العنوان التهجير القسري حطم الروابط الأسرية بين البوشناق المسلمين.. الذين تفرقوا في ١٠٠ دولة
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 24-مارس-2007
مشاهدات 80
نشر في العدد 1744
نشر في الصفحة 32
السبت 24-مارس-2007
المهجرون البوسنيون بين وحشية الغربة ومرارة العودة!
الرئيس «حارث سيلاجيتش»: الاستثمارات الاقتصادية الإسلامية رهاننا الأساسي لإنقاذ ملايين المسلمين من الجوع والجهل والتنصير..
تردي وسائل المعيشة وضعف الاقتصاد والبطالة والأمية... تحديات في طريق عودة المهجرين.
منظمات التنصير استغلت معاناة الأطفال والنساء البوسنيات... فزوجت النساء لنصارى قسرًا وعمدت الأطفال في الكنائس.
لم يحُل توقيع اتفاقية دايتون للسلام في البوسنة، في ٢١ نوفمبر ١٩٩٥م دون تضميد جراح المسلمين في البلقان؛ حيث ما زال مئات الآلاف من المسلمين بعيدين عن ديارهم وأرضهم...
وتمت عمليات التهجير ضمن مخطط لتصفية الوجود الإسلاميِّ بيولوجيًا من خلال القتل والتهجير، وثقافيًا عبر طمس المعالم الإسلامية.. وفي مقدمتها المساجد والآثار حتى المقابر تحولتْ في نظر العدوان إلى معالم ثقافية فتم تدميرها.
أرقام مأساوية: وكانت عمليات التهجير القسري والتطهير العرقي جزءًا لا يتجزأ من عمليات الإبادة، التي راح ضحيتها أكثر من ٢٠٠ ألف مسلم على يد الصرب، وأكثر من ٣٠ ألف امرأة مسلمة تم اغتصابها، و٢٥٠ ألف مسلم مروا عبر المعتقلات الجماعية التي بلغ عددها ٦٠٠ معسكر اعتقال، لم يشهد التاريخ لها مثيلًا...
وقد دفع العدوان الصربيِّ نحو مليوني مسلم لترك ديارهم، منهم قرابة مليون نسمة خارج البوسنة، ونحو مليون داخلها، وقد نال الأذى والقتل عددًا كبيرًا من المُهجَّرين داخل البوسنة، مثل سراييفو التي قتل فيها ١٢ ألف نسمة خلال 4 سنوات من العدوان، وفي «سيربينتسا» قُتِل ما يزيد على 10 آلاف نسمة في يوليو ١٩٩٥م خلال ثلاثة أيام، وما زالت المقابر الجماعية التي يعثر على الكثير منها بعد أن بلغ عدد من تم العثور عليهم أكثر من ٢٥ ألف ضحية، ونتج عن ذلك هجرات جماعية للنساء والأطفال والطاعنين في السن.
الخارجون من الجحيم
ولم يسلَم المُهجَّرون من السلب والنهب فلم يسمح الصرب لهم بالخروج سوى بالثياب التي يلبسونها، وكثيرًا ما تعرض المُهجَّرون لإطلاق نار من قبل الصرب والكروات عبر طرق الهروب.. من بريتشكو في الشمال وحتى "بيالينا" في الشرق، وغير سراييفو و «موستار، و بيهانش و سانسكي موست وكليوتش»، وفيليكا كلادوشا... وغيرها..
أما المرضى وكبار السن فقد ماتوا خلال الأيام الأولى من الاعتقال.. حسبما أكد كمال شاهينوفيتش، الذي ذاق جحيم المعتقلات الجماعية، ثم سلم للمنظمات الدولية التي دفعته للسفر بعد أن تعهدت تلك المنظمات المصرب بتهجيره بعيدًا عن البوسنة!!
وفي ٢٥ سبتمبر ١٩٩٣م كان كمال، ضمن ١٧ مسلمًا في الطريق إلى توزلا (۱۲۰) كلم شمال سراييفو بعد أن هاجم الصرب مسلمي "بيالينا" على مدى 5 أيام متواصلة، وفي الطريق وقعوا في كمين نفذته فرقة بيتناري. الصربية وأعيدوا لـ: «بيالينا» ليُزَج بهم في معتقلات جماعية ذاقوا تحت أقبيتها ويلات العذاب والإهانة، فقد كمال، ثلاثة من أسنانه، ولم يطلق سراحه إلا بعد عامين من التعذيب في ٢٥ سبتمبر ١٩٩٥م.
وخلال العامين الأولين من العدوان الصربيِّ على المسلمين في البوسنة (1992-1993) تصاعدت وتيرة التهجير إلى الداخل والخارج بدون انقطاع، وكان معظم المهجرين من مناطق شرق البوسنة وشمالها. مثل: "بيهاتش" و"بريتشكو" و"بيالينا" و"بريدون"، و"كوتر فرش" و "بنيالوكا" وغيرها.
وقدْ قُتل في "بريدون"، وحدها نحو ٢٠ ألف مسلم أمام أعين الجنود الفرنسيين الذين رفضوا حتى الإدلاء بشهادتهم.
وفي مارس ١٩٩٣م كانت هناك قافلة من المُهجَّرين تتكون من ۷۰۰ شخص حسب تقديرات مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، حوصروا من قبل الصرب في منطقة تسرنا فره وسقط الجميع موتى في حقل ألغام، بينما قال الجنرال الفرنسي فليب موريون، قائد قوات الأمم المتحدة وأحد المسؤولين عن مجازر سريبرينتسا آنذاك: «لم أشتم رائحة الموت وليس هناك أي أثر لمذبحة».
في تلك الأثناء كان هناك أكثر من ٦٠ ألف مُهجَّر في مدينة "توزلا".. وقد تم إيواء المُهجَّرين في الصالات الرياضية المغطاة بعد أن اكتظت مساكن السكان المحليين بالمُهجَّرين، ومن حسن حظ أولئك المُهجَّرين أنهم هم الوحيدون الذين نجوا من المذابح فقد كانت السيارات العسكرية الصربية تقوم بمداهمة القرى بغرض إبادتها.
تقول "صابينا" من إحدى قرى بنيالوكا (للمجتمع): «حاصر الصرب القرية عندما كنت عائدة مع أختي من الحقل، وأخذوا يطلقون النار في كل اتجاه.. وبدأ الناس يقرون باتجاه النهر أصيب أبي وقتل على الفور.. تجمعنا نحو ١٥ فردًا في بيت.. لم يبق على قيد الحياة سوى ٦ أشخاص، وفي الليل تسللنا نحو الأراضي المحررة آنذاك».
طريق الفرار نحو المجهول
وبعد الويلات التي تواجه الفارين بأنفسهم من عدوان الصرب مثلث كرواتيا المحطة الثانية للكثير من المهجرين، ومنها يتم تسفير الآلاف إلى أصقاع العالم المختلفة حيث تفرق البوشناق المسلمون في أكثر من ١٠٠ دولة.
وكانت أوضاع المُهجَّرين في كرواتيا أسوا من أوضاعهم في البوسنة، وهو ما ينطبق على أوضاعهم في مقدونيا ودول البلقان الأخرى ما عدا تركيا ...
يروي فريد، الذي كان يعيش مع زوجته في كوخ وقد تجاوزا السبعين (للمجتمع): «بدأ الفاشيون الصرب بذبح ١٤ مسلمًا في بوسانسكي برود، ثم توالت المذابح اليومية مما جعلنا مضطرين لترك أملاكنا مُكرَهين...
صورة أخرى للمعاناة، يجسدها ثابت دوجالينش، الذي يعاني من مرض في جهازه التنفسي أقعده عن العمل وزوجته طريحة الفراش في المستشفى، ومع ذلك كان يُجبَر على دفع إيجار السكن، وبالكاد يحصل على ٥٠ ماركا يدفعها لصاحب الغرفة التي كان يسكنها مع زوجته وبناته الثلاث بدون ماء ولا كهرباء».
الاستغلال والتنصير
ورغم ذلك لم يكن الخروج من البوسنة نهاية للمتاعب أو هروبًا نهائيًا من القتل والذبح، فإخوة "التشتنيك" الصرب كانوا للمُهجَّرين بالمرصاد في عالمهم الجديد، فإلى جانب مأساة البعض ممن تزوجن بغير مسلمين برضى أو تحت ضغوط مختلفة كان البعض يحضر إلى الكنائس للحصول على الغذاء.
كما انخرط بعض الأطفال الذين نجوا من العدوان أو نقلهم الصليب الأحمر من البوسنة في الجيش الكرواتي، فقتل بعضهم وأصبح البعض الآخر معاقًا، ولم تقابل خدماتهم سوى بالجحود والنكران؛ حيث توقفت مساعدات كرواتيا لهم بعد ذلك.
أما الذين انتقلوا إلى دول أوروبية أخرى مثل النمسا وألمانيا واستراليا وغيرها، فقد تعرَّض الكثير منهم للابتزاز والاستغلال.
ففي النمسا وألمانيا مثلًا، تم توزيع المُهجَّرين على الأسر النمساوية والألمانية مقابل مبالغ مالية تدفعها الدولة، وكان بين المهجرين نساء بدون أزواج وأطفال بدون أب الوالدين معًا وكانت المنظمات التنصيرية تنشط وسط المُهجَّرين المسلمين، حيث سيطرت على البيوت التي يسكنونها، لا سيما "منظمة كاريتاس" التي نشطت في تعميد بعض الضحايا في حفلات ضخمة داخل الكنائس.
أما الكنيسة في إيطاليا وإسبانيا فقد كانت تفعل ذلك سِرًّا؛ حيث اشترت بعض الأطفال ممن رحلوا من سراييفو، تحت شعار حمايتهم من الموت، قامت بتعميدهم.. بل وإخفائهم حتى الآن عن أهاليهم!!
وقد نقلت الصحافة الإيطالية بعض أسرار تلك القرصنة الوضيعة واستغلال براءة الأطفال دون التفات لمعاناة ذويهم الذين لا يزالون يبحثون عنهم.
مشکلات العودة للوطن
لقد عاد أكثر من مليون مُهجَّر إلى ديارهم في البوسنة، وِفق تقارير الأمم المتحدة، معظمهم على ما يبدو من مهاجري الداخل، ولا يزال نحو مليون وثلاثمائة ألف في الخارج، بعضهم يؤدي دورًا اقتصاديًا مهمًا من خلال التحويلات المالية التي يرسلونها إلى ذويهم في البوسنة، إضافة لاكتساب الكثير منهم خبرات جديدة وحصولهم على موارد رزق محترمة، لكن مخاطر التوطين لا تزال قائمة، فضلًا عن فقد الأبناء لروابطهم بالبوسنة ونسيان بعضهم اللغة البوسنية أو جهلها تماماً، مثل: الأطفال الذين وُلِدوا في الخارج ولم تبدل أسرهم جهداً في تعليمهم لغتهم أو حتى تعاليم دينهم.
وحول حجم معاناة ما بعد العودة، تقول عجوز تدعى "صابينا" في "سانسكي موست" (للمجتمع): نستطيع أن تنام في الليل فقط ونظل جلوسًا إلى قبيل الظهر من شدة البرد. ولا أدري إن كان صوتنا سيصل لمن يقدر على مساعدتنا أم لا ... نحن في حاجة إلى الطعام وكل شيء خاصة البطاطين والحطب ارتجف حوالي ١٠ ساعات، كما أن أغلب الأطفال الصغار مرضى ولا يجدون دواء السعال الذي ذهب بصحتهم وتركهم هياكل عظمية، إنهم في حاجة إلى العناية، ولكن من يعتني بهم؟!! فالوالدان لا يملكان شيئًا والمنظمات الإغاثية غير موجودة.
وتحدث بعض الفلاحين (للمجتمع) عن ضرورة توفير الآلات الزراعية الاستغلال أرض البوسنة التي تتمتع بالخصوبة العالية. قائلين: لو توفرت الآلات الزراعية الكافية في البوسنة إلى جانب الأرض الخصبة لحدثت نقلة عظيمة في الاقتصاد البوسني وأثَّر ذلك إيجابيًا على الحياة الاجتماعية ورفاهية البلاد.
جهود الحكومة الجديدة
وقال الرئيس البوسني "حارث سيلاجيتش" لـ: «المجتمع»: «المهاجرون في الخارج يتوجب العناية بهم وربطهم ببلدهم لبناء دولة متطورة ومتقدمة بالاستفادة من خبراتهم التي صقلوها أو اكتسبوها في الخارج. إلا أن أمامنا تحديات كثيرة من بينها رفع مستوى الإنتاج الزراعي عمومًا والصناعي، والعمل على بناء اقتصاد قوي بالتعاون مع دول المنطقة ودول العالم قاطبة... نحن نجري لقاءات ومشاورات مع الدبلوماسية الدولية ومع البنك الدولي ومع الدول الصديقة لهذا العرض».
ويقول "عليّ بابيتش، رئيس إحدى الجمعيات التي تعنى بالمهاجرين (للمجتمع): «إن المهجرين العائدين إلى ديارهم يعانون من ظروف غاية في القسوة، فهم بدون هاتف ووسائل إعلام، وفي الشتاء وعند هطول الأمطار والثلوج تصبح الكثير من القرى مقطوعة عن الحياة".
وحول جهود جمعيته في إغاثة العائدين من المُهجَّرين أشار: «نحاول إنقاذ الأطفال العائدين من خطر الأمية بربطهم بالمنهج الدراسي لحين تحسن الظروف ووضعنا برنامجًا دراسيًا من الصف الأول وحتى الصف الخامس، ونجمع الأطفال في قاعة واحدة، ونخصص لهم أستاذًا واحدًا، لقلة الموارد والكوادر».
ويضيف: «كما أن العائدين لمناطق شرق البوسنة التي شهدت المذابح والجرائم المختلفة بحق المسلمين لا يزالون يعيشون ظروفًا غير طبيعية بعد عودتهم، لدينا عدد كبير من المسلمين رجعوا إلى بيالينا (شرق) ولكنهم لا ينعمون بالحرية، فهم ممنوعون من تأسيس إذاعة ولا يسمح لهم بالدخول في إدارات المدارس، ويصعوبة سمح الشخص بدخول إدارة مجلس مدرسة رغم أن أغلب الطلبة مسلمين. كما أن الكثير من المساجد لا تزال مدمرة منذ العدوان حيث حول الصرب أنقاض المساجد التي هدموها إلى مزايل فالأئمة والدعاة ليس لديهم مكان يأوون إليه. كما لا توجد لديهم سيارات للتنقل فبعض القرى تبعد عن بعضها البعض نحو ٧٠ كلم».
وعن احتياجات المهجرين قال "عليّ بابيتش": «دعمهم بالمشاريع الاستثمارية مثل: القرض الحسن، وتوفير ما يساعد سكان الريف على نوع من التأقلم مع واقعهم الجديد بعد العودة مثل توفير أبقار لتوفير الحليب أو عجول التسمين، وجرارات زراعية وبذور، وتربية النحل والدواجن، بجانب دعم التعليم».
ويشير وزير شؤون المُهجَّرين الجديد صافت خليلوفيتش إلى أن هناك حاجة لبناء مساكن جديدة للمُهجَّرين: «نحن في حاجة لبناء ٤٥ عمارة، ونحتاج لـ ٨٠٠ مليون مارك (٤٠٠ مليون يورو) لتجاوز أزمة البطالة وتدهور الخدمات العامة والبنية الأساسية؛ حيث تزيد نسبة البطالة على 40% وزادت عددهم مسألة الطرد من العمل على أساس عرقي منذ بداية العدوان على البوسنة وحتى الآن، ونحن لدينا قرار من المحكمة الدستورية وهي أعلى سلطة قضائية بالبلاد، ويقضي بعودة الموظفين والعمال إلى أماكن عملهم قبل الحرب وتحديدًا سنة ١٩٩١م، فبعد الحرب تم طرد جميع المسلمين من مراكز عملهم التي وقعت تحت سيطرة الصرب والكروات. وهذا الأمر لا يزال ساريًا حتى الآن في تلك المناطق ما يعرقل عملية تفعيل عودة المهجرين ونحن نقوم بكل ما أوتينا من جهد في هذا السبيل».