; الناموس (الجزء الأول) | مجلة المجتمع

العنوان الناموس (الجزء الأول)

الكاتب إبراهيم عاصي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1979

مشاهدات 104

نشر في العدد 450

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 19-يونيو-1979

بقلم الأستاذ: إبراهيم عاصي 

الأستاذ إبراهيم عاصي كاتب إسلامي من سوريا، صدرت له عدة مجموعات قصصية ومقالات اجتماعية نقدية. اعتقل أخيرًا في بلده مع مجموعة كبيرة من إخوانه بسبب اتجاههم الإسلامي. وقصته هذه، التي ننشرها هنا، تصور الواقع الأليم الذي وصل إليه بلده، والحال الذي يعيش فيه الناس هناك.

-1 -

كان في أوج حماسته عندما ضربوا حوله نطاقًا من العناصر المسلحة، واستلوه في وضح النهار من بين جماهيره الحاشدة الملتفة حوله، المصفقة له، وهو يهدر بإحدى خطبه العكاظية الرنانة!

لقد اقتادوه بكل جلافة، وزجوه بعنف في سيارتهم الرقطاء التي انطلقت بهم كقذيفة طائشة عبر بعض شوارع المدينة، إلى جهة مجهولة!

أحدث ذلك صدمة قوية لعواطف جماهيره، فدار فيما بينهم لغط عظيم، ونجم عن ذلك هرج ومرج واضطراب! كثرت التحليلات... وتنوعت التعليقات على الحادث.. انقسم المحتشدون إلى مجموعات عديدة متناثرة، وذهبوا مذاهب شتي في تفسير عملية الخطف!

-مجموعة قالت: أنهم اعتقلوه بسبب خطبته «الفرنية» الشهيرة منذ شهر!

وأخرون قالوا: إنها عملية خطف مدبرة، وأن الذين قاموا بها عصابة ابتزاز أموال.. لقد ظنوه زعيمًا سياسيًا مليئًا مكتنزًا بالأموال والأرصدة!

-بينما خمن أناس أن إلقاء القبض كان بسبب إحدى خطبتيه «الإستهلاكية» أمام باب المؤسسة منذ أسبوعين، أو «الأسمنتية» التي خطبها منذ يومين وأثار بها حفيظة المسؤولين! غير أن معظم المجموعات الجماهيرية بقيت حائرة في معرفة سبب حقيقي لما حدث!

-ذلك لأن «الخطيب» ما كان يخطب لأول مرة فقد ألفته شوارع المدينة وساحاتها خطيبًا في كل مناسبة منذ بضع سنين.

-وذلك، لأن الخطيب مصنف منذ مدة طويلة لدى الجهات المختصة في زمرة المجانين، أو على الأقل في زمرة المهزوزين عقليًا الذين لا يحاسبون على ما يقولون!

وها هي ذي بعض الزمر الجماهيرية تنسحب وتفترق، كل إلى عمله أو إلى غايته التي كان يسعى إليها قبل أن تشده خطبه الخطيب وتستوقفه.. شيء واحد يسم الجميع: الوجوم على الوجوه! والمرارة المنعقدة في الحلوق! 

على حين ظلت بعض الفلول من مريدي- الخطيب- في مكانها تتبادل الرأي في عواقب ما يمكن أن يحدث فيما لو أصيب «ناموسهم» بأي مكروه، أو طال به الاعتقال! 

والطريف أن هؤلاء الأتباع المريدين، كانوا في غالبيتهم من الأحداث، والمراهقين، والشباب! والذي أتيح له أن يستمع إلى أحاديثهم وتعليقاتهم في تلك الساعة، وجد أنهم جد متحمسين- لناموسهم- يشدهم إليه جملة من المشاعر العنيفة المتعارضة، المتسمة بالثقة والإعجاب!

-٢ - 

يقول العارفون بأمره:

«الناموس» هو آخر لقب استقر عليه اختياره! كان من قبل يفضل أن ينادي ب «ابن الشعب»! ومرت فترة كان لا يقبل فيها أن ينادى إلا بـ «الربان»!

ولهذا فهو- كما يلاحظ المتفرجون- يزين صدره دائمًا بشارة قماشية عليها رسم سفينة مشرفة على الغرق في بحر هائج. 

وانك لتراه مشعث الشعر دائمًا، حائر النظرات، رث الهندام، عصبي الحركات، حاد الصوت والنبرات، لا يعبأ أن يلبس فردتي حذائه كيفما اتفق له! اليسرى باليمني، أو الیمنی باليسرى لا خلاف! وقد تجده يلبس كل فردة بلون.. فحينا يجمع الأبيض إلى الأسود، وتارة أخرى الأحمر إلى الأزرق، وهكذا.. وإذا ما سألته عن السبب أجابك بكل صرامة وحزم: إنها فلسفتي الخاصة التي انتهيت إليها.. إنه المزاج! 

«الناموس»، يرى الآن كهلًا بل يكاد يرى شيخًا واهنًا طحنته الأيام طحنًا. إلا أن العارفين بأمره يؤكدون أنه لم يتجاوز الثلاثين إلا قليلًا، وأنه ما يزال أعزبًا!

في البداية كانت العزوبة قرارًا ثوريًا منه! فقد عزم وهو طالب على مقاعد الدرس قبل خمس عشرة سنة، عزم على أن لا يتزوج أبدًا! عزم على أن يهب شبابه وحياته كلها للوطن.. للأمة.. للنضال. وكان أحيانًا يصرح بأنه اختار أن يتزوج «بالشعب».. الشعب الفقير، المحروم المستباح!

وفكرة العزوبية، أو «الرهبنة النضالية»- كما كان يسميها- ليست وليدة تفكيره الخاص فقط، وإنما هي حصيلة قناعة واقتداء بالكثير من كبار المصلحين والمفكرين الذين قرأ عنهم بنهم، وأحب فيهم روح التضحية بمتعة النفس، وغريزة حب البقاء والاستمرار عبر الأبناء، من أجل التفرغ للمبدأ والكلمة! ثم صارت العزوبية فيما بعد حتمًا مقضيًا عليه بسبب ما آلت إليه حالته الاجتماعية والنفسية.

-3 -

وذات مرة أخذه بعض أقاربه ورفاقه إلى طبيب نفساني على أثر أحد انهياراته العصبية.. يومئذ سألهم الطبيب:

-ما أسمه؟ فأجابوا: 

-اسمه الثابت أم الله أم المتحول؟ فقال الطبيب:

-وهل في الأسماء أيضًا متحول وثابت؟!

-نعم.. وأن اسمه الأصلي الثابت هو «نضال عز العرب»، أما اسمه الذي استقر عليه مؤخرًا فهو «الناموس»!

وتابع الطبيب يسأل:

-كم عمره؟ فأجابوا:

-ثلاث وثلاثون سنة.

-وما درجة ثقافته؟

-ماجستير في العلوم السياسية والاقتصادية.

-وماذا يشتغل؟

-اشتغل لفترة صحفيًا ثم ترك.. كان ذلك منذ بضع سنوات، وبعدها فكر في متابعة دراساته العليا لنيل الدكتوراه في الخارج، ولكنه انتكس! 

حتى هذه اللحظة كان الأستاذ- الناموس- يجلس على كرسيه ساكتًا لا ينبس، بل كان يبدو ذاهلًا شاردًا كأنه يعيش في عالم آخر بعيدًا عن كل ما يجري حوله. غير أنه انتفض بشكل مفاجئ وقال للطبيب بنبرة حادة:

-بل إنني اشتغل «ضميرًا بارزًا بهذا الشعب! اشتغل- ناموسًا- لهذه الأمة! نعم.. أنا الضمير الذي طال رقوده.. أنا الناموس الأمين.. أنا «الربان» الذي طال انتظاره! 

وعندئذ ازداد اهتمام الطبيب بمريضه، وازداد تركيزه عليه فأخذ يستجوبه مباشرة بدلًا من استجواب أهله.. لكن مريضنا أحجم عن الكلام من جديد مطبقًا فمه بأحكام وعصبية.. وعاد ليسرح من جديد في عالمه الخاص اللانهائي! 

ولما يئس الطبيب من إخراجه عن صمته، انفرد بأهله وأصدقائه في غرفة مجاورة واستأنف معهم استفساراته:

-منذ متى أصيب بهذه الحالة لأول مرة؟

-منذ حوالي عشر سنين. 

-هل تستطيعون أن تحددوا لي التاريخ بشكل أدق؟

-على الأغلب في «صيف عام١٩٦٧».

الطبيب لا يزال يسأل ويدون في سجله الخاص كل المعلومات التي يتلقاها عن مريضه، بيد أن التاريخ استوقفه بعض الشيء فأطرق قليلًا ثم مضى في أسئلته من جديد:

-هل كان يومئذ يؤدي خدمته الإلزامية في الجندية؟

-لا.. ولكنه كان يعمل محررًا في القسم السياسي لجريدة «الفردوس الموعود».

-ما أبرز التطورات التي طرأت عليه أو على نظام حياته عندما أصيب بالانهيار الأول؟

-ترك عمله بشكل مفاجئ، وكسر أقلامه، ومزق كتبه، ثم خرج سائحًا في الطرقات وعليه علامات كآبة ثقيلة، ووجوم مفزع، وصمت عميق!

-هل حاولتم معالجته عند الأطباء؟ 

-نعم، عالجناه يومئذ وشفي تقريبًا، لكنه ظل يلوذ بالصمت معظم أوقاته، وكان يسمع أحيانًا متحدثًا مع نفسه بكلام غير مفهوم! أما في الليل فقد كثر تقلبه في الفراش، وكثرت كوابيسه، وشهيته للطعام صارت قليلة.

-ومتى أصيب بأشد انهيار؟ 

-منذ سنة تقريبًا.. وعلى وجه التحديد في الصيف الماضي، أواخره. 

-هل لاحظتم على سلوكه يومئذ تصرفات جديدة تختلف عما كان يفعله في الماضي؟

-الجديد هو هذا الانتقال من الصمت المطبق، إلى الكلام الذي لا ينتهي.. إلى الخطب التي لا يكف عنها حيثما رأى جموعًا من الناس، في الشوارع والأسواق والساحات! 

-وماذا عن طعامه وشهيته؟

-لا جديد.. وإنما شهيته في تضاؤل مستمر، لكن الغريب في الأمر يا دكتور هو هذا الإقبال الشديد منه على التدخين، وكان من قبل لا يقربه! والأغرب من ذلك هو أنه صار يكره أكلة طالما أحبها فيما مضى وأصر على وجودها في كل طعام إفطار.. هذه الأكلة باتت الآن من أعدى أعدائه.. صار يتكهرب منها.. صار يقلب السفرة وجهًا على قفا إن هو أبصرها فيها!

-وما هذه الأكلة؟ أجاب الأهل:

-أنها «الزعتر»!

وهنا أطرق الطبيب مليا وهز رأسه عدة هزات إلى الخلف ونحو الأمام.. سجل شيئًا ذا أهمية بالغة- على ما يبدو- فيما بين يديه.. ثم تابع يسأل:

-هل يحفظ أحدكم شيئًا من تلك الخطب التي أشرتم إليها.. وقلتم أنه يلقيها على الجماهير؟!

بدا السؤال مفاجئًا للجميع! ويظهر أنهم ما كانوا يتوقعونه، أو أن أحدًا منهم لم يكن مهيأ لمثل هذا الامتحان العسير.. دارت وجوههم بعضهم في بعض لبرهة من الزمن.. ثم تحمس أحدهم- وكان الأصغر سنًا- فانبرى قائلًا:

-أنا أحفظ يا دكتور.. اسألني وأنا أجيبك.. أنا واحد من المعجبين به حتى الإكبار، وهو يبادلني المحبة ويناديني بالنجيب! أنا واحد من أصدقائه الذين يرفضون الاعتراف بأنه مريض! ولا أذكر أن جولة من جولاته قد فاتتني.. ولا خطبة من خطبه!

وإني لأحفظ له قائمة طويلة من الخطب الرائعة.. كالخطبة «البطاطية والزجاجية والزيتية والخشبية والتنباكية والحديدية»، وقائمة طويلة جدًا، جدًا من الخطب.. غير أن أحدث ما حفظت له خطبتان لا أبلغ منهما ولا أروع، الخطبة «الفرنية»، والخطبة «الأسمنتية»، فمن أي الخطيب ترد أن ابداك المثل؟ أجاب الطبيب:

-اسمعني.. اسمعني شيئًا حديثًا، وليكن مقطعًا من الخطبة الفرنية؟

تنحنح «النجيب»، ثم أخذ يتقمص شخصية «الناموس» الخطابية، فأصلح هيئة وقوفه.. قلص عضلات وجهه ويديه! أخذ وضعية الجد الصارم! جحظت عيناه.. انفتح فمه! تخيل نفسه على باب أحد الأفران حيث الحشود الجماهيرية الشعبية متراصة متدافعة، نساء.. ولدانا.. موظفين من المراتب الدنيا.. عجائز.. تلاميذ مدارس.

تصور أنه يسمع ضجيجهم، ويملأ أذنيه بأصوات السباب والشتائم يتبادلونها فيما بينهم! 

وافترض أنه يشاهد عيانًا أعمال العنف من ركل، ولطم، ولكم تدور فصولها بأيديهم وأرجلهم!

وتوهم أنه هو الناموس يقف خطيبًا فيهم. والكل وقفوا يصفقون له استعطافا كي يسمعهم كلامه الدري.. فانطلق يهدر:

«یا جماهير شعبنا العظيم... أيتها الرعايا الوديعة المسالمة:

ليس المهم أن تشبع البطون... ولكن المهم هو أن نبقى نحن، أن أبقى أنا.. فلولا نحن.. ولولا أنا... وبدوننا نحن وأنا لا معنى لوجودكم! 

نحن الذين بحكمتنا نوفر لكم الرغيف ساخًا، ونجركم إليه جرًا منذ الفجر! ليست المدرسة هي المدرسة فقط.. إن المدرسة هي مدرسة الحياة أيضًا.. هي مدرسة باب الفرن! 

فعلى باب الفرن تتعلمون الصبر! وعلى باب الفرن تتعارفون صغارًا وكبارًا وتنمو الروح الاجتماعية فيما بينكم! وعلى باب الفرن تتدربون منذ الصباح الباكر على كل أنواع الرياضة اللسانية واليدوية والرجلية.. وعلى فنون الطعن المختلفة بأحدث أنواع الخناجر والسكاكين.. وهذه اللياقة بدنية ونفسية لابد منها لكل مواطن صالح!

أيتها الجماهير الظافرة: إن طريقنا طويل.. طويل.. قولوا هذا لأولادكم، لحفدتكم.. قولوه لهم، كي يقولوه هم بدورهم لأولادهم وحفدتهم من الذين ولدوا والذين لم يولدوا بعد!

أيتها الجماهير الأبية الخاضعة: يخطئ من يظن أن الأفران وجدت لخبز الخبز فقط.. كان هذا في الزمان البائد القديم، زمان «الديماغوجيا».. أما اليوم، وفي هذا العصر، عصر الذرة والإلكترون وسفن الفضاء و«الأيديولوجيا» فإن الأفران تحولت لخبز الإنسان أيضًا! لخبز أعصابه.. وخبز وقته الثمين.. وخبز كرامته! إلا ما أتفه المواطن الذي لم يخبز بعد! عاش المخبوزون.. وليسقط.. ليسقط الذين لم يخبزوا بعد».

-کفی.. كفى.. قال هذا الطبيب، وهو ماض يسجل، ويسجل الملاحظات على دفتره. 

توقف «النجيب» عن متابعة الخطاب الذي ظهر وكأنه يحفظه بحذافيره. مد يده إلى منديله وأخذ يمسح عرق الانفعال والحماسة عن شفتيه وجبينه، وما إن رفع الطبيب رأسه عن سجله حتى ابتدره النجيب قائلًا: 

-هل اسمعك شيئًا آخر حضرة الدكتور؟

البقية في العدد القادم بإذن الله

الرابط المختصر :