; النزاع الكردي - التركي يدفع المنطقة نحو التفجير! | مجلة المجتمع

العنوان النزاع الكردي - التركي يدفع المنطقة نحو التفجير!

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1322

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 20-أكتوبر-1998

  • الأفكار اليسارية لحزب العمال الكردستاني لا تلقى تأييدًا من أكراد تركيا.. لكن التعاطف يزداد مع عمليات الحزب بسبب سياسة القمع والإبادة التي يمارسها الجيش التركي

أسئلة كثيرة تدور حول تصعيد المؤسسة العسكرية التركية لأزمتها مع الأكراد ومحاولة نقل ثقل الأزمة إلى الحدود التركية - السورية التي تنذر بحرب إقليمية غير معلومة الأبعاد والنهاية، لكن ما تكاد تجمع عليه تحليلات المراقبين السياسيين هو أن هذا التصعيد يهدف من حيث توقيته إلى لفت الانتباه عن معركة داخلية شرسة تدور رحاها بين جنرالات تركيا وقوى التيار الإسلامي التركي وتتمثل في محاكمات رموز هذا التيار وعلى رأسهم رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان، وأركان الحزب الإسلامي الجديد حزب الفضيلة.

ويحاول الجيش التركي بواسطة دميته السياسية مسعود يلماظ تشديد قبضته على توجهات الشارع المسلم من خلال الإجراءات الأخيرة التي فرضتها الحكومة لتطبيق قوانين الحجاب في المدارس والجامعات، ومن خلال البحث عن أسباب تبرر حل حزب الفضيلة الجديد الذي تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال حصوله على أكثر من 30% من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية القادمة المتوقع إجراؤها العام المقبل.

لكن القادة الأتراك لم يوفقوا في توقيت ترويجهم لخطر حزب العمال الكردستاني اليساري على الأمن التركي إذ إن الفترة الحالية ربما تكون قد شهدت أهدأ فترة تعيشها تركيا منذ بدأت المواجهات المسلحة بين الحكومة التركية والمقاتلين الأكراد في عام ١٩٨٤م.

ما خلفية الصراع التاريخي بين الأكراد والأتراك وما مستقبل الصراع الذي يخوضه الأكراد في سبيل الدفاع عن هويتهم وثقافتهم؟

تعتبر الفترة من عام ١٩١٨ م إلى عام ١٩٢٢م بداية الثورة الكردية ضد الدول التي تشكلت في ذلك الوقت في تركيا وإيران والعراق، إذ رسمت في تلك الفترة خارطة دولية جديدة للمنطقة، وظهرت كيانات جديدة لم يكن منها دولة واحدة للأكراد. ووجد أكثر من نصف الأكراد أنفسهم ضمن الجمهورية التركية الجديدة.

وكانت ثورة الشيخ سعيد في عام ١٩٢١م أول ثورة منظمة يشملها الأكراد للمطالبة بكيان مستقل. وعلى الرغم من أن شيوخ الأكراد والتدينين قادوا تلك الثورة احتجاجًا على إسقاط الخلافة العثمانية من قبل الكماليين العلمانيين ومن أجل مطلب يعتبرونه عادلًا هو إقامة دولة خاصة بهم، إلا أن كثيرًا من المؤرخين الأتراك تغاضوا عامدين عن البعد الديني الذي تضمنته ثورة الشيخ سعيد. ووصموها بطابع قومي أو حتى قبلي، فالشعارات التي كان يرفعها الشيخ سعيد والتعبئة التي كان يروج لها كانت إسلامية الوجه والمدلولات، وقد أوضح البروفيسور الأمريكي روبرت أولسون في دراسة له عن هذه المرحلة من تاريخ الأكراد أن كثيرًا من زعماء الثورة الكردية كانوا ساخطين على حکام تركيا الجدد بسبب إلغائهم للخلافة، ورأى أولسون أن معظم الأكراد الذين شاركوا في ثورة الشيخ سعيد قد فعلوا ذلك بدوافع دينية وقومية مختلطة، ومن الواضح أن الأكراد كانوا قانعين بالعيش ضمن الدولة العثمانية، حيث كانوا يعتبرونها وعاء للمسلمين ولذلك لم يبدر منهم أي محاولة انشقاقية أو ثورة على الخليفة في القسطنطينية، أما بعد تقسيم تركة الرجل المريض في المنطقة إلى دويلات، وبعد أن سيطر مصطفى كمال ذو النزعة القومية التركية الواضحة على مقاليد الحكم في تركيا، لم يجد الأكراد مفرًا من التمرد والمطالبة بدولة خاصة بهم، وخصوصًا بعد أن وجدوا أنفسهم مشتتين في عدة دول متجاورة وأصبحت كردستان اليوم مقسمة بين تركيا (43%) وإيران (31 %)، والعراق (18 %) وسورية (6 %) وأذربيجان (2 %).

لكن ثورة الشيخ سعيد لم تدم طويلًا، واستطاع النظام العلماني الجديد القضاء عليها عام ١٩٢٥م وبسرعة بسبب عدة عوامل أهمها: النزاعات القبلية بين الأكراد، والخلافات بين السنة الذين يشكلون الغالبية العظمى من الأكراد، والأقلية الشيعية والعلوية، وداخل السنة أيضًا ظهرت الخلافات بين النقشبندية وغيرهم، إضافة إلى الخلافات بين من يتكلمون لغة الديملي أو ما تعرف محليًا بلغة الزازا والآخرين، ولعل عدم وحدة الأكراد والنزاعات المستحكمة بينهم من أهم الأسباب التي تمنع إقامتهم لدولة خاصة بهم، وما زالت العقلية القبلية تتحكم بمصير وتوجهات الأكراد، فقبيلة معينة تؤيد الحكومة التركية أو حزبًا تركيًا معينًا، بينما قبيلة أخرى تؤيد حزب العمال الكردستاني في تركيا أو الجبهة الكردية في العراق وهكذا.

كما لا يمكن تجاهل العامل الأساسي في محنة الأكراد وهم الإنجليز الذين - كما هي عادتهم - بذروا أسباب الفرقة والخلاف من خلال رسمهم لخارطة المنطقة قبل الانسحاب منها بحيث حرموا شعوبًا من تكوين كيانات مستقلة بهم، وأعطوا آخرين كيانات لا يستحقونها، وخلقوا في كل بلد خرجوا منه صراعات دينية أو عرقية، والأمثلة على ذلك كثيرة تعتبر الأزمة الكردية واحدة منها.

حزب العمال يقود الحرب

أنشئ حزب العمال الكردستاني عام ١٩٤٧م كحزب ماركسي لينيني يتكون في غالبيته من أكراد تركيا، وعلى الرغم من هذه الحقيقة إلا أن تغيرات بدأت تطرأ على فكر الحزب منذ انتهاء الحرب الباردة، ففي المؤتمر العام الخامس للحزب الذي عقد في يناير ۱۹۹٥م قرر المجتمعون التخلي عن شعار المطرقة والمنجل (رمز الشيوعية) الذي كان مرسومًا على علم الحزب، كما تفاخر الحزب بأنه أول من تخلى عن الاشتراكية السوفييتية، وعن السياسات العقدية الأخرى بعد نهاية الحرب الباردة، إذ دان الاشتراكية السوفييتية ووصفها بأنها «أكثر الاشتراكيات رجعية وعنفًا»!

ويسعى الحزب إلى إقامة دولة كردية مستقلة في جنوب شرق تركيا، حيث يشكل الأكراد الغالبية العظمى من السكان، وقد بدأ عملياته المسلحة ضد القوات التركية عام ١٩٨٤م، ولم تتوقف حتى اليوم وأدت هذه الحرب إلى مقتل أكثر من ٢٣ ألف شخص من الجانبين مقاتلين ومدنيين، كما تسببت في تدمير أكثر من ثلاثة آلاف قرية كردية في جنوب شرق البلاد، وجعلت أكثر من مليوني شخص مشردين بدون مأوى، وعلى الرغم من أن هذا الحزب الانفصالي اليساري لا يلقى تأييدًا واسعًا من أكراد تركيا، إلا أن سياسة القمع والإبادة والاغتيالات والاعتقالات التي يمارسها الجيش التركي ضد الأكراد في جنوب شرق تركيا أدت إلى تزايد أعداد الأكراد ممن يتعاطفون مع عمليات حزب العمال.

وعلى خلاف الواقع في العراق وإيران حيث يقود النضال الكردي أحزاب متصارعة فيما بينها، فإن حزب العمال الكردستاني اليساري يقود الحركة الكردية في تركيا منفردًا وبدون منافس.

وهو في طليعة المنظمات والجماعات التي تصنفها وزارة الخارجية الأمريكية كمنظمات إرهابية دولية إذ تنسب إليه المئات من العمليات المسلحة التي نفذها في أنحاء مختلفة من أوروبا وخصوصا في ألمانيا، ويستهدف الحزب في عملياته قوات الأمن التركية بشكل رئيس لكنه ومنذ عام 1993م وسع قاعدة عملياته لتشمل المصالح التركية التجارية والسفارات التركية في كثير من المدن الأوروبية وخصوصًا ألمانيا، كما استهدف الحزب الصناعة السياحية التركية من خلال تفجير المواقع السياحية والفنادق وخطف السياح الأجانب ويتراوح عدد قوات الحزب بين عشرة آلاف إلى ١٥ ألف مقاتل.

ومع ذلك يحاول هذا الحزب الآن أخذ مبادرات سياسية لتحسين صورته المشوهة عاليًا من خلال فتح قنوات اتصال وبناء علاقات مع عدد من الدول الأوروبية كاليونان وألمانيا، ويلقى في هذا الحزب تعاطفًا واضحًا من جانب الشعب اليوناني وحكومته بسبب العداء التاريخي بين اليونان وتركيا، ففي إبريل من العام الماضي قدم ١٥٧ نائبًا في البرلمان اليوناني عريضة يطالبون فيها بدعوة رئيس الحزب عبد الله أوجلان لزيارة اليونان، ويوجد في أثينا تمثيل رسمي لجبهة التحرير الوطني الكردستانية وهي الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني إضافة إلى منظمة يسارية كردية أخرى تدعى حزب التحرير الشعبي الثوري الذي تتهمه الإدارة الأمريكية بالمسؤولية عن قتل رجلي أعمال أمريكيين في تركيا عام ١٩٩٦م، وتنفي الحكومة اليونانية مع ذلك اتهامات تركيا لها بتدريب مقاتلي حزب العمال الكردستاني في أراضيها وتقديم المساعدة لهم.

وعلى ذمة مسؤولي الحزب فقد اتخذ مؤتمرهم الأخير سلسلة قرارات للحفاظ على حقوق الإنسان خلال العمليات العسكرية التي ينفذها مقاتلوهم ضد القوات التركية من ضمنها الامتناع عن إيذاء المدنيين الأبرياء سواء كانوا من أصل كردي أو تركي وزعمت مصادر حزب العمال الكردستاني بأن هجماتهم المستقبلية ستكون أكثر انتقائية وحرصًا حتى تعكس صورة إيجابية عن نضال الشعب الكردي من أجل الاستقلال، كما أن الحزب أعلن أكثر من مرة عن مبادرات لوقف إطلاق النار بين قواته والقوات التركية لكن الحكومة التركية رفضتها كلها بدعوى أنها لا تتفاوض مع إرهابيين، وتؤكد على أنها ستستمر في حربها ضدهم بدون هوادة.

وحاول زعيم الحزب عبد الله أوجلان تقديم إشارات ومبادرات ايجابية عام ١٩٩٦م في محاولة لرفع الحظر الذي تفرضه الحكومة الألمانية على أنشطة ومؤيدي الحرب في ألمانيا منذ عام 1993م. وذلك من خلال وعود بعدم تنفيذ عمليات عسكرية ضد المصالح التركية في ألمانيا، إلا أن حزب العمال اليساري لم يلتزم بوعوده فشن سلسلة هجمات على المصالح التركية، بل وحتى المساجد التركية في ألمانيا انتقامًا من الغزو التركي لشمال العراق لكن عدد تلك العمليات تراجع بصورة ملحوظة في عام ١٩٩٧م، الأمر الذي شجع الحكومة الألمانية على الإعلان في مطلع هذا العام بأن حزب العمال الكردستاني لم يعد بالنسبة لها منظمة إرهابية.

جدول بأعداد الأكراد حسب أماكن وجودهم (تقديرات 1997م)  
البلدمجموع السكان الكليتعداد الأكراد
تركيا65 مليونًا14.300 مليون
إيران65 مليونًا6.500 مليون
العراق19.300 مليون4.400 مليون
سورية13.300 مليون1.100 مليون
أذربيجان-500 ألف
أماكن أخرى-1.700 مليون
المجموع الكلي-28.500 مليون

 

ومع ذلك فقد صرح وزير الداخلية الألماني بأن حكومته ستبقى تعتبره منظمة إجرامية (وليس إرهابية) محظورة وستلاحق قضائيًا كل المتورطين في الهجمات داخل ألمانيا، وكان رئيس المخابرات الألمانية كلاوس جرينوالد قد اجتمع في أغسطس عام ١٩٩٥م بزعيم حزب العمال الكردستاني، حيث طلب منه وقف العمليات المسلحة داخل ألمانيا.

الموقف الأوروبي

أوروبا الغربية ليست راضية عن الطريقة التي تتعامل بها الحكومة التركية مع المسألة الكردية وخصوصًا غزو قواتها المتكرر لشمال العراق الملاحقة قوات حزب العمال الكردستاني، إضافة إلى انتهاكها لحقوق الإنسان الكردي والتركي على السواء، وتتهم هذه الدول تركيا بإنكارها للحقوق الاجتماعية والثقافية الأساسية للأكراد، ومحاولة تذويب أكثر من ١٤ مليون كردي في الثقافة التركية، وأدى ذلك الموقف إلى امتناع دول الاتحاد الأوروبي عن تزويد تركيا بالسلاح، كما تتخذ الدول الأعضاء في الاتحاد من الطريقة التي تتعامل بها الحكومة التركية مع الأكراد ذريعة لحرمان تركيا من عضوية الاتحاد.

وسواء كانت هذه الدول صادقة في موقفها من هذه المسألة أم أنها مجرد ذريعة لإبقاء تركيا الدولة المسلمة خارج المنظومة الأوروبية، فإن كثيرًا من هذه الدول لا تخفي تعاطفها مع الأكراد، بل ومع حزب المجال الكردستاني الموضوع على قائمة الإرهاب الأمريكية، ويعكس الموقف الأوروبي من قبول مئات الآلاف من الأكراد كلاجئين في أوروبا الغربية مدى التعاطف الأوروبي مع القضية الكردية.

الأكراد بشكل عام لم ينجحوا حتى الآن ومن خلال نضالهم الطويل في تحقيق الهوية الكردية المستقلة، وحتى ذلك الكيان الكردي الهش الذي أقيم في شمال العراق عام ١٩٩٢م لا يستطيع الاستمرار بسبب الحصار الاقتصادي المفروض عليه، وبسبب عدم الاعتراف به من قبل المجتمع الدولي وخصوصًا أوروبا الغربية، وفي ضوء النزاعات القبلية بل والعرقية التي تمزق النسيج القومي الكردي الواحد فمن غير المتوقع أن يتمتع هذا الكيان بعناصر البقاء والاستقلال، أما في جنوب شرق تركيا فإن المقاومة العنيدة التي يبديها المقاتلون الأكراد هناك منذ عام ١٩٨٤م لم تمكن الحكومة التركية من فرض حلها العسكري على الأكراد، كما أن حلًا سياسيًا يقبله الأكراد لا يلوح في الأفق، لكن الحرص التركي على عضوية الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى عنف هجمات حزب العمال الكردستاني التي ضربت بشكل قوي الاقتصاد التركي من خلال ضرب الصناعة والسياحة فيها ربما يرغم الحكومة التركية في نهاية المطاف على تقديم تنازلات على شكل حكم ذاتي محدود للأكراد يحافظ على هويتهم وثقافتهم.

كما فعلت الحكومة العراقية في أوائل السبعينيات لكن هل يرضي هذا طموح وآمال الملايين من أكراد تركيا؟

الرابط المختصر :