; الموافقة الفلسطينية بين الإغراءات والضغوط | مجلة المجتمع

العنوان الموافقة الفلسطينية بين الإغراءات والضغوط

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1993

مشاهدات 101

نشر في العدد 1048

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 04-مايو-1993

بعد انقطاع دام حوالي ستة أشهر استؤنفت المفاوضات العربية الإسرائيلية بعد أن قررت الأطراف العربية المعنية الموافقة على حضور الجولة التاسعة للمفاوضات رغم الرفض الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا لتقديم أية تنازلات في قضية المبعدين الفلسطينيين في جنوب لبنان، ورغم استمرار القمع الإسرائيلي والطوق الأمني المفروض على الضفة الغربية وقطاع غزة والذي حولهما عمليًا إلى سجن كبير.

ومع أن موقف القيادة الفلسطينية كلها على درجة كبيرة من الدقة والصعوبة بسبب الرفض الشعبي العارم لاستئناف المفاوضات، فقد نجحت الضغوط والإغراءات في دفع القيادة الفلسطينية المتنفذة إلى اتخاذ قرار المشاركة في المفاوضات والذي مهد الطريق أمام مشاركة بقية الأطراف العربية التي ربطت مشاركتها بحضور الجانب الفلسطيني، وهو ما يدحض مزاعم قيادة المنظمة التي دأبت على الادعاء بأنها الطرف الأضعف الذي لن يغير ذهابه من عدمه شيئًا في المسيرة السياسية كمبرر للمشاركة في العملية التفاوضية المذلة.

التفرد في اتخاذ القرارات

القرار الفلسطيني بحضور الجولة التاسعة للمفاوضات والذي فتح الباب أمام استئناف المهزلة التفاوضية، ولد ولادة قيصرية وبشكل أبرز الديكتاتورية والتفرد في اتخاذ القرارات داخل أجهزة المنظمة التي تحرص إعلاميًا على إضفاء صفة الديمقراطية على قراراتها؛ فالوفد الفلسطيني المفاوض الذي أدرك خلال ثماني جولات من التفاوض العقيم عجزه عن تحقيق أية إنجازات حقيقية تقنع الجماهير بجدوى ذهابه للجولة التاسعة، والذي يدرك عن كثب صعوبة الذهاب إلى المفاوضات في ظل الأجواء الشعبية الغاضبة اقترح مقاطعة جولة المفاوضات الأخيرة، غير أن ياسر عرفات ضرب عرض الحائط برأي الوفد واتخذ قرارًا فرديًا بالمشاركة بعد أن فشل في إقناع أعضاء الوفد في ضرورة الموافقة على استئناف المفاوضات، متجاوزًا بذلك الرفض الشعبي ورفض غالبية الفصائل الفلسطينية والتي كان آخرها حزب الشعب الفلسطيني «الحزب الشيوعي سابقًا» والذي كان أحد ثلاثة فصائل تتزعم تيار التسوية إلى جانب حركة فتح وجزء من الجبهة الديمقراطية/ جناح ياسر عبد ربه؛ حيث أعلن عضوا الوفد الفلسطيني من حزب الشعب مقاطعتهما للجولة التاسعة للمفاوضات رغمًا عن الضغوط الشديدة التي مارسها عليها عرفات.

ولم يكن تجاوز الموقف الشعبي الغاضب بالأمر السهل على قيادة المنظمة والوفد المفاوض الذي كان يخشى العودة إلى الأراضي المحتلة بعد اتخاذ القرار الفلسطيني بالمشاركة خوفًا من التهديدات التي صدرت بحق أعضائه والتي كان آخرها التهديد الذي وجهته كتائب «أبو جهاد» من داخل حركة فتح نفسها، وهو ما دفع بقيادة الحركة إلى إصدار بيان تحذر فيه من التعرض لأعضاء الوفد وتعلن فيه مسؤوليتها عن حمايتهم.

وقد عاد بعض أعضاء الوفد إلى الأراضي المحتلة تحت الحماية الفلسطينية الإسرائيلية المكثفة، ولعل أهم الأسباب التي دفعت قيادة المنظمة لاتخاذ قرار المشاركة في المفاوضات رغم إدراكها لدقة الموقف الشعبي:

أولًا: الحصول على بعض الإغراءات التي شملت:

  • استئناف الدعم المادي العربي للمنظمة والذي كان قد توقف بسبب مواقفها المؤيدة للعراق أثناء احتلاله للكويت، وستحصل المنظمة بموجب ذلك على ٦٠ مليون دولار كدفعـة أولى، إضافة إلى ٢٠ مليون دولار شهريًا، ويشار إلى أن المنظمة قد بذلت جهودًا حثيثة ووسطت العديد من الأطراف من أجل تطبيع العلاقات مع تلك الدول بسبب الأزمات المالية الخانقة التي واجهتها جراء انقطاع المساعدات التي كانت تقدمها تلك الدول.
  • إعادة العلاقات المقطوعة مع سوريا منذ فترة ليست قصيرة، والتي حاول عرفات استئنافها بكل قوة، وقد أشارت بعض المصادر إلى أن عرفات ربما حصل خلال لقائه مع الرئيس السوري في دمشق على وعود بالتضييق على بعض فصائل المعارضة الفلسطينية التي تتخذ من سوريا مقرًا لوجودها ونشاطاتها.
  • الحصول على موافقة إسرائيلية بإعادة عدد من المبعدين قبل عام ۱۹۸۷ (حوالي ثلاثين مبعدًا) غالبيتهم العظمى من حركة فتح بهدف إعادة ترتيب الوضع الداخلي المنهار للحركة، ومن أبرز الأسماء التي طرحت في هذا السياق أكرم هنية وأبو علي شاهين المعروفان بعدائهما الشديد لحركة حماس واللذان يعتقد أن عودتهما ربما كانت مقدمة لمرحلة جديدة من المواجهات الدامية مع حماس، خاصة وأن «أبو علي شاهين» كان وراء المواجهات الدموية التي شهدها قطاع غزة بين الحركتين العام الماضي.

ثانيًا: خشية قيادة المنظمة من أن يؤدي استمرار التركيز الإعلامي على قضية مبعدي مرج الزهور وتعثر المفاوضات إلى تنامي التأييد الشعبي والسياسي لحركة حماس التي تنظر إليها كمنافس قوي على الساحة الفلسطينية.

ثالثًا: الضغوط العربية والدولية التي تعرضت لها قيادة المنظمة بهدف دفعها لاتخاذ قرار المشاركة.

ويعتقد أن جميع الأطراف المشاركة في المفاوضات تشعر بمدى عدم تحقيق نتائج واضحة خلال الجولة الأخيرة، حيث إن مثل هذا الأمر قد يضع العملية التفاوضية في مأزق حرج ربما يجعل من الصعب على الجانب الفلسطيني والأطراف العربية اتخاذ قرار بالمشاركة في المزيد من الجولات التفاوضية، على أن هذا لا يعني بالضرورة إقدام «إسرائيل» على تقديم تنازلات حقيقية وجوهرية، وإنما ستحرص جميع الأطراف على تضخيم أية إنجازات شكلية قد يتم التوصل إليها إعلاميًا، وإعطاء انطباعات إيجابية عن سير المفاوضات بهدف إقناع المواطن الفلسطيني والعربي بصواب قرار المشاركة وجدوى الاستمرار في العملية التفاوضية.

ولكن هل سيكون من الممكن الاستمرار في عملية خداع المواطن العربي الذي بات يدرك أن الآمال الكبيرة التي علقت على مسيرة المفاوضات كانت مجرد أوهام وسراب؟ ولا شك أن وصول المفاوضات إلى طريق مسدود سيشكل فرصة يجب أن تغتنمها القوى الرافضة لمسيرة الاستسلام والتطبيع من أجل إجهاض تلك المؤامرة.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :