; معالم على الطريق.. المياه العربية الراكدة.. من يحركها؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. المياه العربية الراكدة.. من يحركها؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1997

مشاهدات 85

نشر في العدد 1257

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 08-يوليو-1997

السياسة العربية الراهنة تشبه إلى حد كبير المياه الراكدة، التي تغير لونها وطعمها ورائحتها، وأصبحت غير صالحة للاستعمال الآدمي، فضلًا عن رائحتها النتنة التي تزكم الأنوف وتسمم الأجواء، ولله در الإمام الشافعي حين قال:

إني وجدت وقوف الماء يفسده
 
 إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب
 
والشمس لو وقفت في الأفق دائمة
 
 لملها الناس من عجم ومن عرب
 

والسياسات العربية التي ركدت وتقيحت، فهي هي، الوجوه والعقول والأفكار والتبعيات، والانتماءات كلها لم تتحرك، وظلت واقفة على الرغم من التطورات الجسام، التي تجري على الساحة العربية، والأخطار العظام التي تحدق بمصيرها ومستقبلها من كل حدب وصوب، تسمع عن الأفكار المترهلة التي تدار كل يوم على أسطوانات مشروخة، وترى صباح مساء مسيلمة أو أبا رغال، وتصاحب في غدوك ورواحك أبا لهب أو أبًا جهل، وتهب عليك كل حين رياح السموم وتلفح الوجوه والأبدان، لتقضي على زهور الرياض، ورياحين البساتين النضرة، وسنابل القمح الغضة الطرية، ليخلو المكان لسباع الشعوب وثعالبها، وعصابات السطو، وزوار الفجر وعساكرها، ترى هذا وتحسه فتقول: متى يذهب عنا الحزن، ويغير ما بنا، ونشرب إن وجدنا الماء صفوًا، بدل أن كنا نسقى كدرًا وطينًا؟.

ولكن الذي يغير هذا الركود، ويزيل هذا الأسن هو الشعوب واحترام رغبات الجماهير في الاختيار، فيترتب على ذلك تغييرات مهمة سياسية واجتماعية، ولكن يظهر أن الحريات على غيرنا كتبت، والاختيارات على سوانا قد فرضت، وسنة التغيير بعيدة عنا بعد المشرقين، والغريب أن تقرع أسماعنا وتوخز أجسادنا انتخابات نزيهة هنا وهناك عند من نسميهم بالكفرة، لينعموا بالعدالة والحرية واحترام حقوق الإنسان، ونحن يتلمظ بنا من عصابات القهر والغش تلمظ الأفاعي، ونشقى بالظلم والقهر وامتهان الحقوق في بلادنا المسلمة وديارنا المباركة، وإذا اقيمت انتخابات أصيب الجميع بالاكتئاب، وصدموا بالفواجع، واستغاث الناس بالمراقبين الدوليين وغيرهم، فلم يجدوا الغياث، ولم ينفع، لأن تخصصنا في التلاعب والحيل والكذب قد أصبح من التكنولوجيات المتقدمة في مجال التسفل والضياع.

إن الشعوب الحية التي عرفت طريقها إلى التقدم والريادة تشعر دائمًا أنها في حاجة ماسة إلى تغيير الدماء وإلى الاستفادة من كل جديد في الفكر، حديث في العلم، ناشط في العقل، بارع في الخطة، مبدع في القيادة، ليضيف إلى نهضتها قوة، ومسيرتها سرعة، وبصيرتها ضياء، لقد تمت انتخابات في إنجلترا ونجح حزب العمال رغم أن المنافس وهو حزب المحافظين كان في السلطة، وما سمعنا أبدًا عن شغب من مليشيات السلطة الغوغائية التي تجمعهم من أرباب السوابق وقطاع الطرق، وعصابات النشل ليجاهدوا عن السلطة، ويتولوا تزوير الأصوات وضرب المنافسين بل وقتلهم إذا لزم الأمر ذلك، وما رأينا الشرطة تعتقل المندوبين وتسجن المرشحين، وما شاهدنا نتيجة تبلغ 99,999، ولكن حزب العمال البريطاني قد فاز بأغلبية كاسحة على حزب الحكم، وتولى السلطة وسط الترحيب من الجميع، لأنه سيحمل المسؤولية ويكافح من أجل بلده بخطة أخرى ودماء جديدة تضخ في عروق السلطة والدولة، وذلك هو المطلوب، بصرف النظر عن حكم حزب العمال أو حزب المحافظين.

وفي أول يونيو «حزيران» جرت انتخابات فرنسية واليمين الفرنسي ممثلًا بالديغولية في الحكم، وهزم اليمين وعلى راسه «جاك شيراك» هزيمة ساحقة، وحقق الحزب الاشتراكي الفرنسي بزعامة «ليونيل جوسبان» فوزًا ساحقًا وحصل على 245 مقعدًا، والشيوعيون حصلوا على 38 مقعدًا، واليساريون والمستقلون على 29، وحزب الخضر على ثمانية مقاعد، هذا مع أن شيراك قد استعمل كل ما يملك من براعة في تكتيك الانتخابات «حسب الشرعية» حيث عجل بحل الجمعية الوطنية الفرنسية يوم 21 أبريل «نيسان» من أجل إجراء الانتخابات البرلمانية مبكرًا ليحقق فيها مكاسب أفضل، ولكن كل هذا لم يجد نفعًا أمام وعي الشعب وأمام الحرية الممنوحة للناخب ليختار الأفضل بحرية كاملة، ولو كان الأفضل امرأة، فقد فاز في الانتخابات البريطانية مائة وعشرون امرأة في مجلس العموم الجديد بينما كان مجلس 1992 م يضم ستين امرأة فقط، أما مجلس 1987 م فقد كان يضم إحدى وأربعين، لذلك عمد «توني بلير» زعيم حزب العمال إلى تكليف خمس نساء بحقائب وزارية، واحدة منها لشؤون النساء، وفي فرنسا تضم الجمعية الوطنية ما يقارب هذا العدد، المهم الأجدر والأعلم، والغريب أننا في عالمنا العربي والإسلامي هزمنا من بعض هؤلاء النساء، فالهزيمة اليهودية للعرب عام 1967 م كانت على يد جولدا مائير، وهزيمة باكستان كانت على يد انديرا غاندي، وهزيمة العراق كانت على يد تاتشر، ورجالنا الأشاوس المغاوير لا أدري لم فعل بهم هذا؟ وقد ذكرونا بقول القائل:

أسد علي وفي الحروب نعامة
 
 فتخاء تنفر من صغير الصافر
 
هلا برزت إلى غزالة في الورى
 
 بل كان قلبك في جناحي طائر
 

وأسرار هذا التغيير أصبحت معروفة عند هذه الأمم، وهي تغيير الدماء وتجديد الوجوه والعقول والأفكار والخطط، وتحريك الركود السياسي الذي يخيم على النخبة السياسية بطول المدة والتي ربما قد تكون استرخت واستطالت وركدت واسنت وأصابها الاهتراء والعفن، والمجتمع العربي اليوم قد ركدت فيه أنظمة تدعي الديمقراطية، وتتغنى بها صباحًا ومساء، وهي تجلس على الكراسي من أربعين عامًا أو يزيد، وإذا امتد عمرها المئات ستظل هي هي الملهمة، والعبقرية، والحائزة على قصب السبق، ولهذا ومن أجله اسنت حياتنا ووهنت وتعفنت، واعتراها العقم، وفقدت الدماء الجديدة، وجرى في عروقها الصديد والقيح.

وتململت الشعوب وتحرك فيها نبض الحياة فقوبلت بالقمع والإرهاب بدل أن تقابل بالاعتزاز والترحاب، وأتهمت بالتطلع إلى السلطة، وكأن السلطة قد بيعت من زمان لأناس أصبحوا هم ملاك الديار ولا منازع، وورثوا أمرها بدون منافس، وأظن أن هذا زمان قد ولى أمره، وانتهى وقته، وأضحت الشعوب تملك زمام أمرها، وتنظر إلى أمالها ومستقبلها، ولن تأبه بعد اليوم بدكتاتور متسلط، أو جبار متجزر، وستنهار كل السدود والقيود، ولن ينفع قهر أو كبت أمام هدير الرعود الشعبية، إن لم يتدارك هذا الركود فيزال، وتتجدد هذه المياه الأسنة، ويومها سينادي الجميع ذلك النداء الحبيب، قول الله تعالى: ﵟوَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ﵞ (سورة الإسراء: 81).

الرابط المختصر :