; الموضوع أولى أم الشكل؟! حوار طريف بين أنصار الشكل وأنصار الموضوع | مجلة المجتمع

العنوان الموضوع أولى أم الشكل؟! حوار طريف بين أنصار الشكل وأنصار الموضوع

الكاتب عبد الرحمن أحمد شادي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1974

مشاهدات 55

نشر في العدد 205

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 18-يونيو-1974

الموضوع أولى أم الشكل؟! حوار طريف بين أنصار الشكل و.. أنصار الموضوع بقلم الأستاذ: عبد الرحمن أحمد شادي حمي وطيس الجدل وطال الكلام، بين المؤمن بالموضوع الذي يراه أولى بالعناية والرعاية، وبين الشكلي الذي يرى المظهر كل شيء.. كل منهما في وادٍ بعيدٍ عن الآخر بعد المشرق عن المغرب، ولو كان كلاهما من أنصار الموضوع، أو من أنصار الشكل، لما حدث النزاع ولما ثار الجدل، وهذه أمثلة لما حدث بين وجهتي النظر من الأخذ والرد، أراد الأول أن يدعو إنسانًا للغداء لأنه صاحب فضل عليه وحقه قديم فثار النزاع، فجأة وهبت العواصف من حيث لم يكن يحتسب الداعي.. قال الشكلي كيف تدعو إنسانًا إلى الغداء ولم تصنع شيئًا يليق بإكرامه، وإنما هو الطعام المعتاد، فقال الأول المهم هو الفكرة في حد ذاتها، وهي المودة والإكرام والاحترام، والاهتمام بتوجيه الدعوة والإسراع في تنفيذ الفكرة، والاستباق إلى الخير ومقابلة الضيف أهم من غدائه -كما يقول المثل- وإننا سنجمع له بين الحسنيين نقابله بالبشاشة والوداد، ونعتذر عن التقصير ونغديه. أما الوليمة الفاخرة فهي عبء فوق ظهورنا تنوء بحمله، وإسراف لا مبرر له، ونتيجةً لنقل العبء وفداحة التكليف، فسنؤجل الدعوة إلى أن نستعد وينتهي الأمر بالتسويف والتأجيل والمماطلة، وهي مدرجة إلى الإهمال وحتى لو أولمنا وكلفنا أنفسنا فوق طاقتها مرة، فلن نقدر عليها كل مرة، وسيحاول الضيف أن يعاملنا بالمثل فيثقل على نفسه كما أثقلنا، وبذلك ينقطع الطريق وتقوم العوائق الشكلية أمام المودة، وإن صاحب الوليمة الفاخرة لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فهو لم يبق المال ولم يحفظ الصحبة، وإن كان الضيف نهمًا أكولًا يملأ بطنه حتى تبتلى بالتخمة، كأنه يأكل في سبعة أمعاء، فإذا قصر أصحابه في ذلك، أو كان فيهم الفقير الذي لا يطيق هذا العنت، أطلق لسانه واتهمه بالجفاء والبخل فنحن في غنى عن صحبته، كان الشاعر عنانًا بقوله: كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا وإن كان من الفريق الأول الذي لا يتجهم وجهه، إذا رأى طعامًا ميسرًا مما أعده أهل البيت لأنفسهم، وإن بصلة المحب خروف، وإن اليسر أبقى للمودة، فهذا ممن نحرص على صحبته ولا نفرط في مودته، ولم ينته النزاع إلا بكلمة السلطان، فقد كان هو المتفق والداعي، وكان لحسن الحظ من أنصار الموضوع. وهذا مثل ثان.. أراد الموضوعي أن تستمر معاملته لليتيم الذي كان يعامل أباه في صنعة الخياطة، أو تفصيل الأحذية، لأن اليتيم قد ورث صنعة أبيه، وهو العائل لإخوته والآيات والأحاديث كثيرة في الإحسان إلى اليتيم.. فإذا أتى الثوب غير مضبوط ضبط الماهر في الصنعة، الذي قضى فيها شطرًا طويلًا من عمره عشرين عامًا.. عابوا عليه ذلك وسلقوه بألسنة حداد، تطاولًا وجهلًا وسفاهةً، حتى اضطر لأن يتمثل ببيت أبي العلاء المعري: وطاولت الأرض السماء سفاهة وفاخرت الشهب الحصى والجنادل فقد ضحى في سبيل الموضوع ببعض الشكليات، وكانت الأناقة هي الضحية أمام المعاني السامية التي أمر بها الناس جميعًا، سواء في ذلك أنصار الموضوع وأنصار الشكل، كأنهم يريدون منه أن يكون عارض أزياء لا يخرج من بيته إلا في أتم زينة، وأوفى زخرف كما فعل قارون ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. والإحسان فنون شتى.. أم ترانا لا نهتم باليتيم إلا في الساعات الأولى من يتمه عند وفاة أبيه.. فنسعى في إحضار الكفن وغسله، والصلاة عليه وتشييعه إلى مثواه الأخير، ونقيم سرادق المأتم ونحضر القارئ والفراش... إلخ، ثم ينتهي الاهتمام بعد ذلك.. وإذا طلب منا بعد شهر واحد قضاء مصلحة لليتامى، تقتضي التضحية بالمال أو بالوقت، تعللنا بألف علة أو قضيناها مكرهين.. وإن حسن العهد من الإيمان، ولا بد لليتيم الذي ورث صنعة أبيه أن يمر بفترة تدريب، ولن يقفز إلى المهارة مرة واحدة بغير سلم. ومن أين تعيش الأسرة إذا تخلى عنه معارف أبيه وجيرانه إذا كانوا جميعًا من أنصار الشكل والمظهر و الزينة والزخرف؟! سيضطر المجتمع إلى دفع ما يعول به اليتامى دون عمل، وفرصة العمل موجودة إلا أنها تستلزم التضحية بشيء من الرفاهية والنعيم والمتاع. أليس هذا خيرًا من السؤال والاستجداء واللصوصية والمهن غير الشريفة؟! أما أنصار الشكل فيقولون إن المظهر البراق والزينة المستوفاة، جزء لا ينفصل من الشخصية، وإن المجتمع يجبر الأفراد على الثياب التي يراها مناسبة له، وليس لهم حرية في لبس ما يعجبهم، وإنما حريتهم في أكل ما يعجبهم.. وإن المؤمن بالموضوع فرد واحد، لا يستطيع أن يغير من مصير اليتامى شيئًا، ما دام المجتمع لا يعاونه، فتضحية الفرد لا تنفق عليهم ولا تكفيهم طول الشهر. أما الموضوعي فيرد على ذلك بأنه ينبغي أن يكون قدوة حسنة لغيره، فيما يراه خيرًا حقًا وصوابًا، وإن تقاعس سواه عن أداء الواجب وعن إكرام اليتيم، ليس مبررًا كافيًا لكي ينكص هو الآخر عن أداء الواجب ويترك اليتامى لمصيرهم، ولكل قاعدة شواذ، ولكل نغمة نشاز.. اختار هو أن يكون هو الشذوذ في القاعدة، والنشاز في اللحن مقدمًا جهده اليسير في مقاومة التيار زلفى إلى ربه، ولقد لقي في هذا السبيل نصبًا.. أما المثل الثالث، فكان منزلًا تركه أب راحل لأبنائه الذين صاروا يتامى بعده، وهم يعيشون و يسترزقون من تأجير بضع غرف فيه، فيتعلل عليهم من يريد السكن بأن البيت ليس منقوشًا أو مبيضًا وليس فيه من مظاهر الترف والرفاهية ما يرضي أذواق الذين سيدفعون الإيجار، فتراهم يزيدون الغني غنى والفقير فقرًا. يحرمون اليتيم الفقير من المنفعة وإن كان أحق بها من الغني، ويؤثرون عليه صاحب الأموال الطائلة والمنازل التي استوفت حظها من النعيم والترف. أما المثل الرابع فقد كان هدية وصلة رحم.. ثم فوجئ المهدي واصل الرحم المتصدق، بالاعتراض على شكل الهدية ولون الثوب، حتى فضل الحرمان على العطاء والمنع على الإيثار. أراد المهدى أن يتعلم المشي في طريق الإيثار كما يتعلم الطفل السير، ولكنهم وضعوا على قلبه من أجل الشكل فقط لوحًا من الثلج، لتتجمد معاني الخير في نفسه. أما المثل الخامس فقد كان نكبة أصابت الحلاق الذي كان يحلق عنده الموضوعي، بيع البيت وهدمه الشاري، وأصبح الحلاق في الشارع إلى حين.. إلى أن يجد محلًا جديدًا، أو يبنى المحل مع البيت المهدوم.. ومن الممكن معاونته في المحنة، مع تلطيف حدة المأساة وقسوة الشكل الجديد، بأن يكلف بأداء عمله في بيت الموضوعي. أما الشكلي فهو من هواة الجلسة على المقعد الممتاز الدوار، وحوله المرايا من كل جانب، وخلفه الصبي يدفع الذباب بالمذبة في حي راق، وفي محل صانع مشهور لتكمل مظاهر النفخة الكذابة، وبذلك اختلف الطريقان، وما دامت المعاني السامية بجانب طريق الأول، فليجعل تضحيته بشيء من الشكليات والمظاهر والغرور والفخر قربانًا إلى الله! وهل من الصحيح أن هذه المعاني أصبحت عند المجتمع كتماثيل من الثلج، تذوب إذا ارتفعت حولها حرارة الشكليات والمظاهر؟!
الرابط المختصر :