; المياه وحماس.. دوافع «إسرائيل» الحقيقية للاعتراف بالمنظمة | مجلة المجتمع

العنوان المياه وحماس.. دوافع «إسرائيل» الحقيقية للاعتراف بالمنظمة

الكاتب عزيز فهمي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994

مشاهدات 62

نشر في العدد 1103

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 14-يونيو-1994

·       باحث إستراتيجي يؤكد على أن «إسرائيل» تسرق مياه نهر الليطاني عن طريق نفق طوله 20 كيلو مترًا تحول عن طريقه 55% من مياه النهر.

·       الولايات المتحدة بدأت في تقديم اتفاقيات لتقسيم المياه بين العرب وإسرائيل في بداية الخمسينيات واليهود وضعوا خريطتهم في عام 1919.

هناك سببان إستراتيجيان وراء تغير المواقف الإسرائيلية فجأة وتحولها بخطى سريعة نحو عملية السلام.

الأول: هو أن إسرائيل تعاني من أزمة مياه خطيرة أدت إلى عجز الموارد المائية في إسرائيل عن الوفاء باحتياجات السكان الجدد بعد هجرة 450 ألف يهودي روسي إليها، واحتياج «إسرائيل» للتعاون مع الدول العربية وخاصة لبنان لتوفير ما تحتاج إليه من المياه، ومن هنا أصبح السلام ضرورة إستراتيجية لإسرائيل، فبدون السلام لن يكون هناك تعاون إقليمي مع الدول العربية، وبدون التعاون الإقليمي مع الدول العربية، لا تستطيع إسرائيل حل مشكلة عجز الموارد المائية، فمشاريع تحلية مياه البحر وأنابيب السلام لا تفي باحتياجات إسرائيل المائية بالسرعة المطلوبة.

الثاني: هو خوف إسرائيل من انهيار منظمة التحرير الفلسطينية بسبب أزمتها المالية، والتي نشأت نتيجة لوقف دول الخليج العربي لدعم المنظمة ماليًا «احتجاجًا» على موقف المنظمة إبان حرب الخليج، ويقول مصدر خليجي مطلع إن المنظمة قد خسرت نصف دخلها، ويقدر ذلك بنحو 200 مليون دولار سنويًا.

وترتب على ذلك أن أغلقت المنظمة عددًا من مكاتبها، وخفضت حجم مكاتب أخرى في الدول المختلفة، واتخذت إجراءات تقشفية غير مسبوقة، بل عجزت عن دفع مرتبات العاملين في المؤسسات الفلسطينية المختلفة التي تشرف عليها داخل الأراضي المحتلة لعدة شهور قبل التوصل إلى اتفاق 13 سبتمبر في البيت الأبيض، وواكب ذلك صعود شعبية حركة حماس لنجاحها في شن عمليات هجومية باستخدام أسلحة نارية من داخل الأراضي المحتلة، ثم نجاحها في قتل جنود إسرائيليين والفرار بعد ذلك.

فقد خشيت إسرائيل أنه في حالة انهيار المؤسسات الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة التي تشرف عليها منظمة التحرير الفلسطينية أن تحل حماس محل منظمة التحرير في قيادة العمل الوطني داخل الأراضي المحتلة، وبما أن حماس لا تقبل بالاعتراف أو المصالحة مع إسرائيل فقد أصبح الحل هو عقد الصفقة مع المنظمة قبل أن تنهار بسبب الأزمة المالية، وفقدان الشعبية في الداخل، فعدلت الإستراتيجية الإسرائيلية بعد أخذ هذين السببين في الاعتبار، وأصبحت هذه الإستراتيجية هي السعي للتوصل إلى السلام الشامل مع الدول العربية لتحقيق ثلاثة أهداف:

1- فتح الطريق للتعاون الإقليمي في موضوع المياه وخاصة مع لبنان البلد العربي الوحيد الذي يتمتع بفائض في الموارد المائية.

2- إلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل تمهيدًا لخلق سوق شرق أوسطية، تكون إسرائيل فيه شريكًا كامل العضوية.

3- تصدير مشكلة حماس «الصداع الأمني الإسرائيلي» إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

ولذلك لم يكن الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل الذي تم بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ المعروف بـ (غزة أريحا أولًا) في البيت الأبيض في الثالث عشر من سبتمبر 93 ثم اتفاق القاهرة 2 / 5 / 94 سوى الخطوة الأولى في الإستراتيجية السلمية الشاملة لإسحاق رابين وشيمون بيريز لاحتواء الشرق الأوسط وموارده.

أما الخطوة الثانية فهي محاولة إبرام اتفاق سلام مع سوريا مفتاح السلام والتسوية الشاملة في المنطقة؛ تمهيدًا للتعاون الإقليمي مع لبنان لحل أزمة المياه في إسرائيل.

والآن لنستعرض الأسباب الإستراتيجية للتوجه السلمي الإسرائيلي، أو ما أطلق عليه «حمى السلام الإسرائيلي» بشيء من التفصيل.

السبب الأول: المياه

تشهد إسرائيل الآن طفرة سكانية تاريخية؛ فقد وصل إليها منذ نهاية 1988 وإلى الآن 450 ألف مهاجر روسي، وأصبح تعداد سكان إسرائيل الآن 5.3 مليون نسمة حسب قول رئيس الوزراء إسحاق رابين أثناء خطبته في المؤتمر السنوي لبرنامج World Report الخاص بشبكة CNN.

وبذلك تواجه إسرائيل الآن أزمة عجز الموارد المائية التي كان من المتوقع أن تواجهها عام 2000.

وقد تنبأ بذلك تقرير أعده مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن للخارجية الأمريكية للاسترشاد في رسم السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، وقد استغرق إعداد التقرير 15 شهرًا، وشارك فيه خبراء مياه من المنطقة، وصدر هذا التقرير في شهر 12 / 1987 أي قبل عام كامل من بدء الهجرة اليهودية الروسية لإسرائيل.

تنبأ التقرير أن يصل تعداد سكان إسرائيل عام 2000 إلى 5.3 مليون نسمة، وذلك بمعدل نمو سكان طبيعي قدره 1.6% وتنبأ التقرير أن يصل عجز الموارد المائية في إسرائيل آنذاك إلى 800 مليون متر مكعب.

فمعدل نمو السكان وصل لحوالي 19% بدلًا من 1.6% بسبب الهجرة الروسية، ولم تفاجأ إسرائيل بهذه الأزمة، ففي مقابلة مع البروفيسور إلياهو روزنتال، مدير إدارة البحوث والزراعة الإسرائيلية في نهاية عام 92 -عندما كانت معدلات وصول المهاجرين الروس في أعلى درجاتها قال -ردًا على سؤالي حول تنبؤات تقرير (CSIS): «لا أعرف إن كانت الأزمة ستكون في عام 1995 أو عام 1997، ولكن دعني أقول لك إن إسرائيل ستواجه أزمة قبل نهاية هذا العقد».

ويضيف: «إن الحالة جادة وخطيرة بالنسبة لإسرائيل وخاصة عند الأخذ في الاعتبار أن إسرائيل تمر بمرحلة استيعاب موجات كبيرة من المهاجرين الروس». ولاحظ أن ذلك كان الوقت الذي بدأت إسرائيل فيه الإعداد للمفاوضات السرية في أوسلو، والتي بدأت في 20 / 1 / 93.

ويعترف شيمون بيريز في كتابه «شرق أوسط جديد» والذي صدر بعد توقيع اتفاق «غزة أريحا أولًا» أن مشكلة عجز الموارد المائية أحد دوافع التوجه السلمي الإسرائيلي، وعن تقييمه للحلول المختلفة لهذه المشكلة وتحديدًا بناء معامل تحلية البحر أو مشروع أنابيب السلام يقول:

«إن الدول المنتجة للبترول يمكنها تحلية مياه البحر على نطاق واسع؛ لأن البترول الذي تحتاجه معامل تحلية البحر بالنسبة لهم أرخص من المياه، ولذلك فإن هذه المعامل ذات جدوى اقتصادية لهم، لكن ذلك ليس صحيحًا بالنسبة لإسرائيل، فتكلفة الطاقة المرتفعة لهذه المعامل تجعل هذا الحل غير عملي وغير ممكن لإسرائيل.

أما عن إمكانية أن يحل مشروع أنابيب السلام الذي تبيع تركيا بمقتضاه إلى دول الخليج العربي وإسرائيل والأردن فائض المياه فيها، وبحيث تنقل هذه المياه عبر أنبوبين عملاقين، ويقدر شيمون بيريز في كتابه أن يستغرق تجهيز المشروع «عشر سنوات أو ربما عشرين سنة حتى يتمكن المشروع من الوفاء باحتياجات شعوب المنطقة من المياه، ولذلك فلابد من البحث عن بدائل أخرى لأننا -أي إسرائيل- لا نستطيع أن نستمر على الوضع الحالي لمدة عشرين سنة».

وسبب ذلك أن هذا المشروع لم يصل إلى مرحلة رسم خطط عملية مفصلة لتنفيذه، وما زال في طور الأفكار.

نهر الليطاني هو الحل الأسرع الممكن لمواجهة الأزمة الحالية

فلا معامل تحلية مياه البحر، ولا مشروع أنابيب السلام تحل مشكلة إسرائيل المائية، والحل الوحيد لإسرائيل هو نهر الليطاني، ومن هنا أصبح السلام ضرورة إستراتيجية لإسرائيل، ورغم أن شيمون بيريز اعترف في كتابه أن الماء أحد دوافع التوجه السلمي الإسرائيلي، إلا أنه تجاهل ذكر الطفرة السكانية في إسرائيل، ولكنه قال إن مياه الشرق الأوسط ملك لكل دول المنطقة، وإن قضية عجز الموارد المائية في المنطقة هي الإثبات الموضوعي لضرورة تأسيس نظام إقليمي.

وفي لقاء مع شيمون بيريز في يناير الماضي مع (M.B.C) سئل ماذا تعني بالنظام الإقليمي فأجاب:

«عندما نتكلم عن المال فإننا ندرك الاحتياج لبنك مركزي، ولكن هل تسمح لي أن أقول إننا عندما نتكلم عن الماء فإننا نحتاج إلى بنك مركزي للمياه؟ لأن العملة الحقيقية في الشرق الأوسط ليست الفضيات، إنما قطرات المياه، هذا ما نحتاج جميعًا له، وأعتقد أن الوقت قد حان لبناء بنك مركزي للمياه وتوزيعه (أي الماء) بشكل معقول وعادل، وأنا مقتنع أنه يمكن فعل ذلك».

ثم سئل وزير الخارجية الإسرائيلي: من أين تأتي أصول هذا البنك المركزي وما هو دور نهر الليطاني فيه؟

فأجاب: «المياه كالبترول ولو كان لبنان يرغب في بيع فائض المياه لديه، يمكن لهم أن يفعلوا ذلك، فهناك طلب على الماء وسوق له، ولكن بشرط أن يكون ذلك اقتصاديًا. تركيا لديها فائض من الماء على سبيل المثال، والأتراك يرغبون في بيع هذا الفائض، ولهذا أقول: كما أن هناك سوقًا للاتجار في البترول، سيكون هناك سوق للاتجار في المياه».

واستطرد قائلًا: «دعني أقول بصراحة نحن آخر الناس في العالم الذين يتكلمون عن نهر الليطاني؛ لأن كثيرًا من الناس في العالم العربي يتشككون أننا في إسرائيل لنا اهتمام (أطماع) في نهر الليطاني، ولكننا نهتم بالماء وليس بالأنهار، ونشعر أننا نستطيع أن نحلي مياه البحر بنفس سهولة شراء المياه من لبنان».

وبما أن لبنان لم يعرض مياهه للبيع لإسرائيل أو لغيرها فإن هذا التصريح يعني أن إسرائيل هي التي تفكر في (أو تحتاج إلى) شراء الماء اللبناني.

ويعد هذا التصريح الأول من نوعه الذي يدلل على اهتمام إسرائيل بالمياه اللبنانية رغم إنكارها ذلك علانية، ولكن لكي تشتري إسرائيل المياه اللبنانية (رغم إخفائها لهذه الرغبة إلى الآن) فإنه لا يمكن تحقيق ذلك في ضوء الظروف -أي استمرار حالة الحرب- ولا يمكن أن يتم ذلك إلا في إطار اتفاق أكبر مع سوريا، ومن هنا أصبح السلام مع سوريا ضرورة إستراتيجية تسعى «إسرائيل» لتحقيقها الآن بكافة الطرق والوسائل.

إسرائيل تسرق نهر الليطاني

مع المساعي الإسرائيلية لاحتواء دول المنطقة وإتمام اتفاقات سلمية مع سوريا والأردن ولبنان، فإن الدكتور محمود سمير أحمد في كتابه «معارك المياه المقبلة في الشرق الأوسط» ينسب إلى اللواء محمد جمال مظلوم قوله: «إن إسرائيل بنَت نفقًا بين نهر الليطاني من أسفل (دير حماس) عند نقطة الخردل إلى نقطة وادي (البراغيث) وإن طول هذا النفق 20 كم، ويسمح لإسرائيل بتحويل 500 مليون متر مكعب من مياه الليطاني (وهو ما يمثل 55% من مياه النهر) إلى بحيرة طبرية».

ومع ذلك يؤكد المسؤولون اللبنانيون أنه لا توجد أي أدلة على صحة هذا الكلام، ولكن الغريب أن آخر تحقيق حول هذا الأمر والذي قامت به الأمم المتحدة كان منذ ثلاث سنوات، وانتهى التحقيق في ذلك الوقت بأنه لا يوجد أي إثبات على تحويل إسرائيل لمياه نهر الليطاني، وإلى الآن لم يطلب لبنان من الأمم المتحدة إعادة البحث والتحقيق في هذا الموضوع، وذلك باتباع منطق «دع الفتنة نائمة، ولعن الله من أيقظها»!

ولكن السؤال يبقى: هل نهر الليطاني جزء من تفكير إسرائيل كحل لمشكلة عجز الموارد المائية؟ الإجابة: نعم. بدليل ما قاله شيمون بيريز عن رغبة إسرائيل في شراء المياه من لبنان، وبالإضافة إلى ما قاله مسؤول إسرائيلي آخر -قريب من المحادثات- ورفض الإفصاح عن اسمه «لا يمكن حل مشكلة المياه في المنطقة -أي إسرائيل- بدون نهر الليطاني».

وبالإضافة إلى ذلك هناك شواهد تاريخية هامة تثبت أن إسرائيل كانت تعتبر الليطاني جزءًا من الحل الشامل لمشكلة المياه في المنطقة.

المطامع اليهودية القديمة في المياه العربية

أ- المنظمات الصهيونية تقدمت بمذكرة في 2 / 1919 لمؤتمر السلام الدولي في باريس بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بخريطة تحدد فيها ماذا يجب أن تكون عليه حدود فلسطين، التي أعلن وعد بلفور أنها ستكون الوطن القومي لليهود فيما بعد، وهذه الخريطة تضم نهر الليطاني وكل هضبة الجولان، وحددت المذكرة أن طلب هذه الحدود الشمالية إنما تهدف لتأمين السيطرة على منابع نهر الأردن -عصب الحياة الاقتصادية في إسرائيل- بالإضافة إلى نهر الليطاني.

ب- عندما أتى أريك جونستون إلى منطقة الشرق الأوسط وهو مبعوث الرئيس أيزنهاور -بين أعوام (53- 55) في محاولة أمريكية للتوصل إلى اتفاقات حول تقسيم المياه بين الدول العربية وإسرائيل طلب جونستون من كل من إسرائيل والدول العربية تقديم تصوراتهم أو حلولهم المقترحة للمشكلة، وفي الطرح الإسرائيلي طالبت إسرائيل بأن يدخل نهر الليطاني في النظام الإقليمي الذي اقترحته، ولكن بسبب المعارضة العربية القوية والتمسك بأن الليطاني نهر لبناني (100%) فقد أسقطت إسرائيل هذا الطلب.

جـ- وما بين هذين التاريخين (1919- 1948) قامت المنظمات الصهيونية قبل تأسيس إسرائيل بأكثر من محاولة لضم الليطاني إلى حدود فلسطين تحت الانتداب البريطاني تمهيدًا لإرث هذه الأرض عند تنفيذ وعد بلفور، وباءت كل هذه المحاولات بالفشل.

ويلاحظ الدكتور جورج طعمة المندوب السابق لسوريا في مجلس الأمن إبان حرب 67 وأستاذ القانون الدولي «أن إسرائيل الآن تحتل كل المناطق التي تجري فيها الأنهار العربية التي تحدثت عنها مذكرة المنظمات الصهيونية لمؤتمر السلام في باريس في فبراير 1919».

موقف الرأي الأمريكي من أزمة المياه

كما سبقت الإشارة فقد أعد معهد الدراسات الدولية الإستراتيجية (CSIS) في شهر 12 / 87 في واشنطن تقريره لتقديمه إلى الإدارة الأمريكية، ولذلك فإن الإدارة الأمريكية تدرك جيدًا حجم وخطر مشكلة عجز الموارد المائية مع الاستقرار في المنطقة، وعلى التسوية السلمية أيضًا.

وعند تصميم مؤتمر مدريد للسلام انقسمت المفاوضات إلى مفاوضات ثنائية مباشرة، ومفاوضات متعددة الأطراف؛ حيث تختص المفاوضات الثنائية بالقضايا السياسية والانسحاب والأمن.

أما المفاوضات المتعددة فتشارك فيها أكثر من عشرين دولة، وأهم موضوعاتها:

1- التعاون الإقليمي وتحديدًا في المياه، وتقسيم حصص المياه.

2- الحد من انتشار الأسلحة في الشرق الأوسط، ثم شؤون اللاجئين والتعاون الاقتصادي.

ومن المعروف أن سوريا ولبنان رفضتا الاشتراك في هذه المباحثات منذ اليوم الأول لها، وذلك رغم مشاركة باقي الدول العربية ضمن عشرين دولة أخرى في هذه المباحثات.

وفي لقاء مع السيد دان كرتزر المسؤول الأمريكي عن مفاوضات لجنة المياه في إطار المفاوضات المتعددة الأطراف -أكد قناعة الولايات المتحدة بأنه «إذا حاولت أي دولة من دول المنطقة حل أزمة المياه بمفردها وبدون التعاون مع الدول الأخرى، فإن هذه المحاولة سوف تبوء بالفشل، وهذا ينطبق على الأردن وسوريا، ولكن ينطبق على إسرائيل أكثر، وهذا موقف أمريكي ثابت منذ الخمسينيات، فالولايات المتحدة تنظر إلى قضية مشاريع المياه المشتركة كأحد المجالات الهامة لتعزيز فرص تحقيق تسوية سياسية سلمية للصراع العربي الإسرائيلي، بينما تنظر سوريا إلى التسوية السياسية والانسحاب من الأراضي المحتلة كشرط مسبق لأي تعاون إقليمي في قضية المياه».

السبب الثاني: الخوف من انهيار منظمة التحرير الفلسطينية وإحلال حماس

ركزت التحليلات الصحفية في العالم العربي اهتمامها على دراسة قرار منظمة التحرير بالاعتراف بإسرائيل، واختلفت أو اتفقت معه، ولكنها لم تركز بنفس القدر على قرار إسرائيل نفسها؟ لماذا أقدمت إسرائيل على تقديم تنازل تاريخي -من وجهة نظرها- مثل ذلك الآن؟

والسؤال هو لماذا قررت إسرائيل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية في وقت كادت أن تنهار فيه مؤسسات المنظمة في الأرض المحتلة؛ بسبب الأزمة المالية، بل يقول البعض إن المنظمة نفسها كادت أن تنهار بسبب هذه الأزمة.

ففي الوقت الذي بدأت فيه المباحثات السرية في أوسلو كانت منظمة التحرير في أضعف حالاتها منذ تأسيسها عام 1964، وذلك بسبب انقطاع الدعم المالي لدول الخليج (200 مليون دولار سنويًا، وهو ما يمثل (50%) من ميزانية المنظمة حسب قول مصادر خليجية مطلعة) وبدأ توقف الدعم المالي عام 1990 بسبب تأييد منظمة التحرير الفلسطينية للعراق إبان حرب الخليج، وبالإضافة إلى ذلك فإن إسرائيل قامت بعزل الضفة الغربية وقطاع غزة عزلًا كاملًا عن إسرائيل؛ بسبب تصاعد حوادث اغتيال الإسرائيليين بواسطة المقاومة الفلسطينية بدرجة لم تعهدها إسرائيل من قبل، وترتب على هذا العزل حرمان مئات الألوف من الفلسطينيين من التوجه إلى أعمالهم داخل إسرائيل، فتدهورت الأحوال الاقتصادية داخل الأراضي المحتلة، وكان ذلك أحد الوسائل التي استخدمتها إسرائيل في محاولتها للقضاء على الانتفاضة، ومع ذلك لم تتوقف الانتفاضة.

وترتب على هذين العاملين شكل المؤسسات الفلسطينية في الأراضي المحتلة، فبعد إعلان الملك حسين لفصل الضفة الغربية وقطاع غزة قانونيًا عن الأردن في شهر 7/ 1988 أصبحت منظمة التحرير هي الداعية والممولة لهذه المؤسسات، وبسبب الأزمة المالية لم تتمكن المنظمة من دفع مرتبات العاملين في هذه المؤسسات لعدة شهور قبل توقيع اتفاق سبتمبر، وبسبب عزل الضفة الغربية وقطاع غزة كادت أن تصل الحالة الاقتصادية في الأراضي المحتلة إلى الانهيار الكامل.

وواكب كل ذلك صعود حركة المقاومة الإسلامية «حماس» ونجاحها الجماهيري وتنافسها مع منظمة التحرير الفلسطينية على قيادة العمل الوطني في الأراضي المحتلة، وخاصة بعد تفاقم الأزمة المالية لمنظمة التحرير، كل هذه التطورات أقلقت إسرائيل التي خشيت أن تنفرد حماس بقيادة العمل السياسي داخل الأراضي المحتلة إذا انهارت منظمة التحرير.

ويقول شيمون بيريز في كتابه شرق أوسط جديد صفحتي (18، 19): «لقد شعرت أن التأييد لمنظمة التحرير الفلسطينية يتآكل». ويضيف: هل انهيار منظمة التحرير يفيد إسرائيل؟ ومن سيحل محلها؟ هل حماس بديل أفضل من وجهة نظر إسرائيل؟ هل يمكننا أن نتفاوض مع المتطرفين (الأصوليين)؟

ويتساءل في النهاية: «كيف نتوصل إلى اتفاق على الاعتراف المتبادل إذا كانت حماس تنكر وجودنا أصلًا؟» وكانت نتيجة علامات الاستفهام السابقة حسب قول بيريز:

«هكذا وبسبب الظروف الداخلية في الأراضي والظروف العامة في المنطقة توصلنا لنتيجة مفادها أنه من مصلحة إسرائيل إعطاء منظمة التحرير الفلسطينية دورًا لتلعبه في الساحة السياسية، وفي نفس الوقت كانت هناك إشارات موازية من جانب منظمة التحرير الفلسطينية».

ويذكر أن نجاح حركة حماس في شن عمليات ناجحة بالأسلحة النارية على جنود إسرائيليين وقتلهم ثم الفرار بعد ذلك، قد أفزع سلطات الاحتلال الإسرائيلية، وأدركت إسرائيل أن حماس تمثل انعطافة نوعية جديدة في تاريخ المقاومة الفلسطينية.

فقد اعتادت إسرائيل في الماضي على أن تشن العمليات التي تستخدم فيها الأسلحة النارية من خارج إسرائيل بواسطة فدائيين فلسطينيين. ونجحت إسرائيل في معظم الأحيان في إفشال هذه العمليات، أو الإمساك بالفدائيين قبل وصولهم إلى الهدف. والقراءة الإسرائيلية لنجاح حماس أنهم -أي الإسرائيليين- أمام معادلة أمنية جديدة وخطيرة.

وإذا كانت إسرائيل قد أوكلت ملف حماس إلى منظمة التحرير، فإنه لا يبدو في الأفق الآن وجود أي مؤشرات تدل على أن العالم العربي في طور إعداد خطة إستراتيجية لمواجهة أزمة المياه، وما سوف تتفاقم عنه خلال السنوات القليلة القادمة، خاصة وأن احتمالات قيام «إسرائيل» بالسيطرة على نهر الليطاني كاملًا بالقوة العسكرية أمر غير مستبعد، فكل دولة من الدول العربية غارقة في مشاكلها الداخلية، وإسرائيل تواصل رسم خططها المستقبلية بشأن المياه وغيرها، غير أننا نأمل أن تفتح هذه الدراسة ملف المياه لاعتقادنا أنه سيكون العامل الحاسم في تحديد مستقبل المنطقة في العقود الخمسة القادمة على أقل تقدير.

الأمم المتحدة تتهم «إسرائيل» بالاستيلاء على المياه اللبنانية والفلسطينية

في تقرير نشرته وكالة رويتر في 30 / 5 الماضي اتهمت الأمم المتحدة «إسرائيل» بالاستيلاء على كميات كبيرة من المياه اللبنانية من المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان منذ عام 1978، وكذلك من المياه الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وجاء في تقرير للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة أن الاستيلاء على المياه اللبنانية بدأ بتحويل مياه نهري الليطاني والوزاني الأصغر حيث بلغ حجم ما استولت عليه 7.6 مليار قدم مكعب سنويًا، وهو ما يعادل أكثر من ثلث المياه التي تحصل عليها «إسرائيل» من مياه نهر الأردن وبحيرة طبريا.

وقال التقرير: إن مساحات شاسعة في لبنان تفتقر إلى المياه لأغراض الري والشرب، لاسيما في الجنوب حيث أدى الصراع مع «إسرائيل» والحرب الأهلية إلى وقف التنمية، وأضاف أن المنطقي أن يحتاج لبنان إلى مياهه لتلبية احتياجاته عندما يبدأ في تطوير الجزء الجنوبي من البلاد، وذلك قبل أن يتجه إلى تصدير الفائض.

وفيما يتعلق بالضفة الغربية وقطاع غزة أشار التقرير إلى أن «إسرائيل» تقوم منذ عام 1967 بمنع العرب من الحصول على المياه في المناطق المحتلة في حين تقوم بتحويل الفائض إلى «إسرائيل» والمستوطنات الجديدة.

وقال التقرير: إن «الإسرائيلي» العادي يتلقى كمية من المياه تعادل أكثر من أربعة أمثال ما يتلقاه الفلسطيني، في حين أن استهلاك المستوطنين أكبر من استهلاك الفلسطينيين.

الرابط المختصر :