; الموقف الإسلامي من الإقطاع السياسي | مجلة المجتمع

العنوان الموقف الإسلامي من الإقطاع السياسي

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1982

مشاهدات 73

نشر في العدد 574

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 08-يونيو-1982

أخطر ما في التشكيل الاجتماعي عند العرب رسوخ مفاهيم القبيلة والعشيرة والقوم، وانعكاس ذلك على توزيع المسئوليات السياسية في المجتمع العربي. ومن يدرس الشعر الجاهلي كتراث سياسي يتضح له هذا الأمر بلا كثير عناء، ولقد أثر هذا الأمر كثيرًا على التطور السياسي للمجتمع العربي، كما أنه ضبط إلى حد كبير ولفترة طويلة علاقات المجتمع العربي السياسية بباقي المجتمعات المحاذية داخليًا وضمن العرب أنفسهم أساهم رسوخ مفهوم القبيلة والعشيرة والقوم في تقسيم المجتمع إلى طبقات سياسية محددة، تكرست فيما بينها الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، ومن يدرس ظهور الحرف في المجتمع العربي وتوزيع الثروة والقيم الاجتماعية والتذمر السياسي الذي عكسه شعر الصعاليك أمثال الشنفري، يتوضح له أكثر من جانب في هذا الموضوع. هذه الطبقات السياسية التي انفرزت من خلال رسوخ مفاهيم القبيلة والعشيرة والقوم عند العرب، صارت فيما بعد مؤسسات سياسية تحتكر المبادرة السياسية في المجتمع العربي، وبالتالي ساعدت كثيرًا على جموده، وحالت دون حركته وحيويته، ومن يدرس تشكيل «الندوة» كمؤسسة سياسية تجتمع في ظل الكعبة قبل الإسلام وفي أيام ظهوره الأولى يدرك إلى أي مدى أنها كانت تعبيرًا واضحًا عن سيطرة تلك الطبقات السياسية التي تستند على فعاليتها التجارية في رحلتي الشتاء والصيف على مجمل الحياة السياسية في مكة والمدينة والطائف وسائر أنحاء التجمعات السكانية في الحجاز.

وعندما جاء الإسلام كمنهج جديد لحياة كاملة وشاملة اصطدم وبشكل مباشر بمشكلة القبيلة والعشيرة والقوم، حيث طرح مفهوم «الأمة» و«المؤاخاة» بين الأضداد القبلية «والتقوى والبلاء». و «العمل الصالح» و «الناس سواسية كأسنان المشط»، وهذه كلها مفاهيم كانت جديدة على العربي وتصطدم - وبشكل مباشر - مع عقيدته في القبيلة، ومع أولوية العشيرة وقدسية القوم. هذه المفاهيم الجديدة التي طرحها الإسلام على المجتمع العربي خاطبت بالفعل ضمير القاعدة الاجتماعية الأعرض والتي لم تكن القبيلة السياسية المحتكرة تعبر عن مكنوناتها. لذلك سارعت كل العناصر الاجتماعية الراغبة في المساواة والتحرير الاجتماعي والكرامة في رحاب العبودية لله، أقول: سارعت لحظيرة الدعوة الجديدة التي ضمت في كنفها نزعا اجتماعية من كل زوايا الجزيرة العربية. ووجد - من خلال الدعوة الجديدة - كثير من أبناء القاعدة الاجتماعية الأعرض المزدراة في المجتمع الجاهلي فرص الصعود الاجتماعي والسياسي لاختلاف المعايير الاجتماعية والسياسية التي جاء بها الإسلام عن نظيراتها في المجتمع العربي الجاهلي.

وحاولت قوى الإقطاع السياسي العربي ذات الفعالية التجارية - وخاصة خلال خلافة أبي بكر رضي الله عنه وعبر حروب الردة - أن تسترد المبادرة السياسية لتعيد المجتمع العربي إلى الوراء بعد أن تحرر من الإقطاع السياسي والتفاوت الاجتماعي، وظلت مسألة القبيلة السياسية والإقطاع السياسي مشكلة قائمة تتفاعل في المجتمع العربي لمدة قرون وحتى عصرنا هذا، بالرغم من الشجب والرفض الذي يقفه منها الإسلام من خلال تعاليم دستوره «القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

●عمليًا يتبدى الإقطاع السياسي من خلال تخصيص المسئوليات السياسية لقبائل معينة، أو حتى قبيلة معينة، والريادة السياسية في المجتمع الخاضع للإقطاع السياسي لا تتحصل عن طريق «التقوى» أو «البلاء» أو «العمل الصالح» أو الانتماء للأمة» بقدر ما تتحصل عن طريق «الصدف البيولوجية» الصرفة. ومن يراجع تاريخ المجتمع العربي القديم والوسيط والحديث لن يجد كثير عناء في تحديد أسماء أطفال لم يبلغوا الحلم تسلموا وهم أطفال «مسئولياتهم السياسية»! وعندما جاء الإسلام حدد موقفه من هذه القضية بشكل لا أقول فقط واضح، إنما مدبب أيضًا. يحدد ابن تيمية موقف الكتاب والسنة من قضية الإقطاع السياسي بالقول: إن الصلاحية السياسية مربوطة -بالقرابات والأصول القبلية - بل مربوطة في الأساس بـ «استعمال الأصلح للولايات» دون أي اعتبار للقبيلة والعشيرة والقوم. ويقول ابن تيمية: إن خيانة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم تكون عن طريق الانحراف عن هذا المنهج القويم في السلوك السياسي. ويذكر ابن تيمية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قلد رجلًا عملًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين» رواه الحاكم في صحيحه. ويذكر ابن تيمية قول عمر: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلًا لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين.» ويقول ابن تيمية: إن على ولي الأمر «البحث عن المستحقين للولايات، فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقه أو صداقه، أو مواقفه في بلد أو مذهب أو طريقه، أو جنس كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو الرشوة يأخذها منه من مال أو

منفعة أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن «حقد» في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون﴾ (الأنفال-27).

«انظر ابن تيمية - السياسة الشرعية - ص (۸)»

. أولئك قومي فجئني بمثلهم.

الرابط المختصر :