقر إلى الوعي بمفهوم الدولة، أما إسلامه في زعم تلك الدراسة فهو إسلام سطحي لا يلتزم بالكتاب والسنة، ويقاوم الشريعة الإسلامية بشراسة، وبالمقابل فهو شديد التقديس للأعراف والتقاليد، مما يجعله شديد التعلق بأصوله الوثنية الأصلية والطبيعية القديمة، وهذا السلوك الرومي يعبر عن عدم ملاءمة الشرع الإسلامي لطبيعة البربري.
ووأضح أن هذه النتائج «العملية» قد تم تكييفها بما يخدم الغرض لدى أصحابه، فقد زعمت فرنسا أنها باحتلالها الجزائر تكون قد خلصت البربر من الاستعمار العربي، وبالتالي تكون قد عادت إلى منطقة كانت امتدادًا لها في الماضي السحيق، وهذا ما يعبر عنه بوضوح أحد المنظرين للسياسة البربرية الفرنسية في المغرب والجزائر بول مارتي حين يقول: «إننا وقد عدنا إلى هذه الأرض الإفريقية لا نستطيع أن نتمالك أنفسنا من الانفعال والتأثير، ونحن نحمل من جديد -وبعد خمسة عشر قرنًا من الغياب إلى هذا الشعب البربري الذي أنتج تیر توليان، وأبولي، والقديس أوغسطين، وآخرين- الحضارة اللاتينية بفنونها القوية المنظمة الواضحة، وهذه الشخصيات التي ذكرها هم رجال دين مسيحيون في القرنين الثاني والرابع الميلادين حين كانت شمال إفريقيا تحت الحكم الروماني.
كان الهدف من رد البربر إلى أصول رومانية هو دفعهم إلى الديانة النصرانية، وردهم عن الإسلام، فالسياسة البربرية الفرنسية لم يحمل لواءها باحثون «علمانيون» بحياد علمي وتجرد، بل كان يحدوهم الدافع الديني، كما لعب رجال الدين النصارى دورًا كبيرًا في خطوط هذه السياسة، فقد كتب أسقف الرباط في المجلة التي كان يصدرها باسم «المغرب الكاثوليكي» عام ١٩٢٠م يقول: «ذهبنا عند البرابرة بواسطة الإنجيل، فلماذا لا يأتي البرابرة إلينا بواسطة الإنجيل؟ إنهم قريبون من الإنجيل، والإنجيل الذي يقرب منهم هو أعلى منهم، الإنجيل هو مستوانا الأخلاقي، وحيث إنهم وجدوه يمكنهم أن يصعدوا إليه من طريق الإنجيل، وأساطيره التي تفيض بحياة الترحل مشابهة لحياة البرابرة، وأمثاله تشبه كثيرًا الأمثال البريرية، أيكون الإنجيل إذن موضع الاتصال الذي يسهل فيه تلاقي الروح البربرية والروح الفرنسية اللتين تنشدان إحداهما الأخرى؟ أما الكاردنال لا فيجري فقد قال في مؤتمر التنصير في منطقة القبائل الجزائرية عام ١٨٦٧م: «إن رسالتنا هي دمج البربر في حضارتنا التي كانت هي حضارة آبائهم».
مدارس فرنسية للبربر:
وبالإضافة إلى جهوده لتحريف تاريخ البربر، وقطع أي صلة لهم بالإسلام والعرب عزز الاستعمار الفرنسي سياسته هذه بإعادة إحياء اللهجة البربرية المندثرة، ومحاربة اللغة العربية، ففي عام ۱۸۷۱م، أصدر المقيم الفرنسي بالجزائر قانونًا يمنع بموجبه على الجزائريين منعًا كليًا استعمال اللغة العربية، وما إن جاء عام ۱۸۹۲م حتى كانت المدارس الفرنسية قد انتشرت في المناطق البربرية خاصة في ولايتي بجاية وتيزي وزو موطن أغلبية الأمازيغيين، وخطب الكابتن لوغلاي المشرف الفرنسي على التعليم بالجزائر أمام المعلمين الفرنسيين في بلاد القبائل قائلًا: «علموا البربر كل شيء ما عدا العربية والإسلام».
وعن هذا المخطط الفرانكفوني يقول «بيكيه» أحد المستشرقين الفرنسيين الذين نظروا للسياسة البربرية لفرنسا في كتابه العنصر «البربري»: «إننا نشاهد تغلب العربية في السهول، حيث السكان العرب، وهذا يمكننا تعليله بأن اللغة العربية هي لغة القرآن، وقد لعبت «الكتاتيب» دورًا مهمًا في الاستعراب، ولذلك فإن مجهوداتنا يجب أن تنصب على تعليم البرابرة الفرنسية، بلا وساطة لغة أخرى، ولمحاربة الإسلام في نفوس الأمازيغيين وفصلهم عن اللغة العربية منعت الكتاتيب القرآنية، وهدمت المساجد لتقام مكانها الكنائس والأديرة، وأخذت المدارس الفرنسية تعلم أبناء البربر اللغة البربرية بالحروف اللاتينية دون وساطة اللغة العربية، يقول بول مارتي: «إن المدرسة الفرنسية البربرية هي مدرسة فرنسية بتعليمها وحياتها، بربرية بتلاميذها وبيئتها، إذن فلا وساطة أجنبية، كل تعليم عربي، وكل تدخل من قبل الفقيه، وكل ظاهرة إسلامية يجب منعها بصرامة تامة».
وقد وقف المجاهدون في الجزائر ضد هذه السياسة الفرنسية خاصة جمعية علماء المسلمين الجزائريين التي أسسها عبد الحميد بن باديس عام ۱۹۳۱، وقال هذا الأخير في مقاله ضد السياسة التفريقية بين العرب والبربر «إن أبناء العرب وأبناء مازغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنًا، ثم رأيت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم خلال أحقاب بعيدة عنصرًا مسلمًا جزائريًا، أمه وأبوه الإسلام». والغريب أن ابن باديس كان بربريًا، وهو القائل قولته الشهيرة:
شعب الجزائر مسلم *** وإلى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله *** أو قال مات فقد كذب
ويقول محمد البشير الإبراهيمي موضحًا أهداف الاستعمار الفرنسي للجزائر: «الاستعمار جاء إلى هذا الوطن بثلاثة أشياء ليمحو بها ثلاثة أشياء، جاء باللاتينية ليغمر بها العروبة، وجاء باللغة الفرنسية ليقضي بها على اللغة العربية، وجاء بالنصرانية لينسخ بها الإسلام، وفي هذا الاتجاه بدأت فرنسا تصدر مجلات عدة باللهجة البربرية، وأنشأت إذاعة بالقبائلية موجهة إلى بربر الجزائر، غير أنها واجهت معضلة رئيسة، فالبربر ليس لهم لغة مكتوبة، ولهجاتها مختلفة كثيرًا إلى حد يتعذر معه التفاهم بين الجماعات الناطقة بها، كما أن (۸۰٪) من مفرداتها ذات جذور عربية قديمة تعود الأمازيغيون كتابتها بالخط العربي، فحرصت فرنسا على إحياء خط تيفيانغ القديم الذي اندثر قبل آلآف السنين، وهو قريب من الهيروغليفية، وشجعت في الوقت نفسه على كتابتها بالخط اللاتيني في إطار سياستها الفرانكوفونية العامة، وقد تمكنت فرنسا خلال تواجدها الطويل بالجزائر من خلق ما يسميه عثمان سعدي بالطابور الخامس، وهو متشكل من مزدوجي الجنسية الموالين لفرنسا، أي الحاملون للجنسية الفرنسية سرًا، واستطاع بعض عناصر هذا الطابور اختراق الأحزاب الجزائرية ذات التوجه الإسلامي والعربي لتنفيذ مخططاتهم، ففي عام ١٩٤٧م، مثلًا تم اكتشاف تنظيم داخل حزب الشعب الجزائري الذي كان يقوده مصالي الحاج، وهو حزب الشعب القبايلي، بزعامة حسين آيت أحمد، وكان جل أعضاء هذا الحزب من ذوي الميول الشيوعية الموالين للفرانكوفونية، وتمكن حزب الشعب الجزائري من فضح ارتباطاتهم بفرنسا ونزعاتهم الإقليمية التقسيمية، وفي ١٩٤٨م أسس رشيد علي يحيا الحركة الشعبية الأمازيغية بمساعدة على عمار ولد حمودة وآخرين، وفي المؤتمر الذي عقده الحزب في نوفمبر من العام نفسه رفض (۲۸) عضوًا من إجمالي (٣٢) عضوًا في اللجنة الفيدرالية للحزب فكرة «الجزائر عربية مسلمة»، منادين بالجزائر جزائرية، وعندما انطلقت حرب فلسطين عارض زعيم الحزب فتح باب التطوع فيها إلى جانب الدول العربية والإسلامية بمبرر عدم عروبية العمل السياسي، ورغم أن القضية الأمازيغية إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر قد أخذت تتقوى وتبرز للوجود في الأربعينيات والخمسينيات، فقد تم الاتفاق في مؤتمر عام ١٩٥٦م على وضع كل المشكلات جانبًا إلى ما بعد الاستقلال، لتنبعث من جديد في سنوات الستينيات والسبعينيات؛ حيث أسس حسين آيت أحمد جبهة القوى الاشتراكية في ١٩٦٣م، ووصل الصراع بين جبهة التحرير الوطني في أثناء حكم بن بلا وزعماء منطقة القبائل أوجه في تلك الفترة بقيام كريم بلقاسم بتمرد مسلح في منطقة القبائل لإقامة كيان قبائلي منفصل بدعم من المخابرات الفرنسية، وقد استطاعت هذه الأخيرة تهريب بلقاسم إلى خارج الجزائر بعد فشل تمرده، وظل يعيش في فرانكفورت إلى أن اغتيل عام ١٩٧٠م.
ومع مشروع التعريب الذي دشنه النظام الجزائري في عهد هواري بومدين شهدت النزعة الأمازيغية انتعاشًا قويًا بالتوازي مع المخطط الفرانكفوني لمحاربة التعريب، حيث نظر التحالف الأمازيغي الفرانكفوني إلى تعريف الميثاق الوطني سنة ١٩٧٦م للهوية الجزائرية العربية الإسلامية على أنه إقصاء للتوجه البربري، وقاد هذه الحملات من داخل الجزائر ومن خارجها التيار المحسوب على فرنسا، وخصوصًا النخبة الثقافية التي خرجها المعهد البربري الذي أسسته فرنسا عام ١٩٦٧م في باريس، وهو المعهد الذي قام بدور كبير في تنظيم وتأطير أصحاب الاتجاه المازيغي الفرانكفوني، ومواصلة الرسالة التي بدأها ضباط وعلماء المخابرات الفرنسية في الجزائر بشأن البحث في تاريخ البربر ولغتهم.
الظهير البربري:
ولم يكن الأمر في المغرب مختلفًا عنه في الجزائر، ففرنسا حاولت نقل النموذج الجزائري إلى المغرب، وأسقطت كثيرًا من نتائج بحوثها حول البربر هناك على بربر المغرب كتب موريس لوجلاي أحد موظفي الإقامة العامة بالمغرب سنة ١٩٢١م «يجب أن نحذف تعليم الديانة الإسلامية واللغة العربية في مدارس البرير، وأن نكتب اللهجات البربرية بالحروف اللاتينية، وتعكس هذه المقولة السياسة البربرية الفرنسية بالمغرب إقامة المدارس الفرنسية في المناطق ذات الغالبية البربرية، حذف دراسة اللغة العربية والإسلام من مناهج التعليم، وتعليم البربرية بالحروف اللاتينية، وجعل الفرنسية لغة التفاهم، وقد قام شارل ليوطي بتطبيق هذه السياسة حرفيًا في أثناء رئاسته للإقامة العامة الفرنسية بالمغرب كأول مقيم عام (۱۹۱۲م ١٩٢٥م) بسلوك ما عرف آنذاك بـ«سياسة القواد الكبار»، وهم زعماء القبائل الذين كانوا كموظفين مخزنيين يمثلون السلطان في مناطقهم، واستمالتهم الإدارة الفرنسية ليصبحوا همزة وصل بينها وبين «القبائل البربرية»، مما يعني قطع العلاقة بين هذه الأخيرة وبين المخزن ممثلًا في السلطان المغربي، ولم تقف السياسة الفرنسية على ما ذكر سابقًا، بل عمدت كذلك إلى اعتماد الأعراف القبلية لدى البربر المغاربة بديلًا عن الشريعة الإسلامية في القضاء فأصدر ليوطي في ١٩١٤م ظهيرًا ينص على أن «المناطق التي لها أعراف خاصة بها يجب أن يعتمد القضاء فيها على هذه الأعراف». وتكميلًا لهذا الظهير أصدر ليوطي بعد سنة واحدة ظهيرًا ثانيًا يقضي بإسناد وظيفة القضاء إلى الجماعات المحلية في المناطق البربرية، مما يعني استبعاد وظيفة القاضي الشرعي بها، ويعبر ليوطي نفسه عن هذه السياسة قائلًا: «إنه لخطأ فاحش التصرف بشكل يساعد على إعادة إحياء العلاقة بين العرب والبربر، ولا حاجة للبربر في تعليم اللغة العربية، فالعربية هي الإسلام؛ لأن هذه اللغة تعلم من القرآن، ومصلحتنا هي أن نمدن البربر خارج دائرة الإسلام، وأما ما يتعلق باللغة فيجب علينا أن نضمن الانتقال مباشرة من البربرية إلى الفرنسية بدون وساطة» أي بدون استعمال اللغة العربية، غير أن هذه الظاهرة والممارسات لم تكن في واقع الأمر سوى تمهيد لما سمي بـ«الظهير البربري» الذي أصدرته فرنسا في ١٦ مايو ١٩٣٠م، ومضمون هذا الظهير المشؤوم في تاريخ المغرب الحديث هو تطبيق العرف المحلي بديلًا عن الشريعة الإسلامية في المناطق البربرية، مع توسيع نفوذ المحاكم الفرنسية في المغرب بحيث يصبح من اختصاصها النظر في زجر الجنايات التي يقع ارتكابها في النواحي البربرية مهما كانت حالة مرتكبي الجناية».
جاء هذا الظهير بعد أن أدركت فرنسا أن نجاح سياستها البربرية لا يمكن أن يتحقق إلا بالضم النهائي لكتلة البربر بالمغرب، إذ كانت تعتقد أن بربر البلدين كتلة واحدة، وأن فرض سيطرتها على كامل الشمال الإفريقي بما فيه تونس رهين بعزل بربر المنطقة عزلًا كاملًا، غير أن نتائج الظهير جاءت معاكسة لرغبة الإدارة الفرنسية، فقد لقي معارضة قوية من طرف البربر أنفسهم الذين نزلوا إلى الرباط للقيام بتظاهرات مطالبين بإلغائه، وشهدت مساجد المدن المغربية تجمعات حاشدة كان يتلى فيها دعاء «اللطيف»، وهو «يا لطيف الطف بنا فيما نزلت به المقادير، ولا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر». كما لقي هذا الظهير تنديدًا من طرف حركات المقاومة والجهاد في الدول العربية والإسلامية، وكان الأمير شكيب أرسلان أول من أدرك نوايا المحتل الفرنسي من ورائه، وكتب عنه في منفاه، وقد كان الظهير الشرارة التي فجرت المقاومة الوطنية للاحتلال الفرنسي، والمفارقة هي أن جيوب المقاومة الأولى انطلقت من القبائل البربرية كزايان وسوس والأطلس، ومازالت أسماء زعمائها جزءًا من تاريخ المغرب المسلم في نهوضه ضد الاحتلال، لقد انطلقت فرنسا من فهم خاطئ لبربر المغرب والأعراف القبلية التي كانت سائدة بينهم، انطلقت من واقع حقيقي بنت عليه نتائج خاطئة، أفشلت سیاستها الاستعمارية؛ إذ اعتبرت أن القبائل البربرية شديدة التمرد على المخزن «السلطان في العاصمة»، وفسرت ذلك بكراهيتهم للجنس العربي؛ لأن السلطان عربي مسلم، بينما الوقائع التاريخية الحقيقية تشهد على أن هذا التمرد ضد السلطة المركزية الذي كان سائدًا في مغرب القبائل في القرنين الماضيين مرده إلى ثقل الضرائب، أو عجز المخزن عن توفير الأمن لهذه القبائل، وليس لكراهيته للجنس العربي، أما سيادة الأعراف القبلية في صفوف البربر قلم تكن ضد الشريعة الإسلامية، بدليل أن وظيفة القاضي الشرعي ظلت قائمة في تلك المناطق، كما في باقي مناطق المغرب، وإنما كان ذلك نوعًا من التنظيم القبلي الداخلي الذي يحل القضايا قبل أن تصل إلى القضاء، وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه المناطق البربرية شهدت إشعاعًا علميًا واسعًا في القرون الماضية، وخرجت أسرًا علمية كان لها تأثير نافذ في المغرب، كما شهدت ظهور عدد من الزوايا كالزاوية الدلائية، وكانت منطقة سوس إلى جانب مدينة فاس صرحًا علميًا كبيرًا؛ حتى لقبت بسوس العالمية، التي كان العلامة محمد المختار السوسي أحد أعلامها الكبار، والذي شبهه ابن زاكور في قصيدة له بالإمام الحسن البصري فقال فيه:
علامة الدنيا بلا شبه ومصقعها المسود *** قسمية البصري لو رزق الحياة له تردد
وقد كتب السوسي قصيدة في مدح اللغة العربية عارض فيها قصيدة حافظ إبراهيم قال فيها:
نمد أكفًا قطع الله راحها *** إلى غيرها من اللغى السمجات
المشكلة بعد الاستقلال:
إذا كانت الأحزاب ذات الاتجاه الأمازيغي في الجزائر قد ظهرت قبل الاستقلال الجزائري بدعم فرنسي واضح، فإن مثل هذه الأحزاب لم تظهر في المغرب إلا بعد الاستقلال، حيث كان أول حزب أمازيغي ظهر هو حزب الحركة الشعبية للمحجوبي أحرضان سنة ١٩٥٧م عقب ثورة الأمازيغيين في منطقة الريف وفي مناطق أخرى بين ١٩٥٧م و١٩٦٠م كرد فعل آنذاك على رفض حزب الاستقلال الوحيد في ذلك الوقت الاعتراف بالحقوق الثقافية للأمازيغيين، وفي عام ١٩٦٧م ظهرت أول جمعية تهتم بالأمازيغية هي «الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي»، غير أن سنوات الثمانينيات والتسعينيات شهدت تناميًا قويًا للتيار الأمازيغي سواء في المغرب أو في الجزائر، أو في ليبيا وموريتانيا بشكل نسبي، وإن كانت هاتان الأخيرتان لا تضمان نسبة كبيرة من البربر كما هو الشأن في المغرب والجزائر، وقد كان ما يجري في هذه الأخيرة ينعكس على المغرب لقرب الجوار، مما جعل أي مكسب يحققه بربر الجزائر يدفع بربر المغرب إلى التحرك والمطالبة، وهكذا بعد إلغاء الجزائر سنة ۱۹۷۸م لكرسي البربر في الجامعة الجزائرية الذي أقامته فرنسا في السابق في إطار سياسة التعريب هب بربر الجزائر مطالبين بحقوقهم الثقافية، وانطلقت المظاهرات في المناطق البربرية سنة ۱۹۸۰م، خصوصًا بمنطقة تيزي أوزو أكبر تجمع أمازيغي في منطقة القبائل أطلق عليه «الربيع الأمازيغي، وشهدت هذه السنة بالمغرب انعقاد الدورة الأولى لجمعية الجامعة الصيفية لأكادير، ثم منع عقد الدورة الثانية عام ۱۹۸۲م، وفي ۱۹۸۸ تنعقد الدورة الثالثة لهذه الجمعية دون رد فعل من السلطة التي كانت تخشى انتقال عدوى أحداث الجزائر إلى المغرب، ومع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات تضاعفت أعداد الجمعيات الأمازيغية بالمغرب، وهي المرحلة التي شهدت انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وتراجع المد الاشتراكي والشيوعي، وظهور النظام الدولي الجديد وانتشار الفلسفة الليبرالية وشريعة حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، ووجد التيار الأمازيغي في هذه الظروف الدولية الجديدة متنفسًا كبيرًا، وهذا ما يؤكده أحد المشتغلين بالأمازيغية في المغرب حسن بلقاسم حيث يقول: «من الممكن الآن أن تحلم بمستقبل مزدهر للغتنا وثقافتنا لتطور عمل النظام العالمي من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في ظل النظام الدولي الجديد، وشهدت هذه الفترة توقيع ميثاق أكادير سنة ۱۹۹۱م من جانب جمعيات أمازيغية عدة تطالب فيه بالحقوق الثقافية واللغوية للأمازيغيين، وتأسيس المجلس الوطني للتنسيق عام ۱۹۹۳م والذي ضم ۲۳ جمعية، وأريد من هذا المجلس أن يكون أداة ضغط أو لوبي لدعم المطالب الأمازيغية.
أما في الجزائر فقد تحول التيار الأمازيغي من أداة لضرب التوجه العروبي للجزائر إلى أداة لمواجهة التيار الإسلامي الذي ظهر واضحًا بعد أحداث أكتوبر ۱۹۸۸م، وتحالف مع التيار الفرانكفوني والشيوعي، أو أصبح جزءًا منه لمحاربة الاتجاه الإسلامي، خصوصًا في منطقة القبايل، ولم يكن صدفة أن يظهر حزب سعيد سعدي «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، بعد صعود جبهة الإنقاذ في الانتخابات البلدية، واكتشاف خطر الإسلاميين على مصالح فرنسا والتيار الموالي لها بداخل الجزائر، والمسمى حزب فرنسا».
أمازيغوفونية متطرفة:
والواقع أن المطالب الثقافية واللغوية للتيار الأمازيغي هي مجرد تغطية لأهداف أكبر يتم تحضيرها في الدول الغربية التي لها مصالح مباشرة في المغرب العربي، وخاصة فرنسا التي يوجد بها أكثر من ألفي جمعية أمازيغية، فهو لا يقف عند حد التعبير عن الحقوق اللغوية والثقافية في إطار التعدد اللغوي، بل يقدم قراءة «أمازيغوفونية»، متطرفة لتاريخ المنطقة أو «المغرب الكبير»، كما يرد في دراسات النخبة الأمازيغية، فهم يعتبرون العرب متخلفين وأجانب، واللغة العربية لغة أجنبية فرضها الاحتلال العربي الإسلامي على الشعوب الأصلية للمنطقة، ومن ثم يعودون إلى فترات ما قبل الميلاد لإحياء الرموز التاريخية للبربر ذات الديانة النصرانية، ويعتبرون كسيلة والكاهنة وماسينسا زعماء تاريخيين لما يعدونه الحضارة البربرية، كما ظهرت كتابات حول إمبراطورية بورغوطة النصرانية في المغرب. وكل ذلك في إطار إحياء «حضارة البربر»، يقول أحد هؤلاء: «أما الرسالة التي تعرف اليوم أن هؤلاء «يقصد المسلمين» قد حملوها إلى شمال إفريقيا، فهي أمر لا يعرفه «يقصد كسيلة» لأن العرب لم يأتوا حاملين مصاحف مرتدين ثيابًا بيضاء ملائكية، بل جاؤوا جيوشًا جرارة بعتاد وخيل وقادة عسكريين «ورباط خيل»، لماذا إذن لا نقوم بتصحيح التاريخ بناء على منطق التاريخ؟ ولماذا نجعل من كلمة غزو محرمًا مكبوتًا، بينما هي كلمة صحيحة؟ وتحولت هذه الأسماء إلى رموز لهذه النخبة في المغرب إلى درجة أصبحوا يسمون بها أبناءهم رافضين الأسماء العربية، يقول أحد الكتاب الأمازيغيين في نداء موجه إلى الأمازيغيين جميعًا: «إخوتي، إخواني، لماذا هذه التعاسة والمعاناة؟ لماذا لا ترجعون إلى أنفسكم وذاتكم وشخصيتكم؟ لماذا تغريتم في أنفسكم وأرضكم؟ عد إلى نفسك يا أخي، إبق أيت تفاوت ولا تتمسخ إلى المستنير، وأنجب لنا ولنفسك «زيري وتزري»، ولا تخلق لنفسك «قيس ولبني» وأرضعهم من ثدي أمازيغي ليرضعوا حب الأرض والتاريخ، ليرضعوا اللغة وسر البقاء الأبدي، ويصل التطرف ببعض رموز هذا التيار إلى حد الجهر بإنكار إسلامه، فقد صرح أحدهم وهو من الجنوب المغربي في تجمع ثقافي للأمازيغيين ببروكسيل قبل عامين أن أعلن أنه أمازيغي يهودي، وليس أمازيغيًا مسلمًا، فقاطعه برابرة الريف وخاصموه.
ويتبنى التيار المتشدد مطالب متعددة بينها التنصيص على اعتبار الأمازيغية لغة رسمية في الدستور، كما يطالب بتعميم تدريس اللغة الأمازيغية في جميع مناطق المغرب للمغاربة كافة، وإنشاء مركز للدراسات الأمازيغية، (استجيب لهذا المطلب في ميثاق التربية والتكوين الذي أعدته مؤخرًا لجنة خاصة لوضع مشروع جديد للتعليم)، ومصادقة المغرب على اتفاقية الأمم المتحدة للشعوب الأصلية، وكان العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني قد أشار إلى ضرورة تدريس الأمازيغية في عام ١٩٩٤م ولم يتم تنفيذ ذلك، غير أن ميثاق التربية والتكوين أشار إلى «إمكانية اختيار السلطات التربوية الجهوية استعمال اللغة الأمازيغية أو أي لهجة محلية للاستئناس»، ورأى أصحاب التيار الأمازيغي في ذلك أمرًا غير كاف، وأن مصطلح «اللهجة» انتقاص من لغتهم، وهناك في المغرب إذاعات جهوية، كما يبث التلفاز المغربي نشرات إخبارية باللهجات الأمازيغية الشائعة الثلاث تاريفيت التي ينطقها برابرة الشمال والشمال الشرقي، وتامازيغت التي يستعملها برابرة الوسط والجنوب الشرقي، وتشلحيت التي يستعملها برابرة الجنوب الغربي.
ويواجه التيار الأمازيغي في المغرب معضلة تتعلق باللغة البربرية ومصداقية وجودها الفعلي؛ إذ ينكر المؤرخون أن تكون البربرية لغة قائمة الذات باعتبار أن اللغة لها قواعد منظمة، وخط مكتوب، وتراث ثقافي مدون، بينما الأمازيغية هي مجرد لهجات عديدة، ويدافع أصحاب هذه النزعة بكون الأمازيغية لغة لها جذور، ويجتهدون في إيجاد قواعد لها، وجمع تراثها الشفاهي من أناشيد وحكايات وأهاجيز وأشعار شعبية؛ للتدليل على وجود لغة أمازيغية، وبدأت تظهر بعض الكتابات بهذه اللهجات والمجلات والمنشورات والقصائد الشعرية، وتوجد في السوق المغربي عشرات الصحف الأمازيغية المكتوبة عناوينها بخط «تفيناغ» تعتمد اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية والأمازيغية المكتوبة بخط تيفيناغ أو باللاتينية، فأنصار النزعة الأمازيغية يرفضون كتابة الأمازيغية بالخط العربي؛ تأكيدًا لرفضهم للعربية والعروبة، ويدور الخلاف حول خط تيفيناغ وأصله، فمحمد شفيق عضو أكاديمية المملكة المغربية، وصاحب القاموس العربي الأمازيغي يؤكد وجود هذا الخط مستندًا إلى نقوش تركها القدماء على الصخور والصفائح الحجرية، تصل إلى ألف نقش، ويرده آخرون إلى (٣٠٠٠) سنة قبل الميلاد، والبعض يعود به إلى القرن الرابع قبل الميلاد، أو القرن الأول، ومن قائل إنه وجد بمنطقة فزان الليبية أو الأطلس الكبير بالمغرب، ويؤكد بعض الباحثين الأجانب أن تفيناغ الحالية ما هي إلا نتاج تطور الأشكال القديمة للأبجدية التي احتكت بدورها بالكتابة الفنيقية».
وطن قومي للأمازيغ:
ويرتبط عدد من الجمعيات ذات التوجه الأمازيغي بعضويته في الكونجرس العالمي الأمازيغي الذي عقد مؤتمره التأسيسي في فرنسا عام ١٩٩٥م، وعقد مؤتمره الأول في لاس بالماس بجزر الكناري في ۱۹۹۷م، ومؤتمره الثاني في أغسطس من العام الماضي بفرنسا أيضًا، وقد حدد الكونجرس العالمي في مؤتمره التأسيسي هدفه في توحيد ما يسمى بـ«الشعوب الأصلية» في وطن واحد هو «تامازغا» الذي يمتد من شمال إفريقيا إلى جزر الكناري والساحل الإفريقي، وتحرير هذه الشعوب المهددة بالانقراض في زعمهم، وتعتبر هذه المنظمة أول مبادرة عالمية لتوحيد الناطقين بالأمازيغية عبر العالم لإنشاء وطن قومي لهم، حتى أن أحد المغاربة الذين شاركوا في المؤتمر شبهه بالمؤتمر اليهودي العالمي الذي أراد جمع يهود الشتات في وطن قومي لهم، ويضم المؤتمر أكثر من أربعين منظمة وجمعية من المغرب والجزائر وليبيا والنيجر والولايات المتحدة وفرنسا وجزر الكناري وإسبانيا وألمانيا وهولندا وبلجيكا ومالي والتشاد وبوركينا فاسو، وتعود فكرة المؤتمر الأمازيغي العالمي إلى عام ۱۹۹۳م في أثناء انعقاد مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان في يونيو من ذلك العام، والذي شارك فيه أمازيغيون مغاربة في أول تظاهرة دولية لهم، حيث قام الوفد الأمازيغي بتوزيع وثائق ومنشورات تتحدث عن اضطهاد الأمازيغيين في المغرب، وتهميش اللغة الأمازيغية في الدستور والتعليم والإدارة والقضاء والإعلام، وتطور الأمر بنشر أحد أعضاء الوفد المغربي مقالًا في جريدة الوطن الجزائرية يدعو فيه إلى إنشاء مؤتمر عالمي للأمازيغيين، ولقيت الدعوة تجاوبًا من جانب بعض المثقفين الأمازيغيين.
وقد جعلت الأمم المتحدة من عام ١٩٩٣م عامًا دوليًا لما يسمى بالشعوب الأصلية وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم ٤٥/١٦٤ الصادر في ١٨ من عام ١٩٩٠م، وهو ما يشير إلى مساندة دولية لهذه النزعات الانفصالية التي يطالب بعض المنتسبين إليها بالحماية الدولية التي لا يبعد أن تتطور غدًا إلى شكل معين من التدخل الدولي تحت ستار التدخل الإنساني لحماية هذه الفئات التي تعتبر نفسها مضطهدة، وخاصة أن كثيرين من هؤلاء لا يخفون نواياهم الانفصالية تحت شعارات مختلفة وملتبسة، بل أعلن أحدهم في المغرب أن «إسرائيل أقرب إلينا من العرب»، لأنها نجحت في نظره في تكوين وطن قومي ليهود الشتات.
تفتيت وغزو ثقافي:
وهكذا يظهر التيار الأمازيغي في منطقة المغرب العربي كجزء من مسلسل تفتيت هذه المنطقة من العالم الإسلامي، والانسلاخ من الهوية الإسلامية الجامعة، في وقت يشهد المغرب العربي والعالم الإسلامي مخططات عدة للتجزئة والتفكيك، تحت تسميات عديدة الشرق أوسطية المتوسطية، الشراكة الأمريكية المغاربية، وسواها، وكل ذلك يصب في دعم مصالح الغرب، والتمكين للكيان الصهيوني، وإلهاء الشعوب والدول الإسلامية بالمشكلات الطائفية الداخلية الضيقة، وخلط الأوراق وإرباك الحركة الإسلامية، يقول الشيخ محمد الغزالي -يرحمه الله-: «إن الغزو الثقافي الجديد يقوم على شعبتين: إحياء النزعة البربرية كي تقاوم الإسلام وتمنع صحوته، وكذلك إنشاء نزعة جديدة عنوانها: ثقافة البحر المتوسط كي تقتطع الشعوب المطلة على هذا البحر من عالمها الإسلامي الرحب إلى عالم آخر تنهي روابطه بالإسلام تاريخيًا واجتماعيًا، لعله في نهاية المطاف يرتد على عقبيه وينسى رسالته الحضارية».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل