العنوان النار تحت الرماد في جنوب شرق آسيا
الكاتب محمد عزت علام
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1976
مشاهدات 73
نشر في العدد 295
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 13-أبريل-1976
مخطط شامل لتصفية الإسلام من تلك المنطقة
بقلم: محمد عزت علام
«ماجستير في الإعلام»
إن ما يجري للمسلمين في شتى بقاع الأرض يثير أكثر من علامة استفهام.
هل هو مخطط شامل مقصود؟ أم أنه ثأر قديم يتجدد؟
إن نظرة شاملة للأحداث التي تجري في منطقة جنوب شرقي آسيا تعطينا مؤشرًا هامًا على أن أحداثها ليست وليدة الظروف أو الصدف، بل إنها تسير في تناسق وتكامل مدروس.. تبدأ الأحداث في الفلبين فنرى صداها في تايلاند ثم تتجه رويدًا رويدًا نحو إندونيسيا، ولكنها تأخذ شكلًا آخر تبين معالمه من تكثيف غير عادي لجماعات التبشير.
الفلبين تحت حكم الإسبان؟
لنبدأ القصة من أولها ففي الفلبين نسبة السكان المسلمين أكثر من ١٠% من عدد السكان البالغ عددهم حوالي ٣٤ مليون نسمة. ومن المعروف أن الإسلام وصل إليها في القرن التاسع الميلادي إلا أن أول حكم إسلامي فيها كان في أواخر القرن الثالث عشر، ثم احتلها الإسبان في بداية القرن السادس عشر ومن الغريب أن الإسبان الذين قضوا على الإسلام في إسبانيا حاولوا نفس الشيء مرة أخرى، وصمد المسلمون أمام الإرهاب الوحش ورفضوا أن يغيروا دينهم طوال فترة حكم الإسبان، والتي استمرت لفترة تقرب من التسعة قرون، وخاصة في سلطنتي– تسري بيسايس وقاجايات - ومن ثم تعرضوا لحرب إبادة شاملة فروا على إثرها إلى الجنوب.
وتحت حكم الأمريكان
- وعندما حل الأمريكان مكان الإسبان عام ۱۸۹۸ بقوا فيها حتى عام ١٩٣٦ إلى أن تم الغزو الياباني للفلبين ولم يجلو عنها إلا بانتهاء الحرب العالمية الثانية، ورغم- ما عاناه المسلمون من ظلم واضطهاد إلا إنهم شاركوا مشاركة فعالة في تحرير البلاد، وشارك المسلمون المسيحيين في تحرير جزر الفلبين كلها، وكانوا يحاربون في ذلك الوقت مع الحلفاء لكن بعد انتهاء الحرب العالمية حل المسيحيون مكان المستعمرين وبدأت المأساة وخطط لتنفيذ زحف المسيحيين والاستعمار وراءهم إلى المناطق التي لم يستطع الإسبان احتلالها والتي ظلت في الحقيقة ومنذ القرن التاسع الميلادي على أرجح الأقوال تتمتع بالحرية، ونشأ أول حكم إسلامي بالمعنى المفهوم مع بداية القرن الثالث عشر.
والسكان المسلمون الأصليون اسمهم (أنديوس) وهم ينتسبون إلى أهل الملايو وإندونيسيا من ناحية النوع. أما (فليبي) فيطلق على الإسبان الذين استوطنوا الفلبين وكذلك على أهلها الذين اعتنقوا المسيحية (وفيليب) هو ملك إسبانيا في ذلك الوقت ومنها جاءت تسمية الفلبين.
والسؤال الآن: ما هو سر المذابح التي يتعرض لها المسلمون في الفلبين؟
والتي تتمثل في طرد وإبادة المسلمين ثم الاستيلاء على أراضيهم بالقوة المسلحة بل وادعاء الإقطاعيين أنهم اشتروا أراضي المسلمين بعقود مزورة منتهزين فرصة أن أراضي المسلمين غير مسجلة ولكنهم توارثوها أبًا عن جد لمدد تزيد على أربعة قرون، وعندما يتعرض المسلمون لملاك الأرض الجدد يلجأ الإقطاعيون وأصحاب الأراضي الجدد من المسيحيين إلى أعمال العنف والإرهاب التي نمت حتى أصبحت الآن جيشًا إرهابيًّا يطلق عليه اسم الفئران أو (إيلاجا) وهذا الجيش في الحقيقة عبارة عن مجموعات من رجال العصابات الذين دربهم الجيش والبوليس، ويشترك المزارعون الجدد في تمويلهم بالمال والسلاح.
نفس ما حدث في فلسطين العربية ولا تندهش يا عزيزي القارئ إذا علمت أن صاحب هذا المخطط هو جنرال صهيوني خطير يدعى (منسي) وهو أقرب مستشاري رئيس الجمهورية ماركوس يساعده مليونير يهودي آخر يدعى (اليسالدى).
نفس الخطط والأساليب التي استخدمت في فلسطين تستخدم الآن في الفلبين لإبادة مسلمي الفلبين البالغ عددهم حوالي أربعة ملايين نسمة تحت سمع وبصر العالم أجمع، والغريب حقًّا أن الجنرال مانس وزميله المليونير (اليسالدى) يملكون مزارع شاسعة في الجنوب وقاما بتوزيع السلاح على القبائل اللادينية التي تعيش في الجبال والتي استولى المسيحيون أيضًا على أرضهم، وقد بدأت هذه القبائل عمليات القتل بين المسلمين وفرارها إلى الغابات في الوقت الذي بدأ المسيحيون عمليات الإرهاب. ضد المسلمين وكان هدفها إثارة الفتنة ليكتمل لها المخطط المدروس إذن هذا الأسلوب ليس غريبًا علينا؛ إذا ما دققنا النظر في أحداث لبنان منذ بدايتها ومن هنا يأتي التساؤل الذي طرحناه في أول المقال: هل هو مخطط شامل مقصود (أم أنه ثأر قديم يتجدد بتصاعد أعمال العنف والإبادة ثم تخف حدتها في أعقاب مقابلات ومشاورات ومؤتمرات صحفية وكأن الأمور عادت إلى وضعها السليم، ومن ثم تعود الأحداث لتتصاعد وأعمال العنف والإبادة تزداد وهكذا.
ونحن نتساءل: إلى متى تظل هذه المحنة التي اتخذت من الفلبين قاعدة لها وأطلقت سهامها على تايلاند والتي يبلغ عدد سكانها حوالي ٣٥ مليون نسمة منهم خمسة ملايين مسلم ومسلمة يتركزون في الجنوب، والجدير بالذكر أن الإسلام دخل منطقة جنوب شرقي آسيا في وقت واحد تقريبًا على أيدي التجار العرب، وقد حفلت الروايات التقليدية في الملايو وسومطرة بقصص دخول الإسلام إلى تلك المناطق ومن أهم هذه الروايات المدونة حكايات- راجا راجايا ساي وسيجاراه مالايو- الحوليات التاريخية للملايو وبهذه الروايات الكثير من الأحداث التي تروي جوانب من الشجاعة الخارقة.
ونستطيع أن نؤكد أن الإسلام دخل تايلاند عن طريق الملايو وإندونيسيا ولهذا فإن المذهب الشافعي هو المذهب الشائع في كل من الملايو وإندونيسيا وتايلاند.
هذا وعدد المسلمين في تايلاند حوالي خمسة ملايين نسمة يمثلون حوالي 10% من السكان ومعظمهم يتركزون في المنطقة الجنوبية المتاخمة للملايو وعدد كبير منهم يقطنون في المنطقة الوسطى وعدد غير قليل في المنطقة الشمالية والمنطقة الشرقية لتايلاند وفي الجنوب يتركز معظم المسلمين في ولايات ستول، جالا، فطاني، نراتسواس ولهم جمعيات خاصة منها جمعية الإصلاح الاجتماعي وجمعية المسلمات وجمعية الشبان المسلمين وجمعية الطلبة المسلمين وغيرها. وأهداف هذه الجمعيات نشر الثقافة الإسلامية في تايلاند والتعاون والتعارف بين الأخوة المسلمين وتبادل الآراء بين المسلمين في أنحاء العالم، ويقوم المسلمون بإصدار جرائد ومجلات شهرية منها جريدة السلام وجريدة الشبان المسلمين ومجلة الرابطة ومجلة الجهاد ومجلة الإصلاح.
وكانت الحياة تسير سيرها الطبيعي في تايلاند إلى أن انفجرت أحداث الفلبين التي أطلقت سهامها على المسلمين في تايلاند، وهنا أخذت أعمال العنف والاضطهاد تتصاعد في الجنوب مثلما حدث في جنوب الفلبين تحت دعوى أن المسلمين في تايلاند يطالبون بالحكم الذاتي في الجنوب ونسب إليهم تدبير مؤامرة لانفصال الجنوب عن الشمال ونشرت جريدة... الصادرة في ٢٥- ۱۱- ۱5۳۱تفاصيل الاشتباكات الدامية بين البوليس والمسلمين في جنوب تايلاند تحت عناوين مثيرة أثارت الرأي العام ضد المسلمين وكذلك نشرت جريدة... تفاصيل الاشتباكات وصور القتلى من المسلمين.
والغريب والمدهش حقًّا أن الصهيونية العالمية كانت وراء تلك الأحداث، وليس هذا كلامًا جزافًا نسوقه لتبرر به الأحداث، ولكن من خلال دراسة النشاط الصهيوني يمكننا أن نتوصل إلى هذه النتيجة بسهولة.
فمثلًا كان الإعلام ولا يزال بندًا رئيسيًّا من بنود التخطيط العام للعمل الصهيوني ووسيلة هامة لا ترى "إسرائيل" كما لم تر الحركة الصهيونية من قبلها بدًّا من استخدامها لتحقيق الأهداف الصهيونية العليا، ولقد تميز الإعلام الصهيوني قبل قيام الكيان الصهيوني بارتباطه الوثيق بأهداف واضحة محددة من ناحيته وبقيامه كجزء من تخطيط عام لبرنامج عمل كامل لتنفيذ تلك الأهداف من ناحية أخرى وذلك يعني أن الإعلام الصهيوني الموجه إلى اليهودية العالمية سار جنبًا إلى جنب مع العمل الإعلامي والدبلوماسي المتجه نحو الرأي العام غير اليهودي في الدول المختلفة.
أما عن النشاط "الإسرائيلي" داخل تايلاند نفسها فإنه ينحصر في المجالات التالية أولًا: في مجال الزراعة: تطبيق التجربة "الإسرائيلية" في الزراعة وذلك بإنشاء قرية تايلاندية "إسرائيلية" مشتركة لتطبيق الأساليب "الإسرائيلية" المستخدمة في الزراعة والإشراف على تمويلها ماديًّا وفنيًّا.
ثانيًا: في مجال الصناعة:
يمتلك بعض اليهود من سويسرا أكبر مصنع للورق في منطقة جنوب شرقي آسيا ومن خلال هذا المصنع يسيطرون على الصحف مستغلين حاجتها إلى الورق وهذا يفسر سر حملات الإثارة التي كانت تشنها الصحف على المسلمين في جنوب تايلاند.
ثالثًا: في مجال التعليم:
ساهمت "إسرائيل" في إنشاء جامعة– سونكلارين- ودفعت عشرة ملايين... تايلاند مساهمة منها في إنشاء هذه الجامعة التي تحمل اسم والد الملك الحالي، والجدير بالذكر أن هذه الجامعة تقع في ولاية فطاني- التي تعتبر مركزًا للمسلين في الجنوب
رابعًا: في مجال الإعلام:
تقوم السفارة "الإسرائيلية" بنشاط ضخم وخاصة في مجالات الصحافة والإذاعة والتلفزيون عن طريق الاتصال المباشر وكذلك عن طريق عقد الندوات في النوادي الثقافية وفي المدارس والجامعات واستغلال كافة المناسبات
هذا وتلجأ "إسرائيل" إلى طريقة مبتكرة في تجنيد الشباب. التايلاندي ففي فترة إجازة الصيف تسجل السفارة "الإسرائيلية" أسماء الطلبة الذين يرغبون في زيارة "إسرائيل" بالمجان وبدون أية مصاريف وأثناء عودة الطائرات "الإسرائيلية" المدنية من بانجكوك إلى تل أبيب تحمل معها عددًا من هؤلاء الطلبة حسب المقاعد الشاغرة ليقضوا هناك أسبوعًا ثم تتوالى الأفواج وهكذا.
ولا شك أن طريقة استضافتهم وترتيب برنامج الزيارة واستمالتهم بطرق غير مباشرة يترك في النهاية أثرًا في نفوسهم، ومن ثم يعودون أبواق دعاية "لإسرائيل".
ومن هنا نستطيع القول إن أصابع الصهيونية وراء كل ما يحدث لمسلمي تايلاند وذلك من خلال سيطرتها على الرأي العام التايلاندي.
أما إندونيسيا فيبلغ عدد سكانها حوالي ۱۲۰ مليون مسلم يعيشون فوق ثلاثة آلاف جزيرة منها خمس جزر كبرى- جاوة- سومطرة -الاويس- كليمنتان- إريان الغربية-
والمشكلة في إندونيسيا أن كل جزيرة لها لهجة خاصة بها، وكذلك عدم معرفتهم للغة العربية؛ الأمر الذي جعل الحملات التبشيرية تمارس نشاطها على نطاق واسع هذا بالإضافة إلى أن الحكومة ما زالت تعاني من بقايا الحزب الشيوعي الإندونيسي والمظاهرات التي تتجدد من حين لآخر.
والسؤال هنا: لماذا تختار- الحملات التنصيرية إندونيسيا وهي بلد إسلامي مجالًا لنشاطها؟
ومن الذي يمول هذه الحملات التنصيرية التي تستخدم أحدث وسائل الترغيب؟
أسئلة ليست الإجابة عليها مستحيلة أو صعبة، ولكن الذي لا شك فيه أن الاستعمار والصهيونية العالمية يلعبان دورًا هامًّا ورئيسيًّا في الأحداث التي تجري في جنوب شرقي آسيا، ومن خلال استقراء الأحداث وتتبع مساراتها يمكننا القول إن النار تحت الرماد ولكن إلى متى تظل النار تحت الرماد؟ وكعادتنا عندما تشب النيران نشغل بالجدل إلى أن تأتي على الأخضر واليابس ألم نتعظ بعد من كل ما حدث وما يحدث؟
وبعد؛ إن الموقف في جنوب شرقي آسيا في غاية الخطورة والعالم العربي والإسلامي مشغول بقضاياه وملايين المسلمين هناك يتعرضون لحرب إبادة منظمة تزداد حدتها من حين لآخر حتى لا تلفت إليها الأنظار والسؤال الأخير: متى نهب لنجدة المسلمين وهم بين شقي الرحى.. الإبادة.. والتنصير؟
محمد عزت علام
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل