; المهمات الشاقة للعلماء | مجلة المجتمع

العنوان المهمات الشاقة للعلماء

الكاتب محمد الجاهوش

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1995

مشاهدات 68

نشر في العدد 1139

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 21-فبراير-1995

أخذ الناس مجالسهم حول داود الطائي- رحمه الله- وأطرقوا منتظرين بدء حديثه، فلما طال صمته قال له رجل من أهله: يا أبا سليمان، قد عرفت الرحم الذي بيننا، فأوصني، قال داود: يا أخي، إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة بعد مرحلة، حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادًا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب، والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمورك، فكأنك بالأمر قد بغتك، إني لأقول لك هذا، وما أعلم أن أحدًا أشد تضييعًا مني لذلك. (أ. هـ).

هذا طراز رفيع من مجالس علماء سلف الأمة، تلمس فيه سمو الفكر، وحسن التوجيه، والتربية الرفيعة، بضرب المثل المحسوس، وإسقاطه على واقع الحياة، ومستقبلها، فكل فرد يحس بتعاقب الليل والنهار، وانتظام دورة حياته بينهما.

فهما- إذن- مراحل عمره المحدود على هذه الأرض، وساعاتهما محطات في طريق سفره إلى العالم الآخر.

ولابد للمسافر من راحلة وزاد ليبلغ غايته، ولا تنقطع به الأسباب، ومن أزمع سفرًا، وغفل عن الزاد والراحلة، فإنما يسوق نفسه إلى التهلكة والضياع، وكما يوشك المسافر أن يبلغ وجهته، فإن رحلة العمر وشيكة الانقطاع، وغالبًا ما تكون أعجل مما يتوقعه أغلب الناس؛ فإن الذين يسأمون طوال الحياة وامتدادها في الدنيا قليل.

ومن هنا كان من مهمة الأنبياء وورثتهم علاج القلوب من داء حب الدنيا والافتتان بزهرتها وزخرفها، وتوجيهها إلى تحقيق الهدف الأساسي من غاية الخلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).

مر النبي ﷺ على أناس يصلحون خصًا- خيمة- لهم؛ فسألهم عما يفعلون، فقالوا: خصنا قد وهى، فنحن نعالجه، قال ﷺ: «الأمر أعجل من ذلك».

فالعاقل من بادر الفرص، مغتنمًا صفوة الحياة وإشراقة العمر، وتزود من البر والتقى قبل بغتة الأحداث، أو فجأة الموت «بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنًى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر».

منهج متوازن

ومنهج الإسلام يقوم على الموازنة الدقيقة بين مرحلتي الحياة الأولى والآخرة، فلكل مرحلة خصائصها ومطالبها، ولا يستقيم أمر المؤمن إلا إذا أحسن الالتزام بالمنهج، وأحكم السير ضمن الموازنة وراعى دقتها.

وقد أفصح القرآن الكريم عن منهجه هذا إفصاحًا لا غموض فيه، ولا مزيد عليه لمستزيد، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77)، فبهذا تستقيم الحياة، ويتحقق التناسق بين شتى المتطلبات.

بيد أن معالم المنهج كثيرًا ما تغطيها أحداث الحياة ومغرياتها؛ فتحجب وهجها، وتواري وقدتها؛ فينطلق المرء بكل طاقاته يسابق أقرانه، ويغالب زمانه؛ ليعب من موارد الحياة، ويجتني من زهرتها ما وسعه الاجتناء، مؤملًا عمرًا مديدًا، وعيشًا رغيدًا، ونعيمًا لا يزول ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: 14).

واجب العلماء والمربين

وهنا تبدأ مهمة علماء الأمة والمربين، فهم المؤهلون لإزالة الحجب التي غطت الحقائق وطمست شاراتها، وهم المطالبون أكثر من غيرهم بأداء هذا الواجب، وهم المحاسبون قبل سواهم عن التقصير والتفريط، فهل نطمع أن نرى مجالسهم كمجالس السلف الصالح، تهتم بمعالي الأمور، وتدرس واقع الأمة، وتشخص أمراضها، وتتبنى علاجها؟

هل نطمع أن نراهم صفًا مرصوصًا، وقد أحيوا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليقودوا الركب إلى بر الأمان؟ هل نأمل منهم وقفة عمرية ضد من يتآمرون على الأمة وعقيدتها؟

إن مواطن الداء باتت بادية للعيان، وأعراض الأمراض غير خافية، والأمة تعيش أقسى أنواع المعاناة.

فهل سنراهم على مستوى الأحداث محيطين بواقع الأمم والشعوب من حولهم؟ مدركين كيف يبنون أوطانهم، وكيف يصونونها من الطوارق والملمات؟ فإنه لا يجوز أن يعرض الإسلام- في أيام ازدهار الفكر- عقل كليل، وفي أيام التعاون الإنساني، لا يجوز أن يعرض الإسلام شخص أناني محبوس داخل مآربه، وفي أيام الحديث المستفيض عن حقوق الإنسان لا يجوز أن يعرض الإسلام حاكم مستبد، يريد أن يقول لشعبه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (النازعات:24).

فلابد من الارتقاء بأنماط التفكير وأساليبه، كما أنه لابد من الخروج من دائرة الذات وتحديد المواقف.

إن تحديد المواقف أمر ضروري، عقدي، فلا ولاء لمن حاد الله ورسوله، ولا ولاء لمن يخادع أو يراوغ في تبني الإسلام وقضايا المسلمين، لا غنى عن هذا التحديد، ولو أدى إلى خسارة المواقع والمكاسب الذاتية، بل إنه الخطوة الأولى في مسلك اتباع الأنبياء؛ لأن رضى الله- تعالى- بالنسبة للمسلم هو غاية المنتهى، وهدف المسعى، وما أسباب الدنيا إلا مطية لنيل الغاية، أو بلوغ الهدف.

وإنه لقصور بالعقول أن تنشغل عن الغاية بالوسيلة، وبالراحلة عن الهدف.

فهيهات هيهات أن يبلغ المقيل من لم يعان مشقة الإدلاج ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:37).

الرابط المختصر :