; النحناح لـ «المجتمع» ... أزمة الجزائر السياسية نابعة من عدم وجود مؤسسات شرعية | مجلة المجتمع

العنوان النحناح لـ «المجتمع» ... أزمة الجزائر السياسية نابعة من عدم وجود مؤسسات شرعية

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1994

مشاهدات 199

نشر في العدد 1087

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 08-فبراير-1994

انسحبنا من ندوة الحوار الوطني حينما أدركنا إصرار السلطة على عدم تغيير لهجة الحوار

بعد فشل ندوة الحوار الوطني في الجزائر، ورفض عبدالعزيز بوتفليقة رئاسة الدولة للمرحلة الانتقالية، وتولي الأمين زروال رئاسة الدولة إلى جانب احتفاظه بوزارة الدفاع، بدأ القلق يساور كثيرًا من المراقبين حول مستقبل الجزائر في ظل تصاعد العمليات العسكرية بين الجماعات المسلحة وقوات الجيش والشرطة، واستمرار السلطات في إغفال دور القوى الشعبية والوطنية في البلاد.

ونظرًا لأن حركة المجتمع الإسلامي «حماس» كانت من الحركات الجزائرية القليلة التي قبلت المشاركة في الحوار، ثم انسحبت في اليوم التالي منه، فقد اتصلنا مع رئيسها الشيخ محفوظ النحناح، ودار لنا معه هذا الحوار حول آخر التطورات هناك.

المجتمع: في تصوركم.. ما الأسباب الحقيقية لفشل ندوة الحوار الوطني بالجزائر؟

النحناح: إن ندوة الحوار الوطني لم تكن سوى حلقة من حلقات الحوار الذي ابتدأته السلطة الحالية استجابة للأطراف المعارضة، فتحول الحوار من مطلب جماعي إلى سلوك حضاري تنتهجه كل القوى التي تحب الخير للجزائر، وتسعى إلى إخماد نار الفتنة وحقن دماء الجزائريين. ونحن نتصور أن السلطة فشلت في إقناع الشركاء السياسيين للحضور إلى الندوة الوطنية لعدة أسباب؛ منها الحسابات الشخصية والحزبية والمناورة على حساب استقرار وأمن الشعب الجزائري، ولم تستطع السلطة أن تتنازل بالقدر الكافي ولا الأحزاب التي قاطعت الندوة من أن تجعل المصلحة العليا للبلاد فوق كل الاعتبارات، إضافة إلى الممارسات السيئة المقصودة وغير المقصودة التي أفرزت زعزعة أركان الدولة وفقدان الأمن والثقة في الجميع. ورغم فشل الندوة في تحقيق الإجماع أو شبه الإجماع الوطني، إلا أنها كانت محطة تأكد فيها خيار الحوار المعمق والشامل لحل الأزمة السياسية الجزائرية، وأن التماطل وربح الوقت بما يسمى بالمجتمع المدني وإهمال آراء ومقترحات الأحزاب سيؤدي حتمًا إلى الفشل الذريع الذي لا يرتضيه جزائري وطني مخلص.

المجتمع: ما أسباب إصراركم على حضور الندوة رغم انسحاب معظم الأحزاب الجزائرية؟ وما أسباب انسحابكم بعد ذلك؟

النحناح: إن حضور حركتنا في الندوة الوطنية جاء انسجامًا مع خطنا ومنهجنا وسلوكنا، وتعبيرًا عن تمسكنا بالحوار كوسيلة مثلى لحل الأزمة، وإبراءً لذمتنا أمام الله ثم أمام الشعب، وبرهنةً على تنازل الحركة عن جميع الحسابات من أجل الجزائر ووحدتها واستقرار وأمن شعبها. وقد حرصنا على تبليغ موقفنا من الندوة إلى كل المشاركين وتفهم الجميع هذا الموقف، وكان انسحابنا لأسباب أهمها:

1 - أن الندوة لم تكن سياسية، بل كانت جمعوية.

2 - عدم ارتفاع تصريحات المسؤولين إلى المستوى الذي يتم به الوفاق الوطني، فلاحظنا أن بعض المصطلحات مازالت قائمة؛ منها محاربة العنف بالقوة، ولم نجد الانسجام بين أهداف الندوة التي وضعت من طرف لجنة الحوار مع الشركاء السياسيين وخطابات بعض المسؤولين.

3 - تناول القضايا المصيرية كحقن الدماء والأزمة السياسية وطرق معالجتها، وتجفيف منابع العنف بكل أشكاله ومن كل الأطراف، وكيفية التخفيف على المواطن وتوفير احتياجاته اليومية، إضافة إلى كيفية تجنب التجاوزات المختلفة المرتكبة ضد حقوق الإنسان.

4 - لاحظنا أن أعمالًا كثيرة جانبية حضرت لنتائج الندوة خارج دائرة شركاء الحوار.

كل هذه الأسباب، وبعد تشاور أعضاء الوفد الممثل للحركة الذي توقع هذا الموقف قبل دخول الندوة، قررنا الانسحاب، وسجلنا أن الحركة لا تعجز ولا تمل ولا تكل من الحوار مهما كانت العقبات والعراقيل.

المجتمع: ألا تعتقد أن غياب شيوخ الإنقاذ عن الندوة له دور رئيسي في فشلها؟

النحناح: نحن نسجل دائمًا بأن الحوار الجاد هو الذي لا يقصي أي طرف أو حزب، من هنا كنا حريصين على حضور كل الأحزاب ذات المصداقية، كما ننوه بجهود لجنة الحوار الوطني في دعم هذا المسعى، وكانت هناك اتصالات بين الأحزاب والسلطة بما فيها قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وأكدت لجنة الحوار على أن النتائج المتوصل إليها كانت إيجابية، وهذا مما سهل مهمة السلطة الجديدة في الاستمرار في الحوار وتعميقه على الجميع.

المجتمع: ما الأسباب الحقيقية لرفض بوتفليقة رئاسة الدولة؟ وهل تعتقد أن اختيار زروال يعتبر حلًا شاملًا للأزمة أم حلًا ترقيعيًا؟

النحناح: إن العودة إلى الشرعية في أقرب الآجال وبأقل التكاليف هو بداية الحل الشامل للأزمة التي تشهدها البلاد، ومن هنا فتغيير الهياكل والأشخاص لا يمكن أن يرقى إلى مستوى الحل الدستوري ولا يمس جوهر الأزمة. إن أزمتنا السياسية نابعة من عدم وجود مؤسسات شرعية أدى إلى انعدام الثقة بين المواطن والسلطة التي تحكمه. وإن سياسة ربح الوقت التي انتهجها المجلس الأعلى للدولة سابقًا وتأخره في تعميق الحوار مع الشركاء السياسيين هو الذي فرض المرحلة الانتقالية الثانية، ونربأ بالسيد الأمين زروال أن ينتهج نفس الأسلوب، بل مطلوب منه أن يسهل ويجتهد في تقليص مدة المرحلة الانتقالية قدر الممكن حتى نتجاوز الحلول الترقيعية.

المجتمع: ما أسباب احتفاظ الرئيس زروال بمنصب وزير الدفاع إلى جانب رئاسة الدولة؟ وهل تعتقد أن لذلك الأمر علاقة بدور الجيش في الاضطرابات الحالية في البلاد؟

النحناح: إن المؤسسة العسكرية هي أقوى مؤسسة في الدولة الجزائرية بوحدتها وانسجامها ووطنية المشرفين عليها، أما باقي مؤسسات الدولة فقد أصبحت من الهشاشة والفجاجة ما جعل تصاعد أطماع الاستيلاء أو التدخل من جهات داخلية وخارجية ممكنًا، بل وصل الأمر إلى حد أن عجزنا عن أن نرد على تصريحات بعض المسؤولين الفرنسيين على إثر التدخل المباشر في شؤوننا الداخلية. واحتفاظ رئيس الدولة الجديد بوزارة الدفاع قد يعطيه قوة أكثر في عدم تداخل الصلاحيات، واستجابةً في نفس الوقت إلى مطلب المعارضة في الحوار مع السلطة الحقيقية والفعلية.

المجتمع: في الختام، ما الشعور السائد في الجزائر بعد مقتل الشيخ محمد بو سليماني رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح الجزائرية؟

النحناح: الداعية محمد بو سليماني هو رفيق الدرب، والرجل الذي شهد له الجميع بالخير وعرفه المجال الخيري في إطعام الصائمين وتزويج الشباب وإعالة الأيتام وإغاثة المصابين وتنظيم حملات التشجير والتبرع بالدم ومواساة المرضى في المستشفيات ودور العجزة، حتى صار أبًا للمساكين والفقراء واليتامى. وعرفه العلماء والدعاة بتواضعه وقوة تحمله وصبره وسماحته وحلمه، وبقي وفيًا للمبادئ والأفكار المعتدلة الداعية إلى الصلح وجمع الشمل إلى أن اغتالته أيادٍ آثمةٌ ذبحًا، فرحمه الله وتغمده برحمته، وكان لاغتياله صدى واسعًا داخل المجتمع الجزائري، بكاه الشباب والشيوخ والنساء والعجزة لأنه كان رمزًا لفعل الخير. وهكذا تساءل الناس: أيقتل لأنه يحب الخير ويفعله؟ وكانت جنازته -رحمه الله- تعبيرًا واضحًا من الشعب الجزائري باستنكاره لقتل الشيخ، ولا تزال التعازي تصل إلى مكاتبنا في مختلف المحافظات، فرحم الله الشهيد وثبتنا الله على دعوته وإسلامه.

الرابط المختصر :