العنوان الميثاق الجزائري: نقد وتقويم- إسلام أو لا إسلام (عن مجلة الدعوة)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1976
مشاهدات 70
نشر في العدد 328
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 14-ديسمبر-1976
تمثل عملية نشر المشروع التمهيدي للميثاق الوطني مبادرة جديرة بالتقدير، خصوصًا وهي تأتي في ظروف تزايدت فيها الحاجة إلى دليل ينير معالم طريقها نحو الغد الأفضل. وإني لأنتهز الفرصة لأدلي برأيي في هذه الوثيقة، آملًا أن تتسع صدوركم له برغم طوله الذي فرضه طول الميثاق ذاته، وأرجو أن يعرف هذا المقال طريقه للنشر ولو على حلقات.
(أ) المقدمة والباب الأول: الاختيار الاشتراكي:
بعد أن يأتي المشروع على استعراض تاريخي شامل لكفاح الجزائر عبر العصور، يخلص إلى أن المحتوى الشعبي للحركة الوطنية الجزائرية التي ساهمت في تحرير البلاد هو الذي فتح الطريق عند الاستقلال نحو بناء الاشتراكية، ثم يقول: «ومن هنا يجب على بلدان العالم الثالث أن تجد لنفسها وبجهدها الذاتي أنماط التطور والبنيات السياسية الأكثر موافقة لظروفها الموضوعية، وعليها لكي تتخلص من حالة الركود أن تكتشف طريقها الخاص بها...». والواقع أن هذه حقيقة لا مجال للمراء فيها. وهي تعني في تقديري أن أساليب التنمية الجاري تطبيقها هنا وهناك ليست بالضرورة صالحة لبلدان العالم الثالث. وفعلًا، فقد فشلت الرأسمالية فشلًا ذريعًا في النهوض بمستوى بلدان العالم الثالث التي اتخذتها منهجًا للتنمية.
الطريق الثالث:
وإني أريد أن أخلص من هذا إلى تسفيه المقولة الكليشية التي تزعم بأن التنمية والعدل الاجتماعي يمران عبر طريقين لا ثالث لهما: الرأسمالية «عند دعاتها والمنتفعين بها» والاشتراكية «عند أنصاف المتعلمين والسفسطائيين». إن هناك طريقًا ثالثًا على الأقل بالنسبة لبلادنا والبلاد الإسلامية جميعًا «وهي في الواقع تشكل معظم العالم الثالث».. وهو طريق الإسلام. والإسلام في مفهومه الصحيح هو عقيدة ونظام شامل للحياة يستوعب كل جوانبها: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولقد نشأ الفهم الخاطئ للإسلام في أذهان الكثير من تسرب المفهوم الغربي للدين، وهو مفهوم له خلفيات تاريخية تعود إلى عصر الإقطاع وسيطرة الكنيسة التي أدت إلى ثورة الجماهير على إرهابها الفكري، الأمر الذي أنجز عنه فصل الدين عن الدولة وإبقاء مجاله محصورًا فيما ينظم العلاقة بين العبد وربه، وهذا مناقض تمامًا لمفهوم الدين في الإسلام؛ ذلك أن أقل ما ينظمه الإسلام علاقات ثلاث: علاقة بين الفرد وربه، وعلاقة بين الفرد ومحيطه الأقرب، وعلاقة بين الفرد والإنسانية قاطبة.
وإذا طرحنا المذهب الإسلامي في الاقتصاد كأسلوب لعلاج المشكلة الاجتماعية «سوء توزيع الشركة» وللتنمية السريعة والشاملة، فإننا نطرح الإسلام ككل، فالإسلام يؤخذ جملة وتفصيلًا، لا أجزاء وتفاريق، وعملية الترقيع وأخذ شيء من هنا وآخر من هناك عملية غير واردة في مفهوم الإسلام: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٨٥).
ولكننا عند طرحنا للمذهب الاقتصادي الإسلامي زعم بعض الذين في قلوبهم مرض أن الإسلام لا يملك منهجًا اقتصاديًّا علميًّا واضح المعالم، وكل ما فيه إنما هو توجيهات عامة. والواقع أن هذه الفرية تنم عن جهل أو تخابث، فمعالم هذا المذهب قد تناولتها وأوضحتها مئات المؤلفات قديمًا وحديثًا، وما على المرء إلا أن يكلف نفسه عناء البحث في المكتبات ليحصل على مئات المؤلفات في هذا الموضوع.
ويؤكد كل هذا التطبيق الإسلامي، وتفسره ممارسات كبار الصحابة «ض»، ونذكر منها على سبيل المثال قولة عمر بن الخطاب «ض» عندما حضرته المنية: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فرددتها على الفقراء»، وخير نموذج للعدل الاجتماعي الإسلامي ما حدث في عهد عمر بن عبد العزيز «ض» حيث لم يعد في المجتمع واحد يستحق أو يقبل أن تصرف له الزكاة! ففيم إذن الحديث عن رأسمالية الإسلام.. هذا ولسنا ننكر أن ثمة أصواتًا حاولت وما زالت تحاول أن تعطي الإسلام طابعًا رأسماليًّا، وأن تسخره لخدمة مواقعها الاجتماعية الخاصة، ولكنها في الواقع كمن يحرث في البحر، فجوهر الإسلام وطبيعته لا يلبثان أن يتغلبا وتبرز الحقيقة إلى السطح.
ولقد أدرك هذه الحقيقة دعاة الإسلام المخلصون فوجدنا كاتبًا كالأستاذ سید قطب عليه رحمة الله يؤلف كتاب «معركة الإسلام والرأسمالية» وكتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» في وقت كان فيه الإقطاع ورأس المال في مصر يملكان الأرض ومن عليها، ويتحكمان في رقاب الناس دون أن يجرؤ أحد من أدعياء التقدمية والاشتراكية أن ينبس ببنت شفة.
أصوات تظلم الاشتراكية والإسلام :
وذات الشيء يقال عن الاشتراكية بمفهومها الاصطلاحي المعروف، فلقد ارتفعت أصوات كثيرة تحاول أن تطعم الاشتراكية بالإسلام «كما يحاول الميثاق» أو تنسب الاشتراكية إلى الإسلام، وهذه الأصوات إنما تظلم الاشتراكية والإسلام في آن واحد كأنها تقول: إن الاشتراكية «بالمفهوم الاصطلاحي» هي من صميم الإسلام، وهذا إما جهل أو مغالطة أو تخابث ولعب بعقول الجماهير وعواطفها. أو بقول: إن الإسلام عاجز عن تقديم الحلول للمشاكل الاقتصادية فلا بد من الاستعانة بوسائل وأسلحة أخرى، كما فعل الميثاق ضمنًا حين وصف الاشتراكية بأنها «سلاح نظري» وليست «دينًا جديدًا». وهذا الفهم ناجم عن قصور في فهم الإسلام، أو رغبة مبيتة في حصر الإسلام في نطاق العبادات والمساجد فحسب، وعندئذ يكون نص مشروع الميثاق على أن شعب الجزائر مسلم نصًّا لا معنى له؛ إذ ما هو الإسلام إذا لم يكن عقيدة وسياسة واقتصادًا واجتماعًا وثقافة؟
وإني -من ناحية أخرى- أقرر أنه إذا كانت الاشتراكية في الجزائر «تهدف أساسًا إلى تحقيق أهداف ثلاثة:
١- تدعيم الاستقلال الوطني.
2- إقامة مجتمع متحرر من استغلال الإنسان للإنسان.
٣- ترقية الإنسان وتو فير أسباب تفتح شخصيته وازدهارها» كما يقول مشروع الميثاق، فإن الإسلام أيضًا يهدف إلى ذلك، ولكن بفارق هام وهو أن هذه الأهداف عرفت طريقها للتطبيق في صدر الإسلام وفي عهد عمر بن عبد العزيز «ض»، بينما ظلت مجرد شعارات جوفاء مثالية.
إن الميثاق يقول: «إن كلًّا من التحرير الوطني والتحرير الاجتماعي في عصرنا هذا متضامنان أساسًا بحيث إن الرفض البات للاستعمار يفضي إلى رفض الرأسمالية»، وهذا صحيح تمامًا، ولكن الميثاق يضيف بعد ذلك مباشرة: «فعندما تدرك الجماهير بأن كلًّا من الاستعمار والرأسمالية مرتبطان أشد الارتباط وأن أحدهما ما هو إلا انعكاس للآخر، عندئذ تنشأ الظروف التي تجعل الوعي الوطني يتحول إلى وعي اشتراكي»، وهذا في تقديري غير صحيح، فليس ضروريًّا أن تكون اشتراكيًّا إذا كنت مناهضًا للرأسمالية. وإن وعي شعبنا ورفضه للاستغلال والرأسمالية ليس ناجمًا عن إدراكه للعلاقة العضوية بينهما فحسب، بل يعود أيضًا إلى لا شعوره الذي استقر فيه مفهوم الإسلام الصحيح.
البقية في العدد القادم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل