العنوان النداء الأخير قبل أن تقلع الطائرات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 22-مارس-2003
مشاهدات 65
نشر في العدد 1543
نشر في الصفحة 9
السبت 22-مارس-2003
تجمعت سحب الحرب فوق المنطقة بعد الإنذار الأمريكي وربما تكون الحرب قد اندلعت – لا قدر الله – وهذه السطور بين يدي القارئ لكن ذلك لا يفقدنا الأمل في أن يجنب الله المنطقة وشعوبها ويلات ما يبيت لها، والخطر الذي يستشعره القاصي والداني ممن شعوب العالم.
فبينما كانت قمة الحرب الرباعية: الأمريكية, البريطانية, الإسبانية, البرتغالية مجتمعة يوم الأحد الماضي في مكان منعزل بجزيرة ترسييرا بأرخبيل «أثوريس» البرتغالي, واصل العالم انتفاضته ضد الحرب، حيث اهتزت معظم المدن والعواصم العالمية بمظاهرات حاشدة تندد بالحرب وتدعو للسلام، وقد كان أكثرها حشدًا في مدن وعواصم دول قمة الحرب الرباعية ذاتها، فقد شهدت العديد من الولايات الأمريكية مظاهرات كان أكثرها حضورًا مظاهرة العاصمة واشنطن التي كان على رأسها قادة سياسيون من بينهم وزير العدل الأسبق رامزي كلارك، وهي المظاهرة التي أحاطت بالبيت الأبيض ثم اتجهت إلى مقر وزارة العدل مطالبة بالكف عن الاستعداد للحرب، وفي الوقت نفسه خرجت مظاهرات أخرى فيما يقرب من مئة مدينة أمريكية.
وفي العاصمة الإسبانية مدريد تظاهر ما يقرب من نصف المليون رافعين شعارات تطالب رئيس الوزراء خوسيه ماريا أثنار بالاستقالة وتتهمه بالتبعية والضعف.
وفي إيطاليا تظاهرت أعداد مماثلة وطالبت باستقالة رئيس الوزراء برلسكوني المؤيد لواشنطن في حربها.
وفي العاصمة البريطانية لندن تواصلت المظاهرات الغاضبة منددة بمشاركة بريطانيا في الحرب.. كما شهدت العديد من العواصم مظاهرات مماثلة في موسكو وباريس وأنقرة وأثينا وكوبنهاجن وقبرص وكانبيرا وطوكيو وسول ونيودلهي وفي العواصم العربية القاهرة وصنعاء وعمان وبيروت.. واللافت أن هذه المظاهرات حفلت بمشاهد تمثيلية إنسانية مؤثرة لما يمكن أن يقع من جرائم بحق الأطفال والشيوخ والنساء خلال الحرب، كما كان لافتًا أن العديد من المظاهرات توجه إلى القواعد الأمريكية في بلادها والتي يتوقع أن تستخدم في الحرب، فقد تجمع أكثر من خمسة عشر ألف متظاهر إسباني حول قاعدة مورون دي لافرونيترا الجوية الإسبانية التي نستخدمها الولايات المتحدة، كما تجمع المتظاهرون اليابانيون في مدينة «ناها» كبرى مدن جزيرة أوكيناوا حيث يوجد عدد كبير من القوات الأمريكية.
وواصل الملايين في العالم إرسال نداءاتهم المتتالية برفض الحرب إلى رؤساء الدول والحكومات وإلى الأمم المتحدة، وجرت على الساحة الدولية تحركات ومساع ونداءات للحيلولة دون وقوع الحرب, وفي تحرك إفريقي مهم أرسل رؤساء ثلاث دول إفريقية كبرى - هي نيجيريا والسنغال وجنوب إفريقيا – برسالة مشتركة باسم القارة الإفريقية إلى كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة قالوا فيها: «إن أي هجوم على العراق يعني كارثة للاقتصاد في أكثر قارات العالم فقرًا.. وسيكون له تأثير مدمر لا رجعة فيه على الوضع الدقيق في الشرق الأوسط وعلى السلام العالمي بشكل عام».
وفي الهند أعلن وزير الدفاع أن بلاده لن تسمح للطائرات الأمريكية أو طائرات التحالف بالتزود بالوقود من أراضيها في حال بدء الحرب.
كما وجه أكاديميون وصحافيون ورجال أعمال عرب بيانًا نددوا فيه بإصرار الولايات المتحدة على الهيمنة على مقدرات الشعوب وإضعاف الشرعية الدولية وفتح المجال لتفكيك العلاقات الدولية, وقال البيان: «إن الإدارة الأمريكية تحمي أسلحة الدمار الشامل لدى إسرائيل، وتهدد بالقوة العسكرية لنزعها من الدول الأخرى في العالم الثالث، مستنكرًا الازدواجية التي تتعامل بها واشنطن ولندن مع مختلف قضايا العالم».
وقد أظهرت استطلاعات الرأي رفض غالبية الشعب الأمريكي للحرب، حيث أكدت – مؤسسة استراتيجية الرأي العام الأمريكية في استطلاع لها الجمعة 14/3 الجاري أن أكثر من ٥٠٪ منهم يرفضون شن حرب على العراق دون موافقة الأمم المتحدة، على الرغم من خضوعهم لأكبر عملية غسل مخ جماعي لتأييد الحرب. وواصل العديد من المسؤولين والكتاب والخبراء الأمريكيين إعلان رفضهم لشن الحرب فقد ندد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بإصرار الرئيس بوش على الحرب وقال في مقال له بصحيفة «إنترناشيونال هيرالد تريبيون»: «إن تصميم إدارة بوش على شن حرب على العراق دون دعم دولي هو خرق للمبادئ الدينية والقانون الدولي ولتحالفات الولايات المتحدة», وأضاف: «إنني على معرفة عميقة بالمبادئ التي تستند إليها أي حرب عادلة، وإن أي هجوم انفرادي على العراق لا يلبي متطلبات هذه المعايير».
وقالت الكاتبة دانا ميلبانك في صحيفة الواشنطن بوست: «إن الرئيس بوش يريد تصعيد خوض الحرب الي يسعى إليها.. وهو يحاول إقناع نفسه بأنها ليست فقط مجرد حرب، فهي تنطوي أيضًا على أسباب دينية»، فيما اعتبرت نيويورك تايمز الحرب محاولة للقفز فوق القانون الدولي وتهميشًا لدور الأمم المتحدة، في الوقت الذي تواصل فيه العديد من دول العالم رفضها لمبدأ الحرب الذي تريد واشنطن فرضه على المجتمع الدولي كحل للأزمات الدولية.
وفي بريطانيا تعاني حكومة توني بلير في من أزمة حقيقية بعد تزايد عدد الرافضين للحرب داخلها وداخل حزب العمال الحاكم وقد جسد هذه الأزمة استقالة وزيري الدولة للشؤون البرلمانية والصحة وتهديد كلير شورت وزيرة التنمية الدولية بالاستقالة، فيما تلوح تهديدات أخرى باستقالات جديدة، وقد كان موقف الوزيرة شورت بمثابة الصاعقة – وفق المراقبين – على توني بلير رئيس الوزراء الذي انتقدت الوزيرة طريقة حكمه وارتباطه الأعمى بالرئيس بوش.
وقد ذكرت صحيفة «بوسطن جلوب» أن هناك نوابًا في حزب العمال الحاكم بصدد تقديم استقالاتهم، في الوقت الذي طالب آخرون بلير بالرحيل.
هكذا قال العالم بشعوبه وسياسييه وخبرائه كلمته المعارضة بشدة للحرب غير القانونية وغير الأخلاقية.. فهل تعي الإدارة الأمريكية وحلفاؤها قيمة هذه المعارضة التي لم يشهد لها العالم مثيلًا تجاه أي قضية أخرى؟ وهل يدرك المندفعون في اتجاه الحرب الأخطاء الجسيمة التي ستحول العالم كله إلى أتون حرب لا تبقي ولا تذر، حيث تنهار كل أسس العلاقات الدولية وتسود شريعة الغاب ويلجأ كل طرف إلى تسوية حساباته بالقوة والبطش ويجري إلغاء دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن بقرار منفرد من الإدارة الأمريكية.
نأمل أن يدرك قادة الحرب تلك الأخطار وأن يستمعوا لهذا النداء الأخير قبل أن تقلع الطائرات، حاملة الموت والدمار.. لا للشعب العراقي فحسب بل لكثير من شعوب العالم بعد أن تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها قد خطوا طريقًا بائسًا للعالم، معالمه جماجم الضحايا ودماء الأبرياء.
أما عن إزالة النظام العراقي فلا يختلف الناس على ضرورة إزالة الحكم الديكتاتوري في منطقتنا العربية والإسلامية بشكل خاص كنظام صدام وغيره، لكن ذلك لا يبرر تعريض أرواح الأبرياء للخطر وسفك الدماء والهجوم الكاسح والتدمير الشامل للمرافق العامة والبنية التحتية للأقطار التي يتربع على حكمها أولئك الحكام الديكتاتوريون الظلمة، بل يمكن تغيير تلك الأوضاع بأشكال أخرى غير الحرب كالمقاطعة الاقتصادية والضغوط السياسية والدبلوماسية ورفع الدعم الغربي عن تلك النظم التي جاءت بدعم غربي واضح لا يزال مستمرًا في كثير من البلدان.
ندعو الله تعالى أن يجنب الأمة الخطر والضرر وأن تكون هذه الأحداث الخطيرة في المنطقة فرصة لإعادة النظر في المناهج التي تدار بها تلك الأقطار والرجعة الصادقة إلى الله والتمسك بحبله المتين.. ففي ذلك سبيل النجاة إن شاء الله.