العنوان الميل الفطري بين الجنسين في الأدب الإسلامي.. الحلقة الأولى
الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1986
مشاهدات 55
نشر في العدد 773
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-يوليو-1986
- إن هدف الميل الجنسي حفظ النوع وتكوين الأسرة وليس إرضاء الشهوة فحسب.
- شباب الغرب الضائع يلهث وراء شهواته الحيوانية.
تشن الصحف الأوروبية منذ شهور هجومًا حاقدًا على الإسلام، مدعية بأنه دين الجنس، والعجيب أن يعيش الغرب فوضى جنسية عارمة، تبلغ حد إباحة نكاح المحرمات، وينتشر فيه الشذوذ الجنسي، الذي أوضع بينهم مرض «الإيدز» القاتل، ثم يتهمون- وهم الغرقى إلى الآذان في الجنس- دين الله، الذي ضبط هذا الميل الفطري، حسب ناموس الله في الوجود، بما يحقق الغاية الكبرى التي وجد لأجلها الإنسان.
ولقد قام عدد من الكتاب المخلصين - جزاهم الله خيرًا- بواجبهم في ردِّ هذه الحملة المشبوهة، وتعرية أصحابها على المستوى الفكري والاجتماعي؛ لذا رأيت من واجبي أن أسهم في رد هذه الحملة الحاقدة - على المستوى الأدبي- ببيان جذور الانحلال الخلقي، التي انبثقت خطوطها كلها عن الفلسفات الأوروبية والأدباء الأوروبين، والتي تبدو مظاهرها في احتلال الجنس رقعة كبرى من الاهتمام والإعلام في الدول الأوروبية والأمريكية، وعلى مستوى هابط، في الكتب والصحف والمعروضات، وفي المسارح والمعارض والمنتديات، وتقوم أوروبا وأمريكا بتصدير هذا اللون المخزي العاري إلى الدول النامية لإفسادها، وكأنما غدت الفوضى الجنسية رسالتهم إلى العالم.
وبحثنا هذا، إنما يقوم بحركة تصحيح موضوعية للأعراف والمفاهيم - على المستوى الأدبي- في موضوع «الجنس»، يعرض له من وجهة النظر الإسلامية، ومن خلال آفاق الأدب الإسلامي، التي تعكس الرقي الإنساني والفطرة الإنسانية السوية، كما يجلو أخطار انحراف البشرية في هذا الميل الجنسي عن الناموس الإلهي، وفطرة الإنسان.
1- إن الميل الفطري بين الجنسين من القوة والأثر بحيث يحفظ النوع البشري ويرعاه بالامتداد؛ ليؤدي الإنسان- عبر العصور- مهمة الخلافة عن الله في الأرض، وعلى هذا فإنه ميل هادف إلى بناء البشرية وامتدادها، إن أخذ باعتدال أدى غايته، وإن زاد عن حده ونطاقه استهلك طاقات الحياة، وأضاع مهمة الإنسان واستخلافه؛ لذا أراد الله للإنسان أن يمارس بهذا الميل الفطري إنسانيته بالاختيار والضبط الإرادي في سلوكه ودوافعه، وقيد اندفاع الحيوان براسم الخصب؛ لأنه لا يمتلك هذه الإرادة التي منحها الله للإنسان، والإسلام يحرص على بقاء هذا الدافع الفطري بين الجنسين سليمًا، وبقوته الطبيعية دون استثارة مصطنعة، يفلت معها زمام الأعصاب والإرادة، كما يحرص على تصريفه في موضعه المأمون (1).
شرع الله الإسلام، ومن قبله الديانات السماوية، الزواج؛ لضبط هذا الميل وتصريفه في موضعه المأمون، وتوجيهه إلى بناء حجيرة الأسرة، بحيث يضمن حفظ النوع، وتحقيق خلافة الإنسان عن الله في الأرض، وتوفير طاقات الإنسان أن تضيع في اللهاث وراء الشهوات، وما يجره ذلك من أضرار نفسية واجتماعية:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (الأعراف: 189).
2- من خلال حديثنا عن الميل الفطري بين الجنسين عرفنا أن الجنس وسيلة وليس غاية، إن هدف الميل الجنسي حفظ النوع، وتكوين الأسرة وليس إرضاء الشهوة وحسب، وقد حدد القرآن الهدف من العلاقة الجنسية، ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (البقرة: 223) (3)، فحدد بذلك هدف العلاقة بين الجنسين بتلك الصورة الموحية، صورة الأرض التي تحرث لوضع البذرة، وتعهدها حتى تنبت، وتأتي بثمرة جديدة من النوع نفسه (4). ويضاف إلى وظيفة النسل وظيفة الأسرة وما تبثه من ألفة واستجابة في نفس الرجل والمرأة لا تتيسر في أية علاقة أخرى، وتستجيب في الوقت نفسه لمطالب الأطفال، وتحبوهم الحب والحنان (5).
إن في نسيان أن الجنس وسيلة لأسرة ونسل وليس غاية، ما جر على تصورات بعض أدبائنا أفكارًا لا تمت إلى التصور الإسلامي بصلة، لقد استثمر بعضهم هذا الميل الفطري، فحاول أن يشده إلى أكبر قدر مستطاع بما يرهق الإنسان، ويصرفه عن غاية وجوده، وذلك حين حسب أن كل الذكور لكل الإناث، باسم آدم وحواء، دون حرج، فتردى إلى مستوى الإباحة الجنسية، هذا علي محمود طه يتخذ من نظرة الإباحة الإبيقورية طريقًا له في أدبه وتصوره، فيستثمر الميل بين الجنسين، ولكن ينسى ضوابطه وإنسانيته:
ما تكون الحياة لو أنكر الأحيـ ـــاء فيها طبائع الأشياء
أنا أهواك فتنة صاغها المثـــ ـــال من طينة ومن إغراء
أنا أهواك بدعة الخلد صيغت من هوى آدم ومن حواء (6)
و«حنا مينة» في روايته، يعرض لاتجاهه في الجنس، فيصف مدينته وكأنها أسراب من الحيوان في موسم الإخصاب، في هبوط ذريع يتضح في قوله:
«كانت المدينة كلها تتنزه ها هنا في الصيف، الشباب يلاحقون الصبايا، والصبايا يصطدن الشباب، والنساء يسرحن وقد مللن حيطان البيوت، والشيوخ يستعيدون ذكريات الصبا، أما الآن «في الحرب» فليس من أثر لهذه المباهج، لا عاشق يضرب موعدًا، ولا مغامر يبحث عن مغامرة، ولا امرأة تتسلل وراء رجل» (7).
وكأن المباهج عند الكاتب لا تأتي إلا عن الطريق الشهوي الحيواني، ولا مثل أخرى عنده بطرحها، إن لهذا الخروج عن ضوابط الميل بين الجنسين لعواقب تنضح بالشقاء والضياع، فهذه «نورا» عند «سلمى شلاش»، التي ترى الفحشاء مع الحب صدقًا، وتنفر من الزواج الذي لا يسبقه الحب، ينصرف عن الزواج منها من يشاطرها مثلها؛ لأنه يخشى الزواج منها على أساس الحب، الذي إذا فتر انهارت الحياة الزوجية؛ لذا ظلت وحيدة تفتقد حنان الرجل وحبه دون جدوى (8).
وتعرض بطلة «غادة السمان» صورة من ضياع فطرة الفتاة عبر هذا الاضطراب في الميل بين الجنسين، فتتبادل مع الرجل موقعه، وها هي تسأله: أيها الرجل، كم ثمنك؟ (9).
3- والآن نعرض للمفهوم الإسلامي للجنس، الذي يدعم الفطرة السليمة في الميل بين الجنسين، ويرتقي به إلى مستوى العلاقات الإنسانية الرفيعة، وندلل على ذلك من نتاج الأدب الإسلامي:
1- انسجام المشاعر البشرية مع ناموس الوجود:
إن نظرة الإسلام في كل شأن نظرة إلى أصل الفطرة، والميل الجنسي بوصفه ميلًا فطريًّا لتنمية البشرية، فإن الفطرية المرتقبة فيه تتطلب النظافة والارتفاع انسجاما مع ناموس الوجود، فإن هدف الوجود كله ليس مجرد استمرار الحياة، ولكن رفعها وتجميلها، ذلك ناموس الكون الأكبر وهو كذلك الناموس، الذي يقيس به الإسلام كل عمل من أعمال الإنسان، فما سار مع الناموس، ناموس الكون والحياة فهو صالح وصواب، وما خالفه فهو خطأ وعمل غير صالح (10).
ومشاعر الجنس ككل شيء آخر في الناموس الكبير، فكل ما يؤدي منها إلى الصعود والرفعة، والتوازن، وصفاء النفوس، وطلاقة الأرواح، فهو جميل، ومطلوب، وكل ما يؤدي إلى الهبوط والنكسة إلى عالم الحيوان، وفقدان التوازن، والانحلال، وغلط المشاعر، التي تخنق طلاقة الروح، فهو قبيح ومنكر (11).
إن من ناموس الله في هذا الوجود الإحسان والارتفاع:
«إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (12).
ونعرض فيما يلي لنموذجين متقابلين للمرأة، الأول يأخذ من الواقع الجاهلي القديم والحديث صورة للمرأة، يرى فيها الكاتب أنثى تربى بالحبائل، وتتعشق المتعة، وتمارس صيد الرجال:
«منذ الأزل وقفت هذه الفتنة إلى جانب، ووقف إلى الجانب الآخر حكماء الأرض وهداتها ومشرعوها وأصحاب النظم والدساتير فيها، وقالت هذه الفتنة كلمتها، وقال الحكماء والهداة كلمتهم» (13).
فكم مرة سمع الناس صوت الفتنة؟، وكم سمعوا صوت الهداية؟.
سارت المرأة الأزلية، المرأة التي تعلمت الحب والكذب والخوف والاحتيال عبر آلاف السنين، يسرها أن تصنع الشيء وتخفيه، ولو لم تكن بها حاجة إلى صنعه ولا إخفائه، إنها تخاف وتكذب، وتحتال ووراؤها عشرون ألف سنة من التراث.
هي أنثى ولا شيء آخر، إن جانب الأنثى الصائدة الخالدة في شخصية «سارة» هو الذي يحظى عند «العقاد» بمعظم الاهتمام (14).
وأما الثاني فيحدثنا من الأدب الإسلامي عن المرأة السليمة الفطرة، عن المرأة الزوجة والسكن، ويميزها بنموذجها عن المرأة في المفهوم الجاهلي الشائع، وذلك على لسان من شقي بنموذج المرأة الجاهلية، يقول الرافعي:
«إياكم إياكم أن تغتروا بمعاني المرأة تحسبونها معاني الزوجة، وفرقوا بين الزوجة بخصائصها، وبين المرأة بمعانيها، فإن في كل زوجة امرأة، ولكن ليس في كل امرأة زوجة. واعلموا أن المرأة في أنوثتها وفنونها النسائية الفردية، كهذا السحاب الملون في الشفق حين يبدو، له وقت محدود، ثم يمسخ مسخًا، ولكن الزوجة في نسائيتها الاجتماعية كالشمس، قد يحجبها ذلك السحاب، بيد أن البقاء لها وحدها، والاعتبار لها وحدها، ولها وحدها الوقت كله» (15).
ب- والجنس في نظر الأدب الإسلامي سكن، وحياة وادعة مستقرة في كنف بيت زوجي، وليس جريًا ولهاثًا وراء الشهوات، وهذا من فطرة الله ونعمته:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21) (16).
