العنوان الموت الأعمى من لبنان إلى فرنسا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
مشاهدات 66
نشر في العدد 784
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
- أميرکا تريد موقفًا
فرنسيًّا من الإرهاب أقرب ما يكون من موقفها.
- السؤال المحير: من يقف
وراء موجة الإرهاب على باريس؟
- مطلوب القبض على إخوة
جورج إبراهيم عبدالله.
لم تعد المدن اللبنانية وحدها مسرحًا للتفجيرات الإرهابية
وللقتل العشوائي فها هي القنابل تنتشر كبقعة الزيت لتصل إلى باريس ولكن باريس ليست
أي مدينة فهي عاصمة إحدى القوى العظمى التي تمتلك أجهزة أمنية ومؤسسات لمكافحة
«الجوسسة» والإرهاب من أقوى الأجهزة وأرسخ المؤسسات في العالم ولذلك احتار
الباريسيون وأصيبوا بالذهول والرعب في آن واحد عندما رأوا حكومتهم تعجز عن وضع حد
لسلسلة الانفجارات ولا تجد إلى الإرهابيين المسؤولين عنها سبيلًا وقد طلعت الصحف
الفرنسية على قرائها بعد الهجوم الخامس بالقنابل على متجر «تاتي» الذي ترتاده
الطبقات الشعبية والذي خلف خمسة قتلى واثنين وخمسين جريحا بعناوين كبيرة مثل
«الجحيم مرة أخرى» و«رعب لا يطاق في باريس» والأمر جد محرج لشيراك رئيس وزراء
فرنسا وحكومته حيث بلغ حتى الآن عدد ضحايا الموجة الإرهابية على باريس ١٠ قتلى
و٢٥٠ جريحًا بعضهم في حالة خطيرة في ظرف ۱۰ أيام من 7 إلى 17 سبتمبر
أيلول الحالي وحيث لا يمر وقت طويل على إعلان اتخاذ إجراءات جديدة لوقف الإرهاب
حتى تنفجر القنابل من جديد في أحد شوارع باريس وتنطلق سيارات الصليب الأحمر لنقل
ضحايا جدد لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا موجودين في المكان الذي قرر أن يضربه
الإرهابيون حتى إن الباريسيين صاروا يتحاشون الذهاب إلى الأماكن العامة كالمقاهي
والمطاعم والمسارح ودور السينما.
وقد لجأت الحكومة الفرنسية لأول مرة إلى أسلوب الترغيب بمكافأة
مالية كبيرة لمن يزودها بمعلومات من شأنها إلقاء القبض على الشقيقين الأصغرين
لجورج إبراهيم عبدالله المعتقل بفرنسا منذ أكتوبر ١٩٨٤ وهو الزعيم اللبناني
للفصائل الثورية المسلحة، ويفترض البوليس الفرنسي أن أخويه الأصغرين وراء هذه
الموجة الإرهابية على باريس وبعد أن تبين أن جميع أشقاء جورج إبراهیم عبدالله:
إمیل وجوزيف وموريس وروبير موجودون في منزلهم العائلي في «القبيات» بلبنان بدأ
الحديث في عاصمة الذعر والرعب باريس عن جهات أخرى تحرك الإرهابيين ولكن من هم
هؤلاء الإرهابيون؟ ومن يحركهم؟
هذا السؤال المحير والذي لم تستطع جهات الأمن الباريسي حتى الآن
الإجابة عليه، وإذا كان شيراك قد تهدد وتوعد المسؤولين من قريب أو بعيد عن هذه
الهجمات وقال في آخر تصريحاته: ليعلم الذين يقفون وراء هذه الهجمات أن ردنا سيكون
ماحقًا وبلا هوادة. فالفرنسيون يتساءلون: كيف يمكن الرد ما لم يعرف الفاعل؟! وفي
انتظار الكشف عن هوية الفاعلين تحركت عدة شخصيات سياسية فطالب وزير الداخلية
الفرنسي السابق ميشال بونياتوفسكي إلى دفع المعتقلين من الإرهابيين أمثال جورج عبدالله
إلى الانتحار في سجونهم!
واقترح آخرون القيام بغارات أو عمليات عسكرية ضد مواقع وأهداف
معينة في لبنان ودول عربية أخرى وفي المقابل هناك تيار قوي آخر يدعو إلى اتخاذ
قرار بالانسحاب من لبنان ولكن حكومة شيراك دعت إلى التريث والصبر حتى تتجمع لديها
أدلة ملموسة كافية ضد جهة معينة، وها هي الصورة تزداد تعقيدًا بعد اغتيال الملحق
العسكري الفرنسي ببيروت الكولونيل كريستيان جوتيير يوم الخميس ١٨ سبتمبر الحالي من
طرف منظمة تطلق على نفسها «جبهة العدالة والانتقام» وقد قال من تحدث باسمها وأعلن
مسؤوليتها عن اغتيال الكولونيل كريستيان «وليعلم شيراك رئيس وزراء فرنسا- أن ردنا
المقبل سيكون صاعقًا أكثر».
فهل هناك علاقة بين ما يقع في باريس وما يقع في لبنان؟ وهل غاية
المهاجمين هنا وهناك إخراج الفرنسيين من لبنان؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل سترضخ
فرنسا؟ إن جنودها صاروا قلقين على مصيرهم في بلد فيه المنظمات المتطرفة لا تعد،
لقد قال ضابط فرنسي يعمل في لبنان ضمن «القبعات الزرقاء» التابعة للأمم المتحدة: «لقد أصبح
الجوُّ سيئًا للغاية فكم علينا أن ندفع من قتلى حتى نغادر»؟ أما كوفمان الرهينة
الفرنسي لدى منظمة الجهاد الإسلامي فقد قال في الشريط المسجل له الذي بعثت به
منظمة الجهاد للسلطات فرنسية قال كوفمان: «إن الاختيار سهل اليوم: أن نرى أولادنا
من جديد أو أن نموت؛ الحكومة الفرنسية هي التي تقرر».
يقول بعض الفرنسيين: حقًّا إن هذا الشرق جد معقد وجد دموي.
ولعلهم يشيرون بذلك إلى الوضع في لبنان الذي يعرف الجميع مدى تعقيده وبعض الهجمات
بالقنابل داخل فرنسا التي سبقت الموجة الأخيرة والتي أدت إلى مفاوضات سرية
بين الحكومة الفرنسية ومنظمة الجهاد الإسلامي من ناحية ومنظمة الفصائل الثورية
اللبنانية وعندما بدأت هذه المفاوضات السرية هدأت موجة القنابل لتترك الفرصة
للحوار وفي تلك الآونة كان محامي جورج عبدالله الذي حكمت عليه محكمة في مدينة ليون
بأربع سنوات سجنًا يقول إن ملفه الذي ضمن اتهامه بقتل دبلوماسي أميركي ودبلوماسي
إسرائيلي في باريس لا يبدو مقنعًا من الناحية القانونية. ويضيف قائلًا «نحن نتجه
في طريق مستقيم نحو عدم سماع الدعوى» وكان هناك همس بأن جورج عبدالله لن يقضي سوى
نصف المدة المحكوم عليه بها وسيطلق سراحه لحسن سلوكه.
وفي تلك الأثناء كرر ذلك، وفي أوج الصيف كانت المحادثات
الإيرانية الفرنسية تتقدم شيئًا فشيئًا وكان يظن أن جورج عبدالله على أهبة ركوب
طائرة تنطلق إلى البلد الذي يريده، وهنا تدخل الأميركيون باعتبار أن جورج عبدالله
نفذ عدة اعتداءات على دبلوماسييهم وأن إطلاق سراحه سوف يحدث أزمة قوية بين فرنسا
والولايات المتحدة الأميركية، وبالإضافة إلى ذلك يقول الأميركيون إن المسألة مسألة
مبدئية، فالخضوع للإرهاب يشجع الإرهاب، وبالتالي لا يجب مبدئيًّا فتح الحوار
معهم.
هذه الأخبار التي لا نعرف مدى صدقها هي التي أنهت المفاوضات
السرية بين فرنسا ومنظمة حزب الله ومنظمة الفصائل الثورية اللبنانية.. هاتان
المنظمتان اللتان لا يتحابان إذ الأولى إسلامية والثانية أفرادها مسيحيون، ولكن
الظروف وإمكانية التكامل وضعتهما في خندق واحد، فمنظمة حزب الله تمتاز بكثرة
أفرادها ولكنها لا تستطيع أن تعمل بنجاح في فرنسا ومنظمة الفصائل الثورية لها
علاقات وأصدقاء في أوروبا تجد فيهم سندًا وقت الحاجة، وتقول بعض الدوائر إن هذه
المنظمات أعطت مهلة للحكومة الفرنسية للاستجابة لمطالبها تنتهي بآخر شهر أغسطس،
ولذلك ما إن جاءت الهجمات الجديدة على باريس حتى أشارت الأوساط الفرنسية بأصبع
الاتهام إلى حزب الله وإلى منظمة الفصائل الثورية اللبنانية بقيادة السجين جورج
عبدالله.
ولكن ألا يمكن لعملاء أميركا أن يستغلوا الموقف فينفذوا هذه
الهجمات لدفع فرنسا إلى أخذ مواقف من الإرهاب أقرب ما تكون من المواقف الأميركية
المعروفة؟
ستظهر الأيام القادمة أن كلًّا من قضية جنوب لبنان وقضية
الرهائن وقضية الهجمات الإرهابية على باريس هي قضايا منفصلة عن بعضها البعض؟