; الناتو بعد خمسين عامًا.. ميثاق «باريس 95» يُحيل ميثاق «يالتا 45» إلى التقاعد | مجلة المجتمع

العنوان الناتو بعد خمسين عامًا.. ميثاق «باريس 95» يُحيل ميثاق «يالتا 45» إلى التقاعد

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997

مشاهدات 71

نشر في العدد 1254

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 17-يونيو-1997

مؤتمر مدريد القادم يرسم الهياكل الأمنية الجديدة في أوروبا

حاز مؤتمر باريس الذي عقد في السابع والعشرين من شهر مايو الماضي، اهتمامًا سياسيًا وإعلاميًا أوروبيًا هائلًا، لأنه اعتبر نقطة انعطاف تاريخية في حياة هذه القارة التي تسمي نفسها القارة العتيقة، فقد قام رؤساء الحكومات والدول الست عشرة الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بالإضافة إلى «بوريس يلتسين» رئيس الاتحاد الروسي، بالتوقيع على الميثاق الذي أطلق عليه اسم وثيقة المبادئ الأساسية، وذلك في سبيل إرساء قواعد الأمن الجماعي الأوروبي، وإقرار المحاور التأسيسية الخاصة بالعلاقات الثنائية بين حلف الناتو، وروسيا، والتنسيق بين الطرفين، وضمان الأمن المشترك بينهما، ويعني هذا بصورة واضحة إنهاء مرحلة الشقاق والتمزق الأوروبي، والنهاية الأكيدة للحرب الباردة، كما صرح بذلك جميع الزعماء الأوروبيين الذين حضروا المؤتمر.

وقد اعتبرت أوروبا الميثاق تكليلًا بالنجاح المفاوضات على غاية من التعقيد، استمرت سنة أشهر بين الأمين العام للحلف خابير سولانا وبين بريماكوف -وزير الخارجية الروسي- في أثناء السباق المحموم مع الزمن للتوصل إلى اتفاق يترك المجال مفتوحًا لعقد قمة مدريد المقبلة يومي الثامن والتاسع من شهر يوليو المقبل، لوضع اللمسات الأخيرة على قرار توسيع الحلف نحو الشرق.

وثيقة المبادئ الأساسية: «لقد كانت مهمة هذه الوثيقة - كما قال كلينتون - ضبط علاقات الحلف مع روسيا لفتح المجال لمرحلة جديدة من الأمن الأوروبي، ولتدفن وبصورة نهائية سنوات الصدام والحرب الباردة»، فالأصل فيه استقرار علاقات ثابتة ومنضبطة بين الناتو وروسيا على قاعدة من التفاهم والثقة وترك الخصومات فيما بينهما لخدمة المبادئ التالية:

  • تطوير علاقة شراكة صلبة مستقرة دائمة على أساس من المساواة
  • التوقف عن التهديد باستعمال القوة من أحد الطرفين تجاه الطرف الآخر، أو ضد إحدى الدول الأعضاء في الحلف، بما يستهدفسيادتها أو وحدة أراضيها أو استقلالها السياسي. 
  • احترام السيادة والاستقلال، ووحدة الأراضي لكل دولة على حدة، سواء كانت من دول الحلفاء أو من خارج المنظمة، والاعتراف بالحق الكامل لهذه الدول لاختيار النظام الذي تظن فيه ضمان أمنها واستقرارها.

وقد تمت التوصية على إنشاء «لجنة تعاون مشتركة» مهمتها تبادل الرأي والمشورة بهدف إقرار مستوى رفيع من الثقة المتبادلة في سبيل دعم أمن الطرفين من جهة، والأمن العام على طرفي المحيط الأطلسي من جهة ثانية.

وتشكل هذه اللجنة آلية للاستشارات والتنسيق، وليس لها حق التدخل في الشؤون الداخلية لحلف الناتو، أو دوله الأعضاء أو روسيا.

كما أن توصياتها لا تمنح حق النقض لا لحلف شمال الأطلسي، ولا لروسيا، في تلك الأمور التي تخص الطرف الآخر، ولا تحول كذلك دون حق أحد الطرفين في اتخاذ القرارات أو الإجراءات بصورة فردية مستقلة، وقد تقرر أن تجتمع هذه اللجنة مرتين في العام على مستوى الوزراء - الداخلية والدفاع- ومرة على الأقل على مستوى السفراء

على أن يكون ذلك برئاسة مشتركة من قبل الأمين العام للحلف، وممثل عن روسيا، وممثل عن إحدى الدول الأعضاء في الحلف.

وقد علق سولانا على ذلك بقوله: «إن ما توصلنا إليه في هذه القمة، سيمحو وبصورة نهائية، الحدود التي كانت تمزق أوروبا، والتي وضعت أسسها في مدينة «يالتا» عام ١٩٤٥م وسيفسح المجال لأوروبا متحدة، حرة، مزدهرة، ومستقرة»

الإعلان غير المنتظر

قام يلتسين وبصورة مفاجئة، أثناء جلسة التوقيع على «وثيقة المبادئ الأساسية» بالإعلان عن قرار كان قد اتخذه للتو - كما قال- يقضي بتفكيك الأسلحة النووية الموجهة نحو أوروبا.

وقد استُقبل هذا الإعلان بنوع من الدهشة والحذر بسبب عنصر المفاجأة، وعقب يلتسين بقوله: «لقد أعطيت الأمر ببدء تنفيذ وقف برمجة هذه الصواريخ». 

والصواريخ المعنية هي عشرة آلاف صاروخ ذات نووي روسي، مدى قصير موجهة نحو بلدان حلف شمال الأطلسي، مقابل مائتي صاروخ أوروبي فقط، في معادلة لا تتمتع بأي نوع من أنواع التوازن في في مجال التسلح النووي بين الطرفين، ويرى سكرتير الأمن القومي الأمريكي أن المعنى الكامن وراء عرض يلتسين ليس إلا توسيع دائرة البلاد التي لن تدخل حربًا نووية لتشمل منطقة ما بين روسيا والولايات المتحدة، واستمرار لإتفاقات ١٩٩٤م، والتي تقضي بأن تترك الصواريخ النووية لكلتا الدولتين التوجه نحو الأهداف الاستراتيجية للأخرى.

يلتسين عندما اتخذ هذه الخطوة كان يعرف تمامًا الهلع الأوروبي أمام صواريخه العشرة آلاف المسلطة على رقبة أوروبا، كما يدرك أن هذه هي الورقة الوحيدة التي يمكنه أن يقايض بها تصلبه في عدم توسيع الحلف نحو الجمهوريات السوفييتية السابقة. 

أما على الصعيد الداخلي فإن هذا الإعلان يعني شغل الجيش لبعض الوقت بقضية تفكيك هذا الكم الهائل من الأسلحة، وسحب برامجها النووية لكي لا تستمر في التوجه نحو أهدافها الأوروبية، ومن ثم تفكيك الرؤوس النووية ليتم القضاء عليها وإبطال مفعولها، وهذه عمليات عدا كونها معقدة، فإنها مكلفة، إضافة إلى أنه يخشى أن يؤثر ذلك على سلامة الأسلحة، وسلامة الجيش نفسه، في بلد يعاني من أزمة نفسية خطيرة، فالجيش مازال غارقًا في كابوسه الشيشاني، والحكومة عاجزة عن دفع معاشاته بل معاشات موظفيها بشكل عام، إذ تبلغ ديونها الخارجية 125.000مليار دولار.

أما من الناحية السياسية فإن تصريحات يلتسين لا تُفهم في بلاده إلا على أنها نية مؤكدة في الحفاظ على سياسة العلاقات الطيبة مع الغرب ومهما كلف الثمن مع استحضار الحقيقة الفجة، والتي هي الرضوخ لتوسعة الناتو، والتي تعني بوضوح هزيمة استراتيجية لروسيا التي جاء تصريح رئيسها اعترافًا صرفًا بفشل سياساتها، ونهاية محكمة للحرب بانتصار المعسكر الغربي وتحقيق هزيمة ساحقة على خصمه - بل خصومه - وعلى كل صعيد.

الهياكل الجديدة للأمن الأوروبي 

عندما اتفقت أولبرايت - وزيرة الخارجية الأمريكية - مع سولانا على وضع وثيقة تثبت القواعد الأساسية للتعامل مع روسيا، اضطر هذا تحت الضغط الروسي أن يترك المجال مفتوحًا لتطوير الوثيقة وتعديلها، وهذا يعني أن مشروع الأمن الجماعي الأوروبي مازال قيد البناء أو بصورة أدق مازال يعاني بعضالغموض في جوانب كثيرة من هيكله العام. 

فالنقاط الساخنة في أوروبا أكثر من أن تُعد وتحصي، وهناك مشكلات عميقة وخطيرة في كل من دول يوغسلافيا السابقة، وألبانيا، فضلًا عن تركيا التي تشكل وحدها جبهة متفجرة منفتحة في قلب حلف شمال الأطلسي، وفي ضمير اوروبا ووجدانها، وهناك مشكلات الأقليات القومية التي تشن حروب عصابات لا تهدأ ولا تتوقف منذ عدة عقود، ولا تنسى أوروبا ولا تتغاضى عن المعضلة الكأداء وهي الجمهوريات الإسلامية في كل من روسيا الأوروبية، والأسيوية على حد سواء.

وأخيرًا وليس أخرًا.. المشكلة الوليدة في أحشاء أوروبا، وهي مشكلة العشرين مليون مسلم الذين يقيمون بين ظهرانيها، والذين يرى بعض المتعصبين في أوروبا أنهم يهددون وجود أوروبا الحضاري والإنساني، وهذا عدا التهديدات التي افتعلتها أوروبا لنفسها من خارجها، وبالتحديد من منطقة المغرب العربي -كما ورد على لسان وزير خارجية إسبانيا. 

فإذا ما تجاوزنا هذه السلسلة من التهديدات المفترضة والمشكلات وجدنا أن أوروبا تعاني من عقدة تضرب جذورها في التاريخ اسمها روسيا، فأوروبا منبع المشكلة ولديها وحدها ودون تدخل خارجي طاقة ذاتية على تفجير الأزمات العالمية، وقدرة هائلة خاصة بها على نقل أزماتها الداخلية إلى شعوب الأرض، فالاشتراكية والشيوعية، والحرب العالمية الأولى والثانية، والغزو الاستعماري الثقافي ليس إلا بعض ما تصدره أوروبا من بلاء عالمي إلى جميع شعوب العالم. 

ولكنها على الرغم من ذلك تعاني من مشكلات ذاتية داخلية تحاول إيجاد الحلول لها عن طريق هذه المنظمة الأمنية التي أنشأتها الولايات المتحدة التي كانت هي نفسها إحدى الربائب الأوروبية في عالمنا المعاصر.

فالغرب الذي يضم أوروبا والولايات المتحدة يريد الآن إنشاء شبكة أمنية تمتد من الصين شرقًا، إلى سواحل كاليفورنيا غربًا، تغطي أرجاء الإمبراطورية الغربية التي وصلت أوج سلطتها وقوتها في نهاية هذا القرن، بعد أن استطاعت القضاء على أسلحة الأمم الأخرى السياسية والاقتصادية والعسكرية، ولقد استطاعت أطراف هذا الحلف التوصل في باريس إلى قاعدة أساسية لترسيخ قواعد هذه الشبكة الأمنية عن طريق «وثيقة المبادئ الأساسية» المذكورة: 

  • فلقد انقضت مرحلة الحرب الباردةالعصيبة بالنسبة لأوروبا.
  • وأصبح بالإمكان من وجهة النظر الأوروبية الحيلولة دون قدرة أي تهديد على زعزعة الاستقرار أو نشوء نزاعات أوروبية.
  • كما تم التأكد من حسن النية الروسية فيالعيش بسلام ووئام مع جيرانها الأوروبيين. 

فالمظلة الأمنية .. مظلة أوروبية، كما أن الحرب الباردة كانت مشكلة أوروبية، لأن الأمن والسلام في أوروبا هما الأصل الذي لاشيء سواه.. وهو القصد الذي لا قصد وراءه.. أما بقية مشكلات العالم فليست سوى أحجار على رقعة شطرنج. 

وجاءت هذه الوثيقة لإنشاء هياكل الأمن الأوروبي الجديد ليضع حدًا لنصف قرن من المشكلات والصدامات الفكرية والعقائدية والسياسية والعسكرية في القارة الأوروبية. 

فماذا بعد التغلب على الصدع الذي كان مفتوحًا في جسد أوروبا والذي رسمت حدوده في مدينة «يالتا» الأوكرانية عام ١٩٤٥م عندما اجتمع روزفلت وتشرشل وستالين، لوضع حدود مستقبل أوروبا على ضوء الانتصارات العسكرية والسياسية التي تمخضت عنها الحرب العالمية الثانية؟

ونعود إلى التاريخ قليلًا.. فقد بدأ تقسيم أوروبا الفعلي في مدينة «بوتسدام» الألمانية عام ١٩٤٥م، حيث عقد مؤتمر لدى إعلان نهاية الحرب لإتمام اتفاقيات «يالتا» والزام قوى المحور التي خسرت الحرب، بشروط قواتها الحلفاء التي ربحت الحرب، وقسمت أوروبا كما يحلو لها.

وفي هذا المؤتمر نفسه اتخذت التوصيات اللازمة لقيام الأمم المتحدة، وبعد ذلك وضعت الولايات المتحدة أسس ما يسمى «بخطة ماريشال» والتي تميزت بثلاثة نقاط رئيسية

روسيا .. خارجًا. 

أمريكا .. داخلًا.

المانيا .. خاضعة.

وقد تحققت هذه النقاط وعلى أكمل وجه عن طريق مؤتمر هلسنكي الذي عقد في باريس الماضي، ثم مؤتمر باريس موضع الحدث والذي سيليه مباشرة مؤتمر مدريد في الثامن من يوليو المقبل.

  • فالولايات المتحدة لم تصبح داخل إطار الهيكل الأمني العام للقارة فحسب، ولكنها صارت المهيمن الرئيسي الوحيد في مجال اتخاذ القرارات. 
  • أما المانيا فقد خضعت للإدارة الأوروبية، وأصبحت المحرك الرئيسي وراء قضية الاتحاد الأوروبي، ووراء موضوع توسعة حلف شمال الأطلسي نحو الشرق. 
  • أما روسيا فقد جمدت في مكان غير بعيد، فهي لم تضم للحلف كما كانت تنادي بذلك بعض الدول الأوروبية ولكنها أصبحت في موضع يدعم هيكل الأمن الأوروبي العام، ويجعلها في مكان الصديق-العدو في أن واحد، أو الصديق الذي لا يرجى خيره والعدو الذي لا يؤمن شره. 

فلماذا لم نضم روسيا إلى الحلف؟ بدل كل هذا العناء المسرحي المغرق في الفوضى والذي يفتقر إلى الدقة، والمبرر، والقدرة على إقناع هذه الشعوب الأوروبية التي باتت سكرى من كثرة ما قُرعت رؤوسها بموضوع الوحدة الاقتصادية، وقضية الاتحاد الأوروبي، والآن مظلة الأمن المشترك الذي يعد جناحين خياليين ويركب مركب الذي لا يقهر ؟!! 

أبسط جواب على ذلك، ما ذُكر في صحيفة «البانفوارديا» الإسبانية في عددها الصادر في اليوم التالي للتوقيع على ميثاق باريس والذي جاء فيه: «إن الخطر الذي يخشاه الغرب عندما يتطلع إلى روسيا لا يتمثل في هجوم عسكري مفترض، ولكنه وعلى وجه التخصيص يكمن في تفكك هذا العملاق» الحضاري القاري الهائل، الذي يضرب بجذوره نحو آسيا الشرقية، وآسيا الوسطى، بما تعني كل منهما من حضارات وثقافات، وأمم تضمر الكثير من العداء لأوروبا التي استعمرتها، وأذلتها طويلًا، «وطالما بقيت روسيا كدولة، غير قادرة على ضبط هذه الثغرات، أو إحكام قبضتها السياسية والاقتصادية والعسكرية عليها، فلا يمكن لحلف شمال الأطلسي، أن يقبل روسيا عضوًا فيه».

هذا الحلف الذي ما فتئ اعضاؤه يجتمعون وينفضون، ويفرقون الاف الملايين من الدولارات على إنجاز هذه المسرحيات التي لا تهم شعوبهم من قريب أو بعيد، خاصة أن هذا الحلف فقد مبرر وجوده، وهو مكافحة المطامع الشيوعية، فليس له الآن إلا أن يتمم بناء هياكله الأسطورية الأمنية، بانتظار اختراع عدو جديد قديم، بدأ الآن يتشكل في عقول القوم، ويتخذ له جسدًا وصورة وعمقًا حضاريًا تاريخيًا يليق بشبكة امنية من هذا الطراز الاستعراضي العالمي. 

عدو قادر على توحيد جهود الغرب، وربما الشرق، من أجل حشد الطاقات للاستعداد الحروب قادمة على أن تكون خارج نطاق القارة التي تعتبر نفسها عتيقة، ولكنها وعلى الرغم من قدمها لم تعرف حتى الآن كيف تتعامل مع الأمم الأخرى على أساس من المساواة والتفاهم والاحترام. 

إنها الآن تُعِد العدة للعدو القادم من الجنوب، حيث خلفت في أحشاء التاريخ تخلفًا، وتمزقًا، والامًا، أخذت تتمخض عن عملاق يليق بدول الشمال أن تتخذه عدوًا، وتعد له كل عدة ممكنة حتى لو كان ذلك على حساب دموع والام ودماء الملايين من أبناء البشرية في كل مكان.

الرابط المختصر :