«السكن- بكل ما يوحيه من هدوء وسكون وطمأنينة واستقرار وراحة - هو الهدف من خلق الأزواج، في عالم النسيان، إنه ليس مشغلة الفكر والبال، ليس التعب والعذاب والقلق والاضطراب، ليس اللهفة الدائمة التي لا ترتوي، تستنفذ الطاقة وتورث الخبال، وإنما هو السكن، الاستقرار الذي يمكن الإنسان من تحقيق أهداف حياته، ويقوى على أداء هذه الأهداف، والعلاقة بين الجنسين هي المودة والرحمة، الرحمة الندية والأنس اللطيف الودود، في هذا الجو الراضي المشرق، الذي يكون شقي النفس الواحدة المتوادين المتراحمين» (17).
ربما كانت صور المودة والرحمة بين الزوجين من الصور القليلة المعلنة في أدبنا؛ لأن الأديب يؤثر أن يحتفظ بها لحياته الخاصة ولا يعلنها، ولكن لا نعدم أن نجد أفلاذًا من هذه الصور.
منها ما يعرضه لنا نجيب الكيلاني صورة من صور المودة والرحمة بين الزوجين، تدلل على عمق هذه المودة، التي لا تتأثر بتناقضات الحياة، كما تعرض إلى أن الحب بعد الزواج من طبيعة بيئتنا الأصيلة، وما عداه تقاليد وافدة.
تدور أحداث القصة حول مقاومة بلدة «رشيد» لحملة «فريزر» الإنجليزية عام 1807م إبان حكم محمد علي، ونختار منها المقطع التالي:
«كان «قطان» الجاسوس الإنجليزي قد دبر إرغام «طاهر بك» - عمدة رشيد، وأحد أعيانها، والمتصدي لمقاومة الإنجليز - على تزويج ابنه إبراهيم المجاهد من ابنة قطان «روز»؛ ليتلقى عن طريقها أسرار ووثائق المقاومة، فيوصلها للإنجليز، ولكن «روز» خيبت ظن والدها المأجور، وكانت زوجة بحق لإبراهيم، ضنينة به.
سمعت «روز» زوجها إبراهيم يقول مداعبًا:
- كنت أحسب أن الحب يجب أن يسبق الزواج، لكن تجربتي أثبتت أن الحب يستطيع أن ينمو ويترعرع في ظل الحياة الزوجية الموفقة.
فابتسمت «روز»، ثم قالت:
- إنك لسعيد الحظ، واستطردت قائلة بعد فترة صمت وجيزة:
- إن قصص الحب في رشيد لا تنبت إلا بعد الزواج في أغلب الأحايين، وتلك هي طبيعة البيئة.
- صدقت، لقد كان تهتك الفرنسيين واختلاطهم أيام احتلالهم لبلادنا مدعاة للغرابة والدهشة، ولعلك تذكرين يا روز أن الناس كانوا ينظرون إلى تلك التقاليد، التي لم يألفوها نظرة اشمئزاز ونفور» (18).
(1) انظر في ظلال القرآن: 18/2511.
(2) الأعراف: 189.
(3) البقرة: 223.
(4) انظر الإنسان بين المادية والإسلام: 194.
(5) نفسه: 196.
(6) ديوان علي محمود طه: 699.
(7) الشراع والعاصفة «رواية»: حنا مينة دار الآداب، بيروت، ط 3.
(8) انظر «رواية الحب قبل الخبز أحيانا»: 20-21.
(9) زمن الحب الآخر: غادة السمان، بيروت، ط 3، عام 1981، ص 48.
(10) انظر منهج الفن الإسلامي: 105، 106.
(11) نفسه: 106.
(12) رواه مسلم في الصيد والذبائح: رقم 1955.
(13) سارة «رواية»: عباس محمود العقاد، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ثانية، 1969، ص 58.
(14) انظر دراسات في الرواية المصرية، دكتور علي الراعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975، ص: 64، 65.
(15) وحي القلم: 1/251.
(16) الروم: 21.
(17) منهج الفن الإسلامي: 103- 104.
(18) طلائع الفجر، رواية د. نجيب الكيلاني، بيروت، ط ثانية 1398- 1978، ص: 138.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل