; المهزومون والأدب والشعر والالتزام | مجلة المجتمع

العنوان المهزومون والأدب والشعر والالتزام

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-2000

مشاهدات 70

نشر في العدد 1402

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 30-مايو-2000

أدونيس ناقل فكر غريب بلغة ضعيفة وصور مرهقة مع أنه يشدد في كتاباته على تفجير اللغة.

كأي هجين غريب تخرج كلماتهم من أرحام مشبوهة، يحاولون بها اقتلاع الأصول ليزرعوا مكانها تيها ظلامًا ضياعًا، يكررون الرأي في كل مرة، يطلقونه بصياغات مختلفة لكنها الفكرة نفسها، يعيدونها، وهي تحمل سمومها ونفثها الأفعواني، لا يملون من التكرار، لأن لديهم مهمة ممتلئة بألف عين من الغدر، إنهم يركبون موجات ادعاء التقدم وحماقات التمرد، ولا يستطيعون بذلك كله مغادرة همهمات التقليد، تقليد الآخر في نظراته ونظرياته بعد أن غادر الآخر تلك النظريات بعقود طويلة، وخلفها لهم، ليتقلبوا في وحولها، وعقابيلها المزاجية التي لا يستقر لها قرار، ولا تستوي لها مهاد مريحة.

إنك تراهم وقد أدلجوا في ادعاء الفكر والتأدب بالفكر، يقولون: «الفكر العربي فكر أصولي في مختلف اتجاهاته، سواء تناول قضايا المجتمع الراهنة أو قضايا الحضارة العمل الأول للفكر هو نقد أصوله واصله هو نقد المسلَّمات لا نقدها وحسب، وإنما الخروج منها كذلك، كل شيء يجب أن يخضع للسؤال والبحث...»[2]

واتجاهات هذا الكلام معروفة لا يمكن أن تخفى على أحد، إنها اتجاهات تريد أن تأتي على كل شيء، وتخلع من كل النصوص قدسيتها ليخضع - برأيهم - القرآن والسنة للسؤال والنقد فلا مقدس ولا ثابت ولا دوام لشيء. 

وهي اتجاهات معروفة الأصول، مفهومة المصادر، لم تخترعها عقول هؤلاء المقلدين التابعين البائعين لعقولهم في سوق التجارة العولمي، لقد استعاروها من سادتهم الحداثيين أمثال رامبو ودي ترفال، وغيرهما الذين طرحوا مثل هذا التوجه في العقود الأولى من القرن العشرين ثم عدا الزمان والتطور على مثل هذه النظريات، فجاء ناس من بني قومنا في عقود الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين يستلهمون تراثًا ميتًا، في عرف الأسياد يديرون به الألسنة بطريقة رطانية مبهمة غامضة، علهم بتلك اللهجات، يخدعون مجموعات من بني جلدتنا، فتبهرهم الطلسمة التي يديرون بها الحديث حول فكرهم المستوحى، «وقد حدث ذلك فعلًا» بفعل الجهالة والانبهار الجهالة التي غزت الكثيرين عن طريق التعليم والغزو الفكري فابتعدوا عن تراث الأمة، وتعلمه وفقهه والبناء فوقه والإضافة إليه، ونتيجة لذلك حدث عقم شديد وانبهار في عقول هؤلاء وفكرهم وانبتت المنابع في نفوسهم، ولكون الغازي تبنى هؤلاء كمبشرين محليين لنظرياته وفكره في الأدب والحياة، صار لزامًا عليهم أن يظهروا أمام الجماهير والنخب في أن بصورة مخترعي النظريات والفكر الجديد، وبما أن العقم قتل كل خلايا الإنتاج في عقولهم ومخيلاتهم، فلم يجدوا إلا أن يكرروا ما قاله الغازون، وهيئت لهم أفكار بدايات القرن فاقتبسوها وزودوها بطلاسمهم لتأخذ من طابعهم الغموضي بعض الشيء، وهكذا كانت وانتشرت «حداثيتهم» المزعومة المشبوهة المشوهة وراج بين نخبهم هذا التوجه يتداولونه، ويكتبون عنه، ويحتكرون كل وسائل الإعلام للكلام فيه بما أن وسائل الإعلام هذه أصبحت ملكًا للجهات الرسمية في معظمها وهذه الجهات - في الغالب الأعم - تبنت مهزلة الحداثة بهذا المعنى الذي ذكرنا، وهو معنى اقتباس النظريات والدعوة إليها دون النظر إلى ما تعنيه هذه النظريات. 

ولنضرب مثلًا على ذلك بالدعوة إلى «البنيوية»، والحماس لها، واجترارها من قبل الناقدين العرب كما هي رغم أن هذه النظرية قامت وامتدت وانتشرت في النصف الأول من القرن العشرين في مدرسة براغ ۱۹۲۸م على يد جاكبسون ورفاقه، وهي نظرية وطريقة لرؤية العالم والأشياء مبنية على رؤى وأساسات غريبة عن مجتمعاتنا، وتجربتها مختلفة تمامًا عن تجاربنا وحيثيات قيامها وامتدادها وتطورها غير ذات موضع في مجتمعاتنا، بل إن مجتمعاتنا وما يدور فيها وما يتداول على أكثر المستويات فيها لا يصل بنا إلى حاجة اقتباس مثل تلك النظرية لتحكيمها في رؤانا للعالم والأكوان والإنسان بله التحليلات الأدبية واللغوية، ونحن على أقل تقدير بغنى عن المبالغات التي تقود إليها هذه النظرية، فتعقد الأمور، وتحمل النصوص ما لا تحتمل، وتجر القارئ إلى متاهات وطلاسم لا يكاد يفهمها، وذلك لتصبح قراءة قصيدة أصعب من تحليل قضية على درجة من التعقيد لا يقابلها إلا تعقيد العالم[3]، ولا يقتصر الأمر عند هؤلاء المقلدين على اجترار ذلك الفكر واعتباره رمز التقدم والتطور، بل إن المفارقة في عملهم تكمن بين رفضهم للتراث العربي والإسلامي وازورارهم عنه لمجرد أنه تاريخ ميت مضى وتبنيهم لتراث البنيوية، إذ جاءت بعد البنيوية التفكيكية، وموت المؤلف، وغيرها من رؤى نقدية وفكرية، لتغيب القديم والتراث، وهي مفارقة تدل دلالة بعيدة على مدى ما أحدثته النوايا السيئة في عقول هؤلاء تجاه الفكر الإسلامي عمومًا والفكر النقدي الأدبي العربي الإسلامي خصوصًا، ويتعزز هذا الأمر إذا علمنا أن كثيرًا مما تنبه إليه بعض المعاصرين من غربيين وغيرهم قد وجدت له أصول في تراث عبد القاهر الجرجاني وابن جنِّي، وحازم القرطاجني، وابن خلدون، وغيرهم، ولكنه الكره المتأصل في نفوس هؤلاء لكل ما يمت لأصل من أصول هذه الأمة رسخه الضياع الناتج عن الهجرة الكاملة إلى الشاطئ الآخر، مع التخفف المشبوه الأهداف من كل الأفكار الجميلة المبسطة التي تجيب عن الثنائيات المتقابلة التي جعلت البنيوية منها عقدًا فكرية وأدبية ولسانية لا تكاد تفهم. 

وإذن فهؤلاء ملتزمون، ويمكن أن نطلق عليهم صفة الالتزام بأحد معانيه، وهذا يقودنا إلى معرفة معنى الالتزام.

ما الالتزام؟

لغة: التزم الشيء أو الأمر أوجبه على نفسه، ولازمه فهو ملتزم ملازمة ولزامًا داوم عليه[4]، وإذن فالالتزام في اللغة إيجاب الإنسان شيئًا على نفسه، ويكون هذا الالتزام إما نابعًا من قناعة تامة للشخص بما أوجبه على نفسه فهو يفعل ما توجبه عليه قناعته بإرادة منه مستقلة، وإما أن يكون نابعًا من اتباع للآخر نتيجة انبهار به وبرأيه أو تأدية لعمل مأجور مدفوع. 

وبناء على ما تقدم فإن الالتزام إما أن يكون إيجابيًا تجاه الإنسان والمجتمع والأمة فيدفع في طريق التقدم والتطوير المبنيين على الأصول والقياس، وإما أن يكون سلبيًا، يدفع باتجاه الهدم والتخريب تحت أسماء التطوير والتقدم والبناء أو غيرها من الحجج، فإذا انتقلنا خطوة باتجاه تطبيق ذلك في الأدب والشعر لوجدنا أن الالتزامين موجودان في الأدب والشعر المعاصرين، وذلك يقودنا إلى القول: إن الالتزام الإيجابي المبني على الأصول والقياس في تطور أشكال الأدب ومضامينه «أي الملتزم بالتطوير من خلال الرؤية الإسلامية»، هو الذي نسميه الأدب الإسلامي الملتزم.

وأما الالتزام السلبي، فهو ذلك الذي ادعى أنه يريد التطور في الأدب والشعر، استنادًا إلى تحطيم كل القوالب الموجودة، والأسس والأصول القائمة على أساس من تاريخ طويل وتجربة بعيدة الغور في التاريخ والنضج، إن واقع حال أصحاب هذا الالتزام البائسين، قادهم إلى الالتزام بأصحاب المذاهب الغربية التحطيمية ونظرياتهم المريضة النابعة من داخل عوالمهم الذاتية الداخلية المنبتة عن التاريخ والضوابط والمجتمع المحيط، فأصبحوا بذلك ملتزمين بمذاهب الهدم، دون أن يستطيعوا بناء نظرة مستقبلية خاصة بهم فما بني على الخطأ لا يمكن إلا أن يشق طريقًا معوجًا حتى النهاية التي نتوقعها لمثل هؤلاء الملتزمين بالتقليد للغربيين مع ادعائهم العريض أنهم تحديثيون تطويريون ولنقرأ في هذا المجال ما قاله أحد أعمدة الثقافة الغربية واصفًا ثقافة الغرب التي يحاول هؤلاء سوق أقدامنا باتجاهها.

يقول روجيه جارودي في كتابه في «سبيل حوار بين الحضارات»: «إن المونولوج الغربي دام طويلًا، لقد حاول توجيه كل الثقافات بمقتضى تصوراته الخاصة، إن تفهم ثقافة أخرى يتطلب تحولًا جذريًّا في عقليتنا الغربية، ومجهودًا كبيرًا من التواضع الفكري ومن التلقي، إن غير الغربيين بإمكانهم أن يساعدونا على الإحساس بمحدودية رؤيتنا الكونية، إني أتمنى أن يأتي متعاونون من إفريقيا وأسيا لإتمام تربيتنا، فنحن متخلفون في عدة نقاط حياتية أساسية». 

عورات التزامهم

فيما يلي تلخيص وذكر البعض هذه العورات التي صدرت من الذين حاولوا وصف عجزهم ومن ثم تبعيتهم وسيرهم في طريق التقليد للحداثة الغربية على غير بصيرة بأنه التطوير:

  1. إنهم كأسيادهم على الشاطئ الآخر يدعون إلى إنحاء أثر الأيديولوجيات «والدين منها بصورة خاصة» بحجة أن الأيديولوجيات لا تلائم الشعر، ذلك الإبداع الذي حاول هؤلاء أن يجعلوا منه أبًا وأمًا لثقافة الأمم وذلك من أجل أن يستطيعوا من خلال الفوضوية في أصول إبداعه إدخال الكثير من قيم الهدم على الناس واقرأ إذا شئت ما قاله الناقد التونسي محمد الخالدي: «فلا الشعر بما هو كائن علوي «انظر كلمة علوي وصفًا للشعر»، يقبل بالنزول إلى ساحة الأيديولوجيا والامتثال لقيودها وأوامرها، ولا الأيديولوجيا تقبل نزق الشعر وانفلاته وتمرده الذي جبل عليه[5]

  2. تكريس المديح والتبني لحركات الهدم في الأمة من الزنادقة إلى الخوارج وحركات التمرد مثل حركة الزنج والقرامطة واعتبارها تمثل حركة الإبداع في التاريخ الإسلامي، واعتبار الخارجين والمفسدين في هذا التاريخ المبدعين الحقيقيين في المجال الثقافي والشعري.. وقد عد أدونيس ابن الراوندي وابن مقبل وأمثالهما من هؤلاء في كتابيه «الثابت والمتحول»، و«الكتاب» اللذين يعتبران بكل ما ورد فيهما إدانة تامة لتاريخ امتنا، وإخضاعًا له لمقولة تفوق التاريخ الغربي في كل شيء.. تلك المقولة التي بهرت الرجل ومن تبعه في طريقته ومذهبه، فجاء كل ما كتبوه عبثًا وتخريبًا مقصودين في حد ذاتهما، ولنقرا في هذا المجال بعض ما خطته أقلامهم في هذا الاتجاه، كتب أدونيس يقول:

«الفكر العربي السائد فكر يقين ووثوق الفكر تحديدًا، هو حركة دائمة من إعادة النظر في اليقينيات كلها، بمختلف أنواعها ومستوياتها أن تفكر هو أن تزلزل الوثوقية»[6].

وكتب شعرًا يريد منه هدم كل شيء إذ يقول:

أحرق ميراثي 

أقول أرضي بكر

ولا قبور في شبابي[7].

  1. إخلاء ذمة الأدب والشعر من أي رسالة سامية، سوى غايات الهدم والتمرد والفوضى التي يريدون لكل شيء أن يخدمها: اللغة الكتابة الأنظمة الثقافة والمثقف والاقتصاد والسياسة، وحتى الجغرافيا، إنهم يستهزئون بالملتزمين بثقافة الإسلام وينعتون هؤلاء بالتحجر وفقدان المبادرة وتابعية النظر والفكر وعدم القدرة على الابتكار هذا في الوقت الذي يدخلون فيه في الحرفية والاتباع الببغاوي لكل ما هو آت من الشاطئ الآخر، لا يبتكرون ولا يبدعون حتى إذا أدخل الناس هناك الغموض في كلماتهم والرموز المبهمة، والأساطير اليونانية، واستخدموا الأسماء الوثنية الكافرة لآلهة اليونان وقصصها المختلفة العجيبة نسج الببغاوات عندنا على نفس المنوال وساروا على الدرب نفسه، وأوهموا الناس أن هذا هو الأدب والشعر الحق، وكل ما عدا ذلك فهو كلام يسير على خطى السلطة والسلطويين، سواء تمثلت هذه السلطة بالدين والإسلام والقرآن والسنة، أو تمثلت بالحاكم الذي يقوم على تنفيذ الأحكام ورغم كل ما كتبه ويكتبه هؤلاء لم يجد له صدى أو استجابة داخل المتفاعلات الجماهيرية، فقد أتيح لهم من النشر الإعلامي والدعائي والانتشار الاسمي ما لم يتح لأي من الشعراء والأدباء الملتزمين إيجابيًا، وبدا المشهد الثقافي العربي تحت وطأة ضجيجهم كأنه آيل للسقوط في حبائل هؤلاء الغرباء. 

ولكي ندلل على صحة ما ذهبنا إليه لا بأس من أن نختم القول باقتباس بعض تهويمات هؤلاء وهدرهم لفضيلتي الشكل والمضمون، وتجاوزهم لأخص خصائص ومقدسات الناس، واستمع إلى «أدونيس»، يتكلم في كتابه «الكتاب أس المكان الآن» إذ يهجو كرسي الحكم «السلطة» ويعتبرها منسولة من أحلام الأنبياء: 

«سبحانك يا هذا الكرسي 

مصنوعًا برؤوس قطعت

مصبوفًا بدم طفل حينًا، شيخ حينًا 

منسولًا جزءًا جزءًا

من أحلام نبي

سبحانك يا هذا الكرسي[8].

وأدونيس هنا ناقل فكر غريب، بلغة ضعيفة مستعملًا صورًا متآكلة ومرهقة من كثرة ما عدا عليها العادون هذا مع أنه يشدد في كل كتاباته على تفجير اللغة، وإيجاد لغة شعرية جديدة غير منتمية إنه مقلد منذ استعار مديح قصيدة النثر من الكاتبة سوزان برنار، إلى يوم الناس هذا ظانًا أنه بمهاجمة مقدسات الأمة وأسباب قوتها يستطيع أن يفعل شيئًا للأسياد الذين راحوا يفرغونه[9]، لعلهم به يواجهون صحوة الأمة المباركة، التي بدأت تضيء مساحات الظلام التي خلفتها أقلام هؤلاء منذ الخمسينيات، من مثل أدونيس، ويوسف الخال وكمال أبو ديب، وسعيد عقل، ومن لف لفهم، واتبع خطى مجلة شعره التي أنشأوها في الخمسينيات وكرسوها لبث سمومهم وصدق الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- حين قال في مثل هؤلاء: «راقبت إنتاج ذوي الأسماء اللامعة في هذا الميدان المبتدع، فوجدت السمة الغالبة على هذا اللغو المسمى شعرًا لا تتخلف أبدًا، التفكير المشوش أو اللاتفكير والتعبير الذي يجمع الألفاظ بالإكراه من هنا ومن هنا يحاول وضعها في أماكنها وتحاول هي الفرار من هذه الأماكن»[10]


الهوامش

[1] كاتب سوري

[2] مقابلة مع أدونيس أجرتها مجلة «الوسط العدد 405/7 نوفمبر ۱۹۹۹م.

[3] مجلة الاقلام ص ٥٢ يوليو ١٩٩٠م من بحث البنيوية لـ د عمران الكبيسي.

[4] المعجم الوسيط.

[5]  جريدة الزمان، عدد ٤٧٩ - 14/11/ ١٩٩٩م.

[6] أدونيس، النظام والكلام، ص ١٥٧

[7] أدونيس، مصيدة إلغة الخطيئة.

[8] اس المكان، ص ٢٩٦

[9]  كان آخر تفرغ له في معهد برلين للدراسات العام الماضي. 

[10] من كتاب الغزالي مشكلات في طريق الحياة الإسلامية ص ١٠٥.

الرابط المختصر :