; الناتو .. وسيناريوهات الموقف في كوسوفا | مجلة المجتمع

العنوان الناتو .. وسيناريوهات الموقف في كوسوفا

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1315

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 01-سبتمبر-1998

  • تأخر تدخل الناتو حتى يعطي الفرصة لميلوسوفيتش لإضعاف جيش تحرير كوسوفا.

  • حتى لو حصلت الضربة العسكرية فسيشمل القصف مناطق يسكنها الألبان.. وهذا يعني أن إصابات المدنيين الألبان ستكون كبير.

حين قامت الحرب في البوسنة انتفض الغرب واحمرت وجوه الساسة، وتوعدوا ميلوسوفيتش بأقصى العقوبة وأعلنت الطوارئ في صفوف حلف الناتو، كان ذلك عام ١٩٩٢م وبالفعل نفذ الناتو تهديداته ولكن في عام ١٩٩٥م وحين نفذ تهديداته أطلق ضرباته الجوية على بعض المصفحات القديمة والبيوت الخربة وكفى الله الأوروبيين القتال.

تعالت هذه الأيام أصوات المطالبين بتدخل الناتو ضد صربيا، وزادت هذه المطالبة مؤخراً مع زيادة الهجوم الوحشي للصرب على إقليم كوسوفا والأنباء عن مذابح جماعية وتهجير داخلي وخارجي وصل إلى ربع مليون نسمة. وتأتي هذه المطالب بعد أن تأكد للغرب أن الألبان في المهجر مستعدون لتمويل جيش تحرير كوسوفا بالأموال اللازمة لاستمرار المقاومة، وحتى يتحقق الحلم الألباني بالاستقلال، والغريب أن الولايات المتحدة هي أول من استخدم لغة التهديد بالضربة الجوية على صربيا، إذا ما اعتدت على كوسوفا، وذلك إبان الحرب في البوسنة وساعتها أعلن بوش لو التفتت صربيا إلى كوسوفا فلن تسكت أمريكا ...

ولكن هل تتوافر الإرادة السياسية لتنفيذ هذه التهديدات : الإجابة بالطبع لا. ولنراجع معًا تصريحات كبار المسؤولين في الناتو والدول الأوروبية، فقد صرح الأمين العام  للحف في أكثر من مناسبة «إن للحلف يفضل الحل السلمي»، ورغم أنه كرر في أكثر من مناسبة أن كل الخيار الخيارات مفتوحة، لكنه دائماً ما كان ينهي أحاديثه بتفضيل الحل السلمي وهذا يعني أنه ليس هناك قرار قطعي ولا إرادة سياسية من داخل الحلف، أضف إلى ذلك بيانات وزيري الخارجية الفرنسي والألماني والتي دائماً ما تردد وقف العنف المتبادل. البحث عن الحل السلمي»، «كل الخيارات مفتوحة، ولكننا نفضل إعطاء الوقت للحل السلمي»، ناهيك عن التذرع بعدم موافقة روسياً من ناحية، ومن ناحية أخرى التذرع بالتكييف القانوني للتدخل موافقة مجلس الأمن ضرورية أم لا؟، وهل تكفي موافقة دول الحلف؟، هل يتم تصنيف التدخل تحت اسم حماية عرقيات أم فض اشتباك بين متحاربين، وكل الإشكالات لا تتوافر لها إرادة أوروبية موحدة ولا قرار سياسي واحد أما إذا تحدثنا عن الدول الأوروبية ورغبتها في المشاركة بأفراد ومعدات، فهذا أمر شائك وصعب للغاية، ولا تتوافر له أدنى حدود الأغلبية في الواقع الأوروبي، فالحكومات الأوروبية التي شهدت مصارع السوء التي نالت القوات الأمريكية وما زالت تعاني من نفقاتها على قوات حفظ السلام في البوسنة، لا تتحمل بأي حال أن تواجه برلماناتها ولا شعوبها بالتدخل وإرسال فلذات أكبادها إلى متناول يد الصرب فمعظم الحكومات الأوروبية فازت بأغلبية ضئيلة، وبعضها ائتلافي، وبعضها عائد لتوه للحكم بعد أن ظل في الظل سنين، ولا يريد أن يضحي بالحكم من أجل ألبان كوسوفا. كما أن العامل الأكبر في عدم وجود الإرادة الموحدة لدى أوروبا، أو معارضتها للتدخل هو تفرد أمريكا بالتدخل منذ بداية الأزمة ومحاولتها فرض قرارها السياسي على الأوروبيين، مما أعطاهم الانطباع بأن ليس عليهم سوى التنفيذ، وهو ما جعلهم يرفضون الإذعان، خصوصاً أنه ليس ثمة ما يزعجهم من تطور الأمور، وهذا ما يفسر صمت أوروبا على ما فعلته بالألبان مؤخرا، وهو ما يعني إتاحة الفرصة للصرب للقضاء على جيش تحرير كوسوفا، وساعتها . لا يكون هناك مبرر للتدخل إذ ستكون الحرب قد انتهت.

اتفاق بين الغرب وميلوسوفيتش:

ويرى الخبير والمؤلف الكوسوفي يوسف بريشا في مقال نشرته صحيفة «كوهاديتور التي تصدر بالألبانية، أن هناك اتفاقاً بين الغرب وميلوسوفيتش على المجازر التي قام بها جيشه مؤخراً، وذلك مقابل أن يسمح ميلوسوفيتش بالتدخل الأوروبي للحل السلمي. مع وعد بضمان بأن يستمر الموقف الأوروبي الرافض لاستقلال الإقليم، ويرى أن سبب تأخر تدخل الناتو، إنما كان لترك الفرصة لميلوسوفيتش لإضعاف جيش تحرير كوسوفا الأمر الذي لم يحدث. على عكس ما كان في حرب البوسنة فالواقع الداخلي في يوغوسلافيا اليوم أسوأ بكثير عن ذي قبل، وقد أثر انخفاض مستوى المعيشة مع الحصار والعزلة المفروضة على الحالة المعنوية للجنود هذا من الداخل، أما عن الخارج، فقوات الحلف تحيط بيوغسلافيا من كل جانب، في مقدونيا القوات الأممية الأمريكية!! . RUNPREDEP، وفي البوسنة قوات حفظ السلام SFOR، وفي ألبانيا قوات تابعة للحلف وقواعد منذ عام ١٩٩٥م، وقواعد الناتو في أفيانو القريبة من تريفيسو بإيطاليا.

على أن الأمر لا يتعلق بالوجود الأرضي وحسب، بل إن السماء من حول صربيا مزدحمة بطائرات التجسس المعروفة بالأواكس والتي تقوم بالرصد الجوي وتمشيط الأجواء وطائرات JOINT STARS، والتي تقوم بمراقبة ورصد أي تحركات للقوات على الأرض أما في البحر، فقد قامت حاملة الطائرات الأمريكية ايزنهاور بزيارة للمنطقة انطلاقاً من المحيط الأطلسي، وهناك أكثر من ٨٥ طائرة من بينها ٦٨ مقاتلة والموافقة المبدئية حاصلة على إجراء مناورات ولم يتخلف سوى لوكسمبورج وأيسلندة ومع تصاعد حدة القتال، وبروز دور جيش تحرير كوسوفا وفشل المفاوضات قامت طائرات من الحلف بعمل طلعات جوية فوق ألبانيا ومقدونيا واستبشر الناس خيراً، ولكن دون مقدمات انقطعت الطلعات وترك العالم ميلوسوفيتش ليتخلص بآلته العسكرية الحادة من الألبان ومع بداية النصف الثاني من أغسطس المنصرم، بدأت التدريبات المشتركة بين قوات يصل عددها إلى ۱۷۰۰ جندي من ١٤ دولة، واتخذوا من ألبانيا مسرحاً للعمليات فما سيناريو التدخل.

يرى الخبير اليوغسلافي - بويان ديميتريفيتش أن الفترة الماضية كانت كافية للحلف الدراسة الموقف بصورة جيدة خصوصاً حجم القوات الصربية العسكرية والبوليسية، وأماكن تمركزها في صربيا وفي إقليم كوسوفا، وأن الحلف لديه الآن معلومات أكيدة عن قوات الدفاع الجوي الصربي، وحجم التسليح ودرجة الاستعداد، وربما كانت الهجمات الأخيرة للجيش الصربي فرصة للحلف لتأكيد المعلومات التي لديه، ويرى أن المواقع المستهدفة بالضربة الجوية الأولى ستكون في داخل كوسوفا، وهناك أهداف تعرف بالمواقع المتقدمة، وتشمل محطات رصد الرادار، ومراكز الاتصالات والمدافع المضادة للطائرات، ومواقع تموين الطائرات وقواعد

جوية موجودة بالقرب من بريشتينا، على أن هناك مواقع أخرى قد تكون مستهدفة وهي المواقع التي قد تشارك في القتال ضد قوات الناتو، أو تشتبك معها، وهذا يعني ضرب سلاح المركبات والمصفحات وحاملات الصواريخ المضادة للطائرات، وتأتي المناطق الحدودية مع ألبانيا كهدف ثالث للضربة الجوية المفترضة للناتو، على اعتبار أن الصرب يحاولون التمركز بها لمنع تسرب الإمدادات إلى كوسوفا، وربما مع تحجيم عمليات جيش تحرير كوسوفا في الجنوب الغربي، تكون هذه المناطق هدفاً للضربة الجوية، ولما كان الألبان يتركزون في هذه المناطق، فهذا يعني أن حجم الإصابات وسط المدنيين الألبان سيكون كبيراً جِدًّا

على أن سيناريو الضربة الجوية قد لا يتوقف عند كوسوفا، بل قد يصل إلى صربيا كما كان الحال في عام ١٩٩٥م في حرب البوسنة، أما عن توظيف قوات أرضية للدخول إلى الإقليم، فهذا احتماله ضئيل جداً، وإذا حدث أن اتفق الأوروبيون على الضربة الجوية فإنهم غير مستعدين للمشاركة بقوات أرضية لتحرير مليوني مسلم.

سيناريو ما بعد الضربة:

1 - إعلان استقلال الإقليم وهذا غير وارد. فكما ذكرت ليني فيشر، رئيس البرلمان الأوروبي في مقال لها نشرته الهيرالد تريبيون مؤخراً تحالف مع الشيطان والشيوعيين وميلوسوفيتش حتى لا يسمح بقيام دولة ألبانيا الكبرى، وهذا هو الهاجس الأكبر والذي نجح ميلوسوفيتش في الترويج له وسط الأوروبيين.

٢ - انتفاضة ألبانية ربما يسمح الأوروبيون للألبان بالانتفاضة المشروطة، والتي تعني الخروج على ميلوسوفيتش، لا على إطار دولة يوغسلافيا، وعلى غرار ما حدث في جنوب العراق أو إقليم كرابينا في كرواتيا، لكن دون إعلان الانفصال، وربما يكون الهدف من هذه الانتفاضة بيان انتصار الغرب على ميلوسوفيتش لا أكثر.

٣- المفاوضات المشروطة من قبل الصرب بقبولهم ضمن المنظومة الأوروبية ومؤسساتها. ورفضهم انفصال الإقليم. 

٤ - زيادة الضغط على ميلوسوفيتش وربما التخلص منه.

٥-  خروج الصرب منتصرين وهذا ما يسعى إليه ميلوسوفيتش، وما يخشاه الغرب والناتو، مما يضر كثيراً بسمعة الغرب، وقدرة الحلف.

ويبقى القول إن الاحتمالات كلها مفتوحة ولكنها مشروطة بتوافر الإرادة السياسية التي ما زالت غائبة حتى اللحظة كما أسلفنا.

الرابط المختصر :