العنوان النرويج: بالقانون.. أبناء المسلمين يدرسون النصرانية
الكاتب عبد الرحمن سعد
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-2000
مشاهدات 78
نشر في العدد 1400
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 16-مايو-2000
■ الحكومة تقرر تدريس مادة «التربية المسيحية» إجباريًّا بدعوى تعميق الانتماء للكنيسة البروتستانتية
■ المسلمون يتظاهرون احتجاجًا، ويهددون باللجوء للمحكمة الأوروبية
النرويج.. دولة أوروبية إسكندنافية، وبرغم ذلك فهي الدولة الأوروبية الوحيدة التي ينص دستورها على أنها «دولة مسيحية»، وليست دولة علمانية، كما أنها الدولة الأوروبية الوحيدة التي ترفض السماح بإقامة المدارس الخاصة، وفضلًا عن ذلك فهي تفرض دراسة مادة «التربية المسيحية» مع التوجيه الديني والعقيدة الحياتية، بالإجبار على جميع الملتحقين بالمدارس.
هذا الأمر سبب معاناة كبيرة للمسلمين، فالطفل المسلم مطالب - بالإجبار- بدراسة العقيدة النصرانية والتثليث والاعتراف أمام الكاهن.. إلخ، مما جعل المسلمين يمارسون ضغوطًا على الحكومة النرويجية، وبالفعل استجابت مؤخرًا لمطالبهم، وقررت رفع الدراسة الإجبارية عن أبناء المسلمين ولكن مع حضور الطالب مشاهد الاعتراف للكاهن والصلاة فضلًا عن ضرورة حفظ النصوص الكنسية، وسماع التراتيل والطقوس والشعائر الكنسية داخل الفصول.
بالطبع زاد الطين بلة، وأصبح الطفل المسلم معفيًّا من دراسة العقيدة النصرانية، ولكن مع إلزامه بحضور تدريسها، ومجلس الاعتراف.. إلخ، مما يؤثر على عقيدته ونفسيته تأثيرًا بليغًا، والقصص الكثيرة تروى في هذا الصدد عن الطفل الذي عاد إلى المنزل، ثم سأل أباه «كيف أرسم الله؟»، كما فعل زملائي أو ذلك الذي عاد ليقول: إن الله له ابن هو عيسى، وغير ذلك من الانحرافات الاعتقادية التي فوجئ بها المسلمون على أبنائهم.
المسلمون لم يصمتوا إزاء ما يجري لأبنائهم من تنصير وتشويه لعقيدتهم الإسلامية، وقد رفعوا قضية على الحكومة يطالبونها بإعفاء أبنائهم من دراسة هذه المادة العجيبة، وهم يتدرجون في خطواتهم، وقد نظموا مظاهرات يوم الخميس الماضي «الرابع من مايو الجاري»، وتوجهوا إلى مقر البرلمان النرويجي، وقدموا رسالة احتجاج إلى رئيسه، مرددين الهتافات، وحاملين الرايات، ومتظاهرين وقوفًا، من أجل إلغاء إجبار أبنائهم على دراسة هذه المادة التي تتعارض مع عقيدتهم.
الغريب أن تدريس هذه المادة يشمل تدريس الدين المسيحي مع تقديم معلومات معمقة عن الإنجيل والثقافة والمعتقدات اللوثرية بهدف «أن تصل المادة الطلاب بالشعور بالانتماء للكنيسة النرويجية البروتستانتية»، وفي الوقت ذاته قررت وزارة التعليم النرويجية دمج المادة - محل الخلاف - مع المواد الأخرى كالقراءة والكتابة، وغيرها للفصول التمهيدية ردًّا على أولياء الأمور الذين أخرجوا أطفالهم من حصة «الدين المسيحي» رغمًا عن المدرسة.
البداية في البرلمان
والقصة من بدايتها - كما يشرح للمجتمع - محمد حمدان- مسؤول المجلس الإسلامي في روجلاند- تعود إلى بدايات عام ١٩٩٥م حينما أصدر البرلمان قرارًا حول المادة التعليمية الجديدة المقدمة «التربية المسيحية مع التوجيه الديني والعقيدة الحياتية» مع باقي المواد التابعة للمخطط الدراسي باعتبارها واحدة من المواد الجديدة المقررة في المدرسة الأساسية المؤلفة من عشر سنوات على أن تبدأ صلاحية المخطط الدراسي الجديد اعتبارًا من افتتاح المدارس في خريف عام ۱۹۹۷م، ومن أجل طلاب الصفوف ١، ٢، ٥، ٨ وضع البرلمان أسس المادة على أنها:
تعطي معلومات معمقة عن الإنجيل والديانة المسيحية على أنها ثقافة متوارثة ومعتقدات لوثرية إنجيلية «لها علاقة بالمصلح الديني لوثر».
تعطي معلومات عن مجتمع الكنائس المسيحية المتعددة.
تتضمن معلومات عن الديانات السماوية والمعتقدات الحياتية الأخرى، ومواضيع أخلاقية وفلسفية.
تساعد على الوصول إلى فهم واحترام القيم المسيحية والإنسانية.
تساعد على الوصول إلى فهم واحترام وفتح باب الحوار بين الناس المختلفين في آرائهم ومعتقداتهم حول الدين والطروحات الحياتية بشكل عام.
البرلمان عاد في أكتوبر من العام نفسه (١٩٩٥م)، وإزاء اللغط حول إجبارية هذه المادة، فقرر تعديل المادة رقم ۱۳ «الفقرة العاشرة» التي قضت بإجبارية المادة لتصبح كالتالي: «ستكون التربية المسيحية مع التوجيه الديني والعقيدي مادة مدرسية تجمع بشكل طبيعي جميع التلاميذ، وعند الإخطار الخطي من قبل الأهالي أو أولياء الأمور يحصل التلاميذ في جميع المدارس النرويجية على إعفاء من جزء من الأنشطة الدينية التي يمكن أن تمارس خارج الفصل».
وأضافت الفقرة: «سوف تقوم المدرسة عند وصولها تبليغ عن الرغبة في الحصول على إعفاء من هذا الجزء، وذلك في المرحلة التمهيدية، وفي حال أن الوضع الاقتصادي للمدرسة يسمح بذلك - بإيجاد مادة تدريسية بديلة، ولكن ضمن المخطط التدريسي للمادة، التلاميذ الذين تجاوزت أعمارهم ١٥ سنة هم الذين يقدمون بشكل شخصي تبليغ الإعفاء المذكور سابقًا»..
في الشروحات البرلمانية لهذا القانون التوضيح (٥ رقم ٩٥) ينص على الأنشطة التي يمكن أن يحصل التلميذ على إعفاء منها:
«الاعتراف للكاهن، الصلاة، الحفظ عن ظهر قلب للنصوص الدينية، المشاركة في الأناشيد الجماعية، وحضور الطقوس أو العبادات الإلهية المختلفة».
المادة الجديدة تشتمل حسب المناهج التعليمية على ٧٥% تدريس الدين المسيحي، و١٠ نبذة تعريفية عن أربعة ديانات، بالإضافة لنبذة عن معتقد اللادينيين- الذين لا يؤمنون بإله - و١٥% تعلم الأخلاق.
ومثال على ذلك كتاب الصف الثاني الابتدائي يتكون من ۱۳۳ صفحة من المعلومات الدينية بالتوزيع التالي: النصرانية (۹۳) صفحة، اليهودية (٤) صفحات، الإسلام (٤) صفحات، البوذية (٣ صفحات)، اللادينيون (صفحتان)، الأخلاق (٢٤) صفحة.
تحرك المسلمين
والأمر هكذا، بدأ المجلس الإسلامي في النرويج منذ بداية مشروع القانون لهذه المادة اتصالاته ومراسلاته مع السياسيين والبرلمانيين من جهة ووزارة التعليم والبحوث الكنسية من جهة أخرى في محاولة للحصول على إعفاء كامل من المادة، وتصويب المعلومات الخاطئة التي تحتويها المناهج الدراسية عن الدين الإسلامي، وشكل المجلس لجنة لمتابعة هذا الأمر، لكن النتائج كانت غير إيجابية، فلم يحصل على إعفاء لأبناء المسلمين، ولم يؤخذ إلا بجزء من التصويبات التي قدمها بشأن المعلومات الواردة عن الإسلام في الكتب المدرسية، ولأن البرلمان وضع ٣ سنوات تجريبية لهذه المادة قبل إقرارها بشكل نهائي، فقد توجه المسلمون بالتعاون مع جميع الجمعيات النرويجية المناهضة لهذه المادة، وشكلوا جمعية الآباء التي عملت على إرشاد الآباء بضرورة إظهار رفضهم لهذه المادة، وتقديم طلبات إعفاء كامل من المادة للمدارس والخروج بمظاهرات سلمية.
وقد اختير يوم الأمم المتحدة يوم ٢٤ أكتوبر كيوم لتظاهر المسلمين السنوي، وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية خرج المسلمون بمظاهرات كان آخرها في أكتوبر ۱۹۹۹م، وشارك في المظاهرة ما لا يقل عن ٦ آلاف متظاهر، بالإضافة لتنفيذ إضراب عن الدراسة في يومين مختلفين من العام الدراسي الأول في ٢٣ أكتوبر ۹۹، والثاني في ٤ مايو ۲۰۰۰م الجاري، والنتيجة - كانت وما زالت - مخيبة للآمال، فالإعلام العربي والإسلامي بعيد كل البعد عن القضية، وبالتالي فرجال السياسة العرب والمسلمون لم يحاطوا علمًا بما يجري، وبذلك كانت ولا تزال الحكومة النرويجية بمنأى عن الانتقادات والضغوط مما شجعها على غض الطرف عن مدراء المدارس الذين مارسوا ضغوطًا على أولياء الأمور والطلاب، مما أدى في بعض الحالات لنتائج نفسية سلبية على بعض الأطفال، وهناك حالات محددة شاهدة على ذلك.
كلف البرلمان أكاديمية المعلمين النرويجية في مدينة بيرجن ومركز دايكون للمدارس العالية بإجراء دراسة لتقويم المادة، وردود فعل التلاميذ، وأولياء الأمور عليها خلال سنوات التجربة الثالث، وهذه الدراسة سيعتمد عليها البرلمان في التصويت النهائي لإقرار المادة هذا العام.
كان الاختيار لطمة قوية لجهود المسلمين، فأكاديمية المعلمين النرويجية ليست جهة محايدة، فهي تملك سبع منظمات نصرانية تضم جمعيات تنصيرية عديدة داخل النرويج وخارجها.
لجأ المسلمون للمحاكم النرويجية، وقد أوكل ۲۲ مركزًا إسلاميًّا المجلس الإسلامي توكيلًا خطيًّا رفع هذه القضية، ونظرت المحكمة القضية يوم ٢٥ أكتوبر ۱۹۹۹م، واستعان المجلس الإسلامي بالدكتور عزام التميمي كخبير في حقوق الإنسان؛ لتوضيح موقف القوانين والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، والأقليات الدينية من هذه القضية أمام المحكمة، لكن المحكمة قضت برفض الدعوى، مستندة لادعاء الحكومة بأن إجبار غير النصارى على دراسة هذه المادة لا يتعارض مع هذه القوانين!، مع أن نقيب القضاة إيريك موس نصح الحكومة في يناير ۱۹۹۷م بعدم إجبار غير النصارى على دراسة هذه المادة، موضحًا أن هذا مخالف لهذه القوانين، بل ومخالف للمعاهدات التي وقعت عليها النرويج في مجال حقوق الإنسان.
المسلمون لم ييأسوا واستأنفوا الحكم مصممين على المضي قدمًا في الرفض لهذه المادة؛ حتى الحصول على الإعفاء الكامل حتى لو اقتضى الأمر اللجوء لمحكمة دولية «محكمة العدل الأوروبية»، لكنهم يحتاجون الدعم من الدول العربية والإسلامية التي يجب أن تمارس ضغوطًا على الحكومة النرويجية من أجل الاستجابة لمطالب المسلمين والاهتمام بهم وأبنائهم ومستقبلهم في بلاد الغرب، خاصة أن مادة الدين المسيحي - بموجب القانون - أصبحت مادة إجبارية في جميع السنوات الدراسية العشر الأولى للتلميذ.
إن الوقت يمر بسرعة وأبناء المسلمين في النرويج مجبرون على المشاركة والحضور في هذه المادة حتى صدور قرار إعفاء من المحكمة والبرلمان.
فهل يصدر هذا القرار قريبًا تحت ضغوط المسلمين في الداخل وإخوانهم في الخارج؟
هذا ما نأمله..
٩٦ ألف لاجئ إلى أوروبا خلال ٣ شهور
حققت معدلات التقدم بطلبات اللجوء في البلدان الأوروبية تراجعًا ملحوظًا خلال الشهور الماضية؛ إذ أعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن نحو ٩٦ ألف شخص تقدموا باللجوء في الدول الأوروبية خلال الربع الأول من العام الجاري مقارنة بقرابة ١٠٥ آلاف مسجلين في الفترة ذاتها من العام الماضي.
وعزت المفوضية - التي تتخذ من جنيف مقرًّا لها - هذا الانخفاض الذي يبلغ ٨% إلى تراجع معدل اللجوء من يوغسلافيا السابقة التي شهدت في العام الماضي أزمة حادة؛ بسبب حرب كوسوفا، كما لاحظت المفوضية التراجع الحاد الذي طرأ على أعداد اللاجئين من العراق وأفغانستان خلال الشهور الماضية.
أما فيما يتعلق بالدول التي استوعبت المتقدمين بطلبات اللجوء، فقد تربعت ألمانيا -كالعادة- في مقدمتها؛ إذ طلب اللجوء إليها ١٩ ألف شخص خلال الربع الأول من العام الجاري، وهو ما يمثل تراجعًا بنحو ثلاثة آلاف طلب مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وحلت بريطانيا في المرتبة الثانية بفارق طفيف للغاية، تلتها هولندا، ثم سويسرا.
لكن المفوضية رأت أن أعداد المتقدمين باللجوء في بريطانيا قد تكون هي الأعلى من الناحية العملية، نظرًا إلى أن الأرقام الرسمية التي توثق لذلك تخصص طلبًا واحدًا للعائلة الكاملة، خلافًا لما هو معمول به في الدول الأوروبية الأخرى